رجع المراجعات: رد على مصطفى الرميد

 مر السيد مصطفى الرميد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، يوم الأربعاء 27 فبراير 2019، ضيفا على برنامج “حديث خاص” الذي تبثه قناة “التلفزيون العربي”. من حيث المبدأ، يحق للسيد الرميد أن يقول ما يشاء وأن يبرر كما يريد الوضع المغربي الراهن، ويحق له أيضا أن يستعمل أكثر العبارات ليونة للتخفيف من الأزمة البنيوية الخانقة التي يعيشها المغرب، لكنه مهما فعل لن يقوى على إنكار تلك الأزمة رغم محاولته إختزالها في توترات محلية، خاصة منها أزمة الريف التي على تضاريسها ومن خلال تداعياتها انفجرت أزمة وطن بأسره وهو يجتر تاريخ أزماته المتراكمة.

إن السيد الرميد يريد، في ذلك الحوار، أن يقنعنا بأن الدولة التي تحاكم الصحفيين (محمد المهداوي وتوفيق بوعشرين)، والتي سبق لها أن اعتقلت رموز الصحافة البديلة الذين أوصلوا رسالة حراك الريف السلمية والحضارية إلى العالم ( محمد الأصريحي، جواد الصابري، علي حود، أشرف اليخلوفي.. )، هي دولة “تسير في الإتجاه الصحيح بنسبة محترمة”. حقا، إنه نعم السير في الإتجاه الصحيح بالنسبة لدولة تريد أن تفني عمرها وعمر شعبها وهي في طور “الإنتقال السياسي والديموقراطي” الخالد، مادام أنه انتقال لا يريد أن ينتقل إلى ما يدعي أنه ينتقل نحوه: الديموقراطية. ومادام أن الإستدامة في مرحلة “الإنتقال الديموقراطي” تسمح بتبرير مختلف التراجعات باعتبارها مجرد تجاوزات ناتجة عن الوضع الإنتقالي المزعوم. ويمكن القول بأن التموقع في وضع الإنتقال الديموقراطي هو تراجع في مجال حقوق الإنسان من منطلق الديموقراطية التي يراد الإنتقال إليها. ولا شيء يؤكد العكس غير الإنتقال بسرعة إلى تلك الديموقراطية الموعودة والكف عن خدعة الإنتقال إليها التي لا تنتج غير التراجعات. وما تبخيس العمل السياسي وإضعاف الأحزاب السياسية ودكننتها، ما تكريس الريع السياسي وإضعاف المؤسسات وضرب استقلاليتها إلا عناوين لتلك التراجعات التي لا يمكن إخفاؤها بالتشدق بما تحقق بحكم منطق الأشياء والتطور التاريخي الذي لا مفر منه. ويكفي مراجعة التقارير الدولية في مجال حقوق الإنسان والديموقراطية والتنمية والتعليم والصحة والشغل والعدالة والبطالة والفساد… كي ينكشف هول التراجعات التي تطبع الوضع المغربي.

وأثناء تطرقه لأزمة الريف قدم الرميد اختزالا كاريكاتوريا لما حدث بالحسيمة كي يبرر الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي طبعت المقاربة الأمنية القمعية للدولة في تعاملها مع حراك الريف، تلك الإنتهاكات التي بلغت حد الإجهاز على الحق في الحياة ( محسن فكري، عماد العتابي، عبد الرحيم أحداد )، وتميزت بالإستعمال المبالغ فيه للغازات المسيلة للدموع والقوة والتعنيف المفرط للمتظاهرين السلميين، واعتقالات تعسفية ومحاكمات صورية أصدرت أحكام ظالمة وانتقامية. وعيب الخطاب التبريري هي مغالطاته الفادحة والفاضحة لمنطق السلطة الثاوية في طياته.

