رأي: هل سيغلق قوس العدالة والتنمية؟

خالد أوباعمر

ترسخت قناعة لدى عدد من الخبراء والباحثين في علم السياسة والقانون الدستوري ممن اهتموا بموضوعة الإسلام السياسي، تفيد بأن السماح للإسلاميين بالعمل السياسي لم يكن هدفا استراتيجيا للدولة، بل كان مجرد تكتيك سياسي سعى من خلاله “الحكم/ المخزن/النظام” في المغرب إلى تنويع أطراف المشهد السياسي، وخلق منافس حقيقي لأحزاب الكتلة، لا سيما، بعد أن طرأت تغيرات مهمة في علاقة هذا التيار بمحيطه السياسي.

بهذا المعنى، فإن خلق التيار الإسلامي لم يكن هدفا استراتيجيا بالنسبة للنظام بل خطوة تكتيكية فقط، بدليل أن جماعة بن كيران انخرطت في الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، وهي الحركة التي كان يقودها عبد الكريم الخطيب المعروف بولائه للقصر، وبسيطرته على التنظيم من خلال الصلاحيات الواسعة التي كان يخولها له القانون الأساسي للحزب للحيلولة دون حدوث أي انحراف في مسار هذا الحزب، الذي خلق من أجل خلق توازنات سياسية في ضوء التطورات التي سيشهدها الحقل السياسي في المستقبل.

ما الذي تغير إذن حتى أصبحت الرغبة في محاصرة تيار الإسلام السياسي المعتدل إن لم نقل وأده هدفا  استراتيجيا للسلطة خلال المرحلة الراهنة؟ هل استنفد  هذا التيار مهامه التي خلق من أجلها؟ أم أن هناك توجس لدى أطراف وازنة داخل الدولة من هيمنة هذا التيار الذي ارتفعت شعبيته داخل المجتمع وتمثيليته داخل البرلمان بشكل مخيف خلال فترة حكم الملك محمد السادس؟

الذي تغير في تقديري الشخصي المتواضع هو أن الدولة فشلت في ضبط تمدد الإسلاميين رغم إخضاعهم للرقابة القبلية وهو ما تجسد عمليا في الحيلولة دون تمكنهم من تغطية كل الدوائر الانتخابية في الاستحقاق الانتخابي التشريعي لسنة 2007، حيث أنه رغم تدخل وزارة الداخلية، فإن الحزب حقق تقدما ملموسا في عدد المقاعد التي حاز عليها في البرلمان، مما خلق رجة قوية داخل مربع الحكم وهي الرجة التي كان من تبعاتها ميلاد ما سمي بالحركة من أجل كل الديمقراطيين في سنة 2008  التي سينبثق عنها تأسيس “البام” في سنة 2009 تحت إشراف صديق الملك في الدراسة فؤاد عالي الهمة الذي استقال من منصبه كوزير منتدب في الداخلية لقيادة التدافع مع الإسلاميين من موقعه الجديد هذا !!

وبالعودة إلى الوثائق السرية التي نشرت في موقع “ويكليكس” و موقع لكم في نسخته الأولى نقلا عن هذا الأخير، سيستشف من خلال مراسلات السفارة الأمريكية في الرباط، أن الإسلاميين أصبحوا يشكلون مصدر إزعاج حقيقي لحكم الملك محمد السادس، وأن الهدف الأساسي من خلق حزب الأصالة والمعاصرة كان بالدرجة الأولى هو مواجهة الإسلاميين، ووقف زحفهم الانتخابي وتمددهم المجتمعي في ظل ضعف باقي الفاعلين السياسيين في المملكة، وعدم قدرتهم على ممارسة هذا الدور بسبب تآكل مشروعيتهم الشعبية، وفقدان مصداقيتهم  السياسية، وتورطهم في قضايا الفساد، و فشلهم في تدبير الشأن العام خلال العشرية الأولى من حكم الملك محمد السادس التي تميزت بنهج سياسة الخصخصة والخروج عن المنهجية الديمقراطية وغيرها من العوامل التي لعبت لفائدة الإسلاميين  وعرفوا كيف يستثمرونها لمصاحتهم.

مخطط المخزن الرامي إلى تقليص نفوذ الإسلاميين ووقف زحفهم المخيف على أكثر من صعيد، من خلال حزب الأصالة والمعاصرة الذي كشفت الوثائق المنشورة في ” ويكليكس” خلفيات تأسيسه نقلا عن مصادر تنتمي إلى هذا الحزب كخديجة الرويسي، مخطط تم الشروع في تنزيله مند سنة 2008 من خلال تأسيس حركة لكل الديمقراطيين التي ستتحول فيما بعد إلى حزب الأصالة والمعاصرة الذي سيكتسح الانتخابات الجماعية لسنة 2009 بعد أشهر فقط على تأسيسه، مما طرح أكثر من علامة استفهام حول مصادر قوة هذا الوافد الجديد؟ وحول نزاهة الانتخابات؟ وحول حياد السلطة؟ وحول مآل الانتقال الديمقراطي ومستقبل الديمقراطية في المملكة؟

غير أنه من سوء حظ هذا الحزب الذي سينعت بالوافد الجديد، وبحزب الدولة، وبالحزب الأغلبي، وبحزب التحكم، أن رياح الربيع الديمقراطي التي عصفت بنظام بن علي في تونس، ونظام حسني مبارك في مصر، وبنظام معمر القدافي في ليبيا، ونظام علي صالح في اليمن، ستعصف بآمال وأحلام وأجندة عرابه صديق الملك فؤاد عالي الهمة، الذي سيفرض عليه ضغط الشارع تقديم  استقالته من الحزب والتموقع في المربع الملكي كمستشار للملك محمد السادس، مما سيعطي للإسلاميين موقعا تفاوضيا متقدما في العلاقة مع السلطة التي فرض عليها الحراك العشريني تغيير قواعد اللعبة السياسية في العلاقة مع الحزب الإسلامي الذي سيتصدر نتائج انتخابات 25 نونبر 2011 السابقة لأوانها..

خلال خمس سنوات من عمر الحكومة الذي قادها حزب العدالة والتنمية، حدثت عدة متغيرات على المستويين الدولي والإقليمي، فتحت شهية خصوم إسلاميي العدالة والتنمية الذين فرض عليهم الحراك العشريني الانكماش إلى حين مرور العاصفة، لاسيما، بعد عسكرة الحراك في لبيا و سوريا التي تحولت إلى ساحة حرب تلعب فيها كل مخابرات العالم، واضطراب الوضع الداخلي في اليمن وتزايد حالة الاقتتال الطائفي، وانقلاب الجيش في مصر على الشرعية الديمقراطية للرئيس المنتخب محمد مرسي العياط ومحاصرة تنظيم الإخوان المسلمين والزج بقيادات الصف الأول والثاني فيه بالسجون، وعودة فلول بن علي إلى الحكم من خلال  الحزب الجديد بقيادة باجي قايد السبسي

في ظل هذه المتغيرات، بدأت قواعد اللعبة مع إسلاميي العدالة والتنمية تأخذ مسارا آخرا، وبدأ حزب الأصالة والمعاصرة الذي يوصف من طرف الإسلاميين وأحزاب تحالف اليسار بالحزب التحكمي السلطوي، يعود بقوة إلى واجهة الأحداث وبدعم قل نظيره على عدة مستويات مما خلق مشاكل جمة لحزب العدالة والتنمية، ولاسيما، بعد خروج حزب الاستقلال من الحكومة وتعويضه بحزب التجمع الوطني للأحرار  الحليف الاستراتيجي للبام في ” الجي 8″ ، وانضمام الباطرونا إلى معسكر المشوشين على الإصلاح بحسب تعبير رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، واستعداء الصحافة والإعلام العمومي للبيجيدي الخ

هل يستطيع إسلاميي العدالة والتنمية الصمود أمام كل هذه التحديات؟

رغم أن شعبية الإسلاميين قد تراجعت بعض الشيء لأسباب يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي فهناك أكثر من مؤشر على أن حزب العدالة والتنمية سيتصدر نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة بسبب ضعف خصومه السياسيين،  غير أنه سيواجه صعوبات جمة في تشكيل الحكومة، ولا سيما، إذا أصر بن كيران على منصب رئيس الحكومة لولاية ثانية، وحينها فإن إمكانية الدفع في اتجاه تعديل الفصل 47 من الدستور ستصبح جد ممكنة لتفادي حالة البلوكاج.

هذا ما يقوله منطق الأشياء، غير أن كل السيناريوهات تظل قائمة وممكنة، لا سيما، وأن هناك مؤشرات مادية ملموسة تعطي الانطباع بأن كل شيء ممكن الحدوث، ولا شيء مستحيل في هذا البلد، الذي جعل دستوره الحالي من الخيار الديمقراطي أحد ثوابت المملكة..

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.