ربورطاج | هكذا أضحت الأماكن العمومية لآسفي شبحاً يفزع السكان

صلاح الدين عابر

لم يفلح المجلس البلدي لآسفي و مسؤولي السلطات المحلية في ايجاد حل لأزمات المساحات الخضراء و البنية التحتية والمرافق العمومية و السكن العشوائي و العزلة التي تُحاصر عدة مناطق في المدينة، رغم أن مجموعة من المشاريع التي تمت برمجتها، و التي كلفت ” صفاقتها “، ملايير السنتيمات وذلك بداعي ” الإصلاح و ترميم و الهيكلة ” فالبعض منها بقي حبرا على ورق و أخرى لم تكتمل وطالها النسيان، بهذا السيناريو تكاد تبدو مدينة آسفي شبه قرية معزولة، تنعدم فيها مقومات مدينة في منطقة حضارية.

التلوث البيئي في آسفي، وحده شبح يسكن قلوب ساكنة المدينة ويُعشعش في أنوف السكان، وحينما يُفكر المواطن في الاستمتاع ببعض الوقت رفقة عائلته أو أبنائه لتخفيف ضغط الحياة، فإنه يُصاب بالذهول و الاستياء نظراً لانعدام الأماكن العمومية لتنزه وأيضا المساحات الخضراء.

العشرات من الحدائق العمومية، يختلط فيها العشب الذابل بقارورات الكحول، وباتت مرتعاً لأكوام الأتربة و الأزبال، انكسرت فيها الإنارة كما انكسرت الكراسي الإسمنتية، باتت مهجورة نهاراً، و يُسكنها المنحرفون و قطاع الطرق ليلاً.

جنوب آسفي.. الجزء الذي ليس من المدينة !

عندما تدخل إلى أحياء جنوب مدينة آسفي الهامشية تكتشف عالم ثاني، أُناس لهم قواعد خاصة بهم، يسكن الناس في ” كراجات ” لا تتجاوز حجم 4 متر مربع، وانت تمشي، وحدك تكتشف أنك فعلاً غريباً هنا، من الوهلة الأولى يعرف الجميع انك زائر، الشباب يتقمص دوره، يُناديك بطريقته إنّ كُنت تبحث عن ” الحشيش ” وفي مرات لا يتردد شخص في توجيه سؤال مباشرا لك ” خاصك شي لعيبة أ صاحبي ؟ ”  ” نحس أننا لا ننتمي إلى وسط مدينة بنظمها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية ” يقول أحد سكان المنطقةّ”.

في جنوب آسفي، هناك حيث تصطف البغال والعربات وتملئ الأزبال أحد الشوارع الرئيسية الذي يعج بالازدحام  يُطلق عليه اسم ” دار بعودة ” . حيث لا رجل أمن يتجول لفرض القانون وإظهار سلطة الدولة، فبعد تتالي الأزمة الصناعية التي «أقفلت» بسببها أزيد من 100 مركب صناعي ” لتصبير السمك ” بسبب التلوث الذي يُحاصر المدينة، عاشت ، منذ ذلك العهد وحتى اليوم، أحلك أيامها، يقول مراقبون في مدينة آسفي.

Assafi4

دخلت السلطات المحلية والهيآت المنتخَبة أمام هذا الوضع وأمام اتساع رقعة الجفاف في البوادي المجاورة للإقليم، «لعبة» الاتجار في مآسي الفقراء، فأعطوا الانطلاقة لأحد أكبر وأفظع مخططات التوسعة العمرانية بلا برنامج تهيئة وبلا رخص بناء، فكانت لآسفي أحياؤها الهامشية التي «نبتت»، كالفطر، في الأطراف الجنوبية في اتجاه المركبات الكيماوية، المنطقة التي بات يُطلق عليها ” جنوب آسفي ” .

هنا، في هذه الأحياء، يعيش الناس في مخيمات من الإسمنت، بهندسة عمرانية وحيدة وبئيسة. لهم أسواقهم الشعبية، ببغالها وحميرها وعرباتها وخضرها وفواكهها ولحومها ودجاجها.. لهم «نظامهم» الاجتماعي الخاص بهم. لهم تجار المخدرات والخمور و«السيلسيون»، بل فيهم من لا يزور آسفي المركز ووسط المدينة إلا للذهاب نحو المحكمة أو المستشفى. في الجنوب، إنعدام تمام لأبسط مقومات عيش مواطن مغربي، لا مرافق عمومية، و لا مساحات خضراء، رغم أن المنطقة تضم بحسب تقديرات، أزيد من نصف مليون مواطن.

حدائق خاوية على عرشها.. مرتعاً ” للأزبال “

المرور بجانب حدائق العمومية في وسط المدينة و أهم مناطقها ( المدينة الجديدة – حي الكورس – حي السانية – عزيب درعي – جريفات .. الخ ) يصيب المرء بالاستياء والغضب، بسبب الوضعية التي آلت إليها هذه الحدائق التي كانت إلى حدود التسعينيات من القرن الماضي تستقطب الآلاف من المواطنين رفقة أطفالهم، والآن تعيش هذه الحدائق لسنوات طويلة عجاف في انتظار مشروع إعادة تأهيل الحدائق، الذي يظهر أنه لن يرى النور على الأقل إلاّ مع قدوم ” الملك ” او ” حملة انتخابية ” يقول مواطن للموقع. .