وفِي سياق تبرير قمع الدولة لنشطاء الحراك صرح الرميد بأنه عندما يكون هناك توتر تصدر تجاوزات من هذا الطرف أو ذاك. وإذا ما كان الأمر كذلك، فلماذا الإصرار على معاقبة طرف دون الآخر؟ لماذا انزلقت الدولة إلى معاقبة نشطاء الحراك والريف بأسره على أخطاء لم تُرتكب والسكوت عن تجاوزات القوات العمومية والمسؤولين المحليين والجهويين والوطنيين؟ ويدعي الرميد بأن حراك الريف رفع في بدايته مطالب اجتماعية تحولت لاحقا إلى مطالب سياسية. إن مطالب حراك الريف الاجتماعية نعرفها ويعرفها العالم، لكن ما لا نعرفه هو كيف أصبحت تلك المطالب سياسية؟ وما طبيعتها؟ ومن طالب بها؟ وأين؟ وكيف؟ ومن هي تلك الجهات التي تدخلت لتسييس مطالب الحراك؟ ويضيف أن الحسيمة عرفت تظاهرات على امتداد ستة أشهر ولم تتدخل الدولة لإيقافها. وإذا افترضنا أن ذلك صحيح فإن السؤال الذي على مصطفى الرميد الإجابة عنه هو: لماذا تركت الدولة تلك التظاهرات تستمر كل هذه المدة؟ وبما أن حراك الريف رفع مطالب اجتماعية فلماذا لم تسارع الدولة للحوار مع أصحاب تلك المطالب وتعمل على تحقيقها؟

منطق خطاب الرميد اللاشعوري يقول بأن الدولة تجاهلت مسيرات الحراك ومطالبه لتدفعه نحو التجذر والتطرف وحمل شعارات سياسية. ولأن منطق اللاشعور لا يقرأ الواقع إلا من منظور أوهامه وهلوساته فإن السيد الوزير لا يتردد عن نفي الواقع لتأكيد اعتقاداته التي هي ذاتها الإدعاءات التي تم ترويجها إعلاميا منذ بداية الحراك كما أنها هي نفسها الإتهامات التي تضمنها بلاغ قادة أحزاب الأغلبية الحكومية : الإنفصال، التآمر وزعزعة الدولة… وتلك هي المطالب السياسية التي، ربما ، يدعي الرميد أن الحراك حملها. كأن الرميد لم يتابع مسيرات حراك الريف وجموعاته العامة المباشرة، كأنه لم يتابع محاكمات نشطاء الحراك، كأنه لم يعلم بتصريحاتهم أثناء محاكمتهم التي أكدوا فيها على تشبثهم بنضالهم السلمي وبمطالبهم المعروفة، كما نفوا من خلالها تهمة الإنفصال والتآمر والعنف، كأنه لم يصله خبر رفض هيئة المحاكمة تصريحات المعتقلين السياسيين وتظلماتهم وعدم أخذها بمرافعات دفاعهم لا خلال الدفوعات الشكلية ولا أثناء مناقشة الملفات المطبوخة. كل هذا وهو وزير حقوق الإنسان.

وفِي الحقيقة،إن إدعاء الرميد بأن الدولة لم تتدخل طيلة ستة أشهر، هو إدعاء باطل. فقد تدخلت الدولة أكثر من مرة وبطرق شتى، لكن نباهة نشطاء الحراك والإحتضان الشعبي لهم أفشلت كل تلك التدخلات رغم شراستها وعنفها. وللتذكير فقد تدخلت قوات الأمن بعنف لفض اعتصام بساحة الشهداء في الساعات الأولى من يوم 5 يناير 2017، وقد أعقب ذلك محاصرة تلك الساحة وسواها لشهور بتواطؤ مع المجلس البلدي والجمعيات الإرتزاقية ولوبيات الفساد. تدخلت بشكل أكثر عنفا وهمجية لمنع نشطاء الحراك من تخليد ذكرى رحيل محمد بن عبد الكريم الخطابي والمصادقة على الملف المطلبي يوم 5 فبراير 2017. وستتدخل ذات القوات، على إثر مواجهات بين عناصر محسوبة على جمهور الوداد البيضاوي وعموم سكان الحسيمة، لتكسير الممتلكات ونهبها وتعنيف المواطنين واعتقالهم بشكل تعسفي وعشوائي، دون أن تطال تلك الإعتقالات أي عنصر من المحسوبين على جمهور الوداد البيضاوي…

إن الدولة حاولت قمع الحراك منذ بدايته وجربت مختلف الأساليب القمعية وجندت مختلف الأطراف من أجل ذلك، لكن كل تلك المحاولات فشلت في ضرب الحراك أو جره إلى الفوضى والعنف.

