ديودوني يكشف مرض فرنسا

لطالما افتخر الفرنسيون بأن فرنسا هي بلد حرية الرأي والتعبير، معتبرين ذلك ركنا أساسيا من أركان الجمهورية منذ إعلانها للمرة الأولى سنة 1792، والتي تأسست بمزيج سحري عجيب بين ثورة الجماهير في الشوارع والساحات، وثورة الفلاسفة والمفكرين في الصالونات والمكتبات.

لذلك خلفت الهجمة الإرهابية على جريدة “شارلي إيبدو” رجة عنيفة في الوجدان الفرنسي، فقد ظل الفرنسيون، منذ إعلان حقوق الإنسان والمواطن سنة 1789، والذي مهد لقيام الثورة الفرنسية ومعها الجمهورية الأولى، يعتبرون أن حرية الرأي والتعبير هي حجر الزاوية للكينونة الفرنسية في شكلها الديمقراطي الجمهوري، رافضين لكل الخطوط الحمراء، ليس تلك المتعلقة بالسلطة فحسب بل حتى لو تعلق الأمر بالله والأديان والأنبياء.

لقد خاض الفرنسيون صراعا مريرا ضد الكنيسة وطبقة النبلاء المتحالفين معها، ذلك التحالف البغيض الذي أغرق فرنسا لمدة قرون طويلة، في براثين الجهل والتخلف والفقر والظلم والجوع… ومن ذلك الماضي الأليم تأتي علاقة الفرنسيين المتوترة بكل ما من شأنه أن يفرض عليهم قيودا، تحد من حرياتهم الفردية والجماعية، خصوصا حين يتعلق الأمر بحرية الرأي والتعبير، التي خصص لها إعلان حقوق الإنسان والمواطن سنة 1789 الفصل 11 بكامله، بعبارات واضحة لا تقبل التأويل أو الاختلاف: “حرية التعبير عن الأفكار والآراء هي واحدة من أثمن حقوق الإنسان، لذلك يستطيع أي مواطن أن يتكلم وأن يكتب وأن ينشر بكل حرية”.

لكن فرنسا اليوم، ليست هي فرنسا الثورة، لقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر، وتغيرت تركيبتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حتى صار الإسلام جزءا من خريطتها الدينية والمسلمون والعرب جزءا من تركيبتها الديموغرافية، بل صارت فرنسا نفسها مجرد جزء من اتحاد أوروبي طوى صفحات الحروب الطاحنة التي دارت بين دوله، وجزءا من عالم يصفه الجميع بالