ذات 19 يناير 1984!!

صباح خريفي مشمس، خميس دراسي مألوف كغيره من الأيام..نتوجه زرافات نحو إعدادية ادريس الأول بميضار. على مدخلها تجمع التلاميذ قاطبة، وأغلق الباب بسلاسل من حديد غليظ..قصاصات صغيرة مكتوبة بخط اليد تحتوي ابيات شعرية: ياطالب يافلاح قاوم عنف الرياح الأسعار ارتفعت والقلوب انفجرت بعض الكبار من التلاميذ بدوا في حركية ملفتة..الواضح أنهم نظموا كل شيئ ليلا وسهروا انتظارا لهذه اللحظة..يوجهون الجميع للإنتظار والتجمهر والإنتظام.
اخترق الجمع أستاذ الدراسات الاسلامية، الذي كان اسمه ذا طابع أنثوي. تاريخه مضطرب، ومثير للسخرية في الإعدادية. حين تبين له القفل والسلسلة، إعترته موجة غضب. تناول حجرا كبيرا وشرع يهوي محاولا تكسيرها لفتح الباب. رشقه بعض الكبار دون أن يصيبوه..تراجع للتو الى الوراء.
بعد أن كان وقت الدخول الى الأقسام قد فات أوانه ببعض الدقائق أشار علينا الكبار بتحريك هيكل الحافلة المحترقة التي كانت تجثم على يمين باب الإعدادية منذ سنوات..ولم نعرف يوما نحن الصغار مصدر وجودها.. هب الجميع وراء وجنب الحافلة يدفعونها، وفي رمشة عين استقرت تحجب واجهة الاعدادية بأكملها.
ارتفع الصراخ وتعالت الشعارات المكتوبة على القصاصات..انتظم الجميع في تظاهرة حاشدة لتعلن مأساة مايسمى انتفاضة يناير 1984.. دخل بعض الكبار الى الداخلي لإخراج التلاميذ القابعين هناك والذين كانوا يجهلون تماما ما يقع خارج الاعدادية… التظاهرة تبدو أكبر من عدد تلاميذ الاعدادية، بعد ان التحق بنا الكثير من ابناء الشعب..فوق سور دار الفلاحة خطب فينا أحد الكبار، عرفت بعد ذلك بانه طالب في الباكالوىيا يسمى أوراغ..كلامه ثوري غاضب، يتحدث عن غلاء الأسعار وعن احتقار المخزن للشعب والثراء الفاحش لطبقة دون أخرى والجوع والمرض واالتهميش الذي يقصم ظهر الشعب المغربي.
لم نكن نحن الصغار- حبيسي ثقافة تلاوة أقرأ – نستوعب كل ما يقال..لكننا تواجدنا وسط التظاهرة سهوا فاستهوانا هذا الكلام الحماسي الجميل، الذي نسمعه لأول مرة.. تحركت التظاهرة العارمة نحو المركز وعلى طول الطريق كان أصحاب المحلات التجارية يغلقون ابواب محلاتهم رضوخا لارادة الكبار الواحد بعد الآخر… ماعدا شخص واحد رفض الرضوخ للطلب وأشهر مدراة في وجه المتظاهرين، لكن حين سمع زجاج واجهة محله تتهاوى بفعل حجر قذف به، سارع إلى إنزال الستار الحديدي راضخا للأمر الواقع.. هاج الجمع وتزايد عدده، وارتفعت الشعارات بقوة.
بعد ساعات قليلة كانت كافية للتجول في مختلف أزقة ميضار لمحنا بعض سيارات مخزنية بالوان لم نعهدها في قرية مثل ميضار تلته بعد برهة طلقات رصاص حي سمع دويها من بعيد .تفرق الجميع وارتبك الصغار والكبار أمام مطاردة العساكر..هرب الكبار نحو مرتفع فريضو صحبة بعض الصغار، وتلقف اثرهم العساكر مدججين بهراواتهم واسلحتهم، محتمين باقنعة بلاستيكية على رؤوسهم.
شرع التلاميذ في رشق العسكر بالأحجار المصبوغة بالبياض والتي كان قد كتب بها على غرار جميع المدن المغربية شعار الله الوطن الملك..انتهت احجار كلمة “الملك” ونفذت أحجار النون والطاء من “الوطن”، يينما العساكر يحاولون تسلق التلة لتدارك الأمر دون جدوى أمام وابل الأحجار قبل الوصول الى واو “الوطن” سُمِعَتْ أصوات الرصاص الحي من جديد وهي تعوي بحدة أكثر هذه المرة وبشكل يستهدف تلاميذ المرتفع. هرب الجميع صغارا وكبارا نحو كدية الديب، وأيت محسن، وإطهريون. طاردهم العسكر جريا وبسياراتهم الشبحية… بعض النساء فتحن ابواب منازلهن لانقاذ الهاربين..
شنت حملة تمشيطية واسعة، ومداهمات وحظر نهائي للتجول في ميضار أسفرت عن اعتقال العديد من الأشخاص تعسفا لمجرد خرقهم لهذا الحظر. ميمون شيخ في الستين من عمره كان في طريقه إلى المسجد لأداء صلاة الفجر التي لم يتأخر عنها منذ عقود، ولم تطأ قدماه مركز المدينة إلا نادرا..لحسن حظه أن إمام المسجد تدخل لدى الدرك فأطلق سراحه بعد حصة من التعذيب الأليم …حسن كذلك داهم الدرك منزله بعد وشاية واعتقلوه ..إدريس عُذِّبَ في المخفر ولازال يحتفظ بآثار التعذيب… مصطفى..محمد ..
على سفح قمة جبل كدية الديب العالية اجتمع أبناء الحي، بينما الدرك والعسكر يناوشهم من جهة إفوراس، في لعبة الثعلب الذي يظهر ويختفي.. بعض الغرباء الذين جاءوا الى ميضار لمتابعة دراستهم آوتهم بعض العائلات لأسابيع عديدة حين تغذر التحاقهم بذويهم الذين لم يكونوا علم علم بمصيرهم . وصاروا يبحثون عنهم بين مخافر الشرطة، والسجون والمستشفيات ومستودعات الأموات. سمعنا خطاب الأوباش..وعرفنا من القناة الاسبانية الوحيدة أن دبابات نزلت الى شوارع الناظور أن اناسا قتلوا ودفنوا ليلا بعد ان اطفأء أضواء الشوارع. كانت ثورة عارمة في كل البلد، وكانت الضحايا بأرقام غير معروفة الى حدود الان.. توالت القصص المفجعة للقتل والاعتقال وتشريد عائلات بأكملها ومقابر جماعية. . عانى الريف بقسوة واستمر الضغط لشهور..ولازال في القلب متسع للأنين.
جمال أزروفي 19 يناير 2019.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.