ويكرس الرميد، مرة أخرى، الرواية الرسمية، حين يتهم نشطاء الحراك باقتراف ما اعتبره ضمنيا مبررا للهجمة الشرسة على الحراك: إقدام ناصر الزفزافي على استنكار خطبة الفتنة ليوم الجمعة 26 ماي 2018. لكأن ذلك الإستنكار، داخل المسجد من طرف ناصر الزفزافي لخطبة تحرض على الفتنة، هو الفتنة الكبرى، مع أن القانون يمنع على الخطيب توظيف خطبة الجمعة لتصفية الحسابات السياسية ولنشر الكراهية والتحامل على المواطنين. ولو كان السيد الرميد حريصا حقا على مواجهة كل أشكال التراجعات في مجال حقوق الإنسان لاتخذ موقفا حقوقيا وشرعيا عادلا من خطبة الفتنة ولاعترف بأن تلك الخطبة هي التي فجرت الوضع وليس تدخل ناصر الزفزافي. إن منطوق كلام الرميد يبرر حملة الإختطافات والإعتقالات التعسفية والعشوائية التي طالت نشطاء ومواطنين لا علاقة لهم بحدث المسجد. وفِي هذا المقام ينفضح بؤس المرجعية الإسلامية التي يتشدق بها الرميد وحزبه وأذرعه، حين يبرر باسم المقدس الديني ما لا يمكن تبريره، وبهذا المنطق التبريري كف الرميد على أن يكون وزيرا لحقوق الإنسان ليلبس جبة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية كما أنه يتقمص في لحظات أخرى من ذات الحوار دور وزير الداخلية. مثل قوله: ” إن القوات الأمنية التي تدخلت في الحسيمة ونواجيها لم تكن تحمل الرصاص، وكانت تواجه إشكالات عديدة في مدينة مهمة مثل الحسيمة، ووقعت بعض الارتباكات عند الطرفين لكن لم تكن هناك نتائج سيئة على المستوى الحقوقي بالمعنى الذي يمكن أن يقع في بعض البلدان”.

الظاهر هنا أن السيد الرميد يريد أن يجعلنا نحمد الله لأن الدولة اكتفت باختطاف واعتقال المواطنين تعسفبا ومحاكمتهم صوريا، واكتفت بالحكم عليهم بعشرين سنة سجنا نافذا فما تحت، ولم تمطر المتظاهرين بالرصاص الحي، ولم تحكم على المعتقلين السياسيين بالإعدام والمؤبد. مع أن الرأي العام لا زال ينتظر نتائج التحقيق في كيفية قتل الشهيد عماد العتابي. وكأن قدرنا مع مسؤولينا هو أن يظلوا يقارنون وضعنا بأوضاع شعوب في حالة الفوضى والإنهيار كي نقبل بما لا يليق القبول به.

وحين يريد الرميد الحديث عن مفاتيح حل أزمة حراك الريف فإنه يسقط على نشطاء الحراك تجربته الشخصية وتجربة حزبه المطبوعة بالمراجعات للخروج من السرية للإنخراط في اللعبة السياسية، بل إنه يحاول المماثلة بين معتقلي السلفية الجهادية المتابعين في قضايا الإرهاب ومعتقلي حراك الريف. وشتان ما بين معتقلي السلفية الجهادية الذين يتبنوا العنف ويمارسونه ويريدون إقامة دولة الخلافة وتورطوا في عمليات إرهابية وبين معتقلي حراك سلمي حضاري بمطالب اجتماعية، وهذا لا يعني أننا نزكي الخروقات التي قد تكون مست حقوق أولئك المعتقلين ونطالب بإنصافهم. ولذلك نجد السيد الوزير يدعو معتقلي حراك الريف إلى إجراء مراجعات وتقديم النقد الذاتي والتراجع عن مواقفهم. وهذه القول، بغض النظر عن مراميه، يؤكد حقيقة أساسية وهي أن محاكمة معتقلي حراك الربف سياسية وأنهم أعتقلوا بسبب مواقفهم وآرائهم التي يطالبهم الرميد بالتراجع عنها. وهذا الطلب هو ابتزاز للمعتقلين السياسيين ولعائلاتهم والمتضامنين معهم وطنيا وعالميا بقدرما هو استفزاز لهم جميعا. لأن إقراره هذا، من حيث لا يدري، بالطابع السياسي لاعتقال نشطاء حراك الريف ومحاكمتهم يستلزم المطالبة بإطلاق سراحهم فورا وليس مطالبتهم هم بالتراجع عن مواقفهم.