Assafi6

توقف الزمن في هاته الحدائق، ولم تعد تغري أحدا بزيارتها، لأنها تعاني من الإهمال ونقص النظافة، فقد أصبحت في وضعية يرثى لها و اصبحت وجهة للمنحرفين الذين يقضون بها ساعات لتناول الخمر والمخدرات، هذا الوضع أثار حفيظة بعض المواطنين، الذين تأسفوا على الوضعية الكارثية التي أضحت عليها هذه الحدائق، وأيضا أدت إلى نفورهم منها مفضلين البقاء في المنازل على الخروج، نظرا لإنعدام الأماكن مناسبة.

“الموقع” زارا بعض الحدائق العمومية، لرصد الحالة المزرية التي أضحت عليها. داخل الحديقة الحسن الثاني المحاذية للمقبرة الفرنسية، أول  ما يتراءى لك هي النباتات والأشجار المغروسة بها التي جفت ومال لونها للصفرة وذبلت عن آخرها، والتي تتخلّلها الأزبال والقاذورات من كل جانب، لم تطلْها آلة التشذيب منذ أمد طويل لغياب من يقوم بحراستها وسقيها ويهتم برعايتها، مما يزيد في تشويه منظرها، كما أن أبوابها مشرعة في وجه الجميع ليلا ونهارا .

المتجول داخلها يقف على الوضع الكارثي، الذي أصبحت عليه هذه الحديقة، قد تفاجئك بعض السلوكيات غير المتوقعة كتفضيل البعض قضاء حاجته داخلها. مظاهر متكررة تخلق حالة من اليأس، بحيث أصبح السكان يستشيطون غضبا من هذه الممارسات المخلة بالآداب.

إضافة إلى ما سبق، قامت الجماعة بتفويت جزء كبير من هذه الحديقة إلى صاحب فضاء ألعاب الأطفال بعدما تم اجتثاث عشب منها، في المخالفة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل،و رغم توصيات تقرير المجلس الأعلى للحسابات للمجلس البلدي بإخلاء الملك العمومي و الحديقة المذكورة، فلا شيء جديد يُذكر بعد مرور أزيد من سنتين.

. انتقلنا إلى حديقة زين العابدين؛ وحديقة المجاورة لمقبرة الشهداء؛ وحديقة الكورس؛ وحديقة النخيلة؛ وحديقة الإدريسي؛ وحديقة بلاطو؛ وحديقة جنان الفسيان؛ وحديقة مسجد السنة؛ وحديقة الشعبة، لرصد وضعية هذه الحدائق وما آلت إليه، أول ما يثير انتباه المتجول في هذه الحدائق، هو انعدام الكراسي، وحتى إن وجدت فهي تشهد أوضاعا مزرية، وكلما من توغل داخلهم تزكم أنفه بعض الروائح الكريهة. أما النباتات والأشجار المغروسة بداخلهم نفسها ليست على أحسن حال إذ فقد جفت ومال لونها للصفرة وذبلت هي الأخرى بسبب الإهمال الذي بات يميزهم، من خلال تراكم النفايات التي شوهت منظر هذه الحدائق وتحول هذه الفضاءات إلى مرتع لشتى أنواع الانحلال الأخلاقي، فضلا عن تفشي سلوكيات منافية للآداب العامة، حيث أصبحت ملتقى للمنحرفين، إذ أن بعض الشباب حولوا هذه المساحات إلى أماكن لتعاطي المخدرات والخمور، والقيام بسلوكيات مخلة بالحياء خاصة بالليل، بسبب غياب شبه تام للإنارة بها، بينما استغلها آخرون لاعتراض سبيل المواطنين والاستيلاء على ممتلكاتهم وأموالهم .

المجلس البلدي تخلى عن دوره

” كورنيش ” مدينة آسفي، أحد أهم الأماكن، الذي من المفترض ان يكون قبلة سياحية، نظراً لموقعه الجغرافي المهم، وامتداده تاريخي، في عهدنا هذا، أصبح مكاناً، دون إنارة، كراسي مهترئة، الأزبال و ” الميكة ” تحتل المكان، رائحة ” البول ” و الشباب يتسكع بالدراجات النارية في المكان المخصص للراجلين وآخرون، يستعملون المخدرات في واضحة النهار.

Assafi2

في الجزء الأخر، من نفس المكان، مقهى خاص، يقصم الكورنيش إلى نصفين، احتلال للملك العمومي، لكنه مُرخص، بحسب ماصدر من صاحب المقهى و تصريح منسوب اليه على أحد المواقع الإخبارية.

من جهته، قال يونس ضاوي “للموقع” مهتم بالزراعات النباتية و متخصص في الغرس ” إنّ الحدائق ومساحات الخضراء تكتسي أهمية بالغة في مدينة كآسفي، المخنوقة أصلا بانبعاتاث “الأمونياك والكبريت والحامض الفوسفوري”، سواء من الناحية التلطيف الجو أو الحماية من الملوثات إضافة لأنها تعطي جمالية للمدينة بالغض النظر عن دورها الصحي، فإن هذه المساحات أصبحت في الوضعية الكارثية التي آلت إليها حدائق آسفي التي تشبه الأرض الخلاء بسبب الإهمال وعدم الإهتمام المجلس البلدي لآسفي، وطغيان بعض السلوكيات اللاحضارية، التي قضت على الوجه الجمالي للكثير من الحدائق”.

آسفي بالنسبة لمواطنيها، مدينة ظلت تُنهب حتى وصل عجز ديون مجلسها المنتخَب إلى 27 مليار سنتيم… مدينة لا تتعدى مداخيلها اليوم 9 مليارات سنتيم و كتلة أجور موظفيها بما فيهم الموظفين “الأشباح” تقارب 11 مليار سنتيم، فلم ينجح المجلس البلدي للمدينة في النهوض بها، حتى اضحت مدينة ضائعة يحملها النسيان إلى المجهول.

Assafi3

Assafi5

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.