وإلا فعماذا يريد الرميد أن يتراجع المعتقلون؟

ليس هناك ما هو أوضح من تأكيد نشطاء الحراك على سلمية احتجاجاتهم وتشبثهم بملفهم المطلبي. وإنه لمن العبث أن نطلب منهم مراجعات لمواقف سياسية هي في الإصل تهم ملفقة لهم، والدولة هي التي عليها مراجعة مواقفها من الحراك والريف وأسلوب تعاملها معهما. كما أن معتقلي حراك الريف ليسوا معنيين بمختلف الخطابات الرائجة حول الريف بالداخل والخارج لا تلتزم بمبادئ الحراك ومطالبه وقيمه. وبالمناسبة نذكر السيد الوزير بمقطع من كلمة رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية ألقاها في لقاء عقده بالناظور في أوائل شهر أكتوبر 2011، حيث يقول بالحرف: ” أنا دائما أقول فيما يخص الحكم الذاتي، أنه هناك منطقتين كان يجب أن يكون فيهما حكما ذاتيا منذ البداية، وهي منطقة الصحراء ومنطقة الريف. لأن بلاد الريف لها تقليد من خلال جمهورية محمد بن عبد الكريم الخطابي التي هي عبارة عن حكم ذاتي أسسه محمد بن عبد الكريم الخطابي، وبين من خلاله أن هذه المنطقة يمكنها، عن طريق إمكانيتها الذاتية إذا تُركت لتستفيد من إمكانياتها الذاتية وخيراتها المادية والبشرية، أن تُنمى وتلبي حاجيات السكان. لكن مع الأسف، منذ الإستقلال إلى اليوم هناك نوع من العرقلة لمشاريع التنمية، ونحن نعرف والجميع يعرف اليوم أنه كانت هناك إرادة لعرقلة التنمية في منطقة الريف، وكانت هناك محاولات لتهريب إما الأموال وإما الإستثمارات وإما الإمكانات الكثيرة إلى مناطق أخرى، إلى المغرب النافع/ المغرب المنتفع، لأن هناك مغرب نافع ينتج الخيرات وهناك مغرب غير نافع تهرب إليه تلك الخيرات ويستفيد منها اليوم. إن هذا المنطق يجب أن ينتهي. ويمكنني القول أنه، إلى يومنا، لا يزال جزء كبير من سياستنا ينبني على هذا المنطق ويأخذ منه توجها لازال يطبق إلى الآن”. وهل كان حراك الريف يطالب بأكثر مما عبر عنه سعد الدين العثماني؟ وكيف نطالب من معتقلي حراك الريف التراجع عن مواقف لا تخرج عما يطرحه هذا التصريح؟ وإنه لمن المؤسف أن يواصل قادة حزب العدالة والتنمية خذلان منطقة الريف. فالعثماني الذي صدر عنه التصريح أعلاه هو ذاته الذي سيدشن ترأسه للحكومة باتهام نشطاء الحراك وعموم الريقيين والريفيات بالإنفصال والتآمر، لتعقب ذلك أشرس حملة قمعية في تاريخ الريف الحديث. وهذا الإنقلاب في موقف العثماني يبين ضعفه وعجزه على مواجهة ذلك المنطق الإقصائي للريف والإنتقامي منه والناظم للسياسة الرسمية حتى وهو يرأس الحكومة. والأكثر من ذلك فإن العثماني أبى أن يساهم في لجم هذا المنطق وأصر على تكريسه وتحيينه على أبشع وجه. ومما لا شك فيه أن تصريحات السيد الرميد تسير في نفس الإتجاه الإنتكاسي لساستنا حين ينتقلون إلى دائرة السلطة، فنجده يدعو معتقلين حراك الريف للتراجع عن مواقف لا تخرج عن مضمون تصريح العثماني، وهو التصريح الذي لم يتراجع عنه العثماني ولم يطالبه الرميد بالتراجع عنه.

وإذا ما افترضنا أن معتقلي حراك الريف قد ارتكبوا أخطاء ما فإن محنة إعتقالهم ومدة سجنهم وما تعرضوا له من عنف مادي ونفسي وما عانته معهم عائلاتهم وأصدقاؤهم يجبّ ما تقدم وتأخر من أخطائهم؛ إذا كان ولا بد من مراجعات ما، فالمطلوب أن تجرأ الدولة على مراجعة سياساتها العمومية وطريقة إشتغالها وتعاملها مع مطالب الحراكات الإحتجاجية السلمية المتنامية.

المطلوب عاجلا أمام الموجة الثانية من انتفاضات شعوب المنطقة هو إعتراف الدولة بأخطائها والإسراع في معالجتها والحد من تداعياتها الكارثية. وفِي مقدمة ذلك إطلاق سراح معتقلي حراك الريف وكل الحراكات الإحتجاجية بدون قيد أو شرط.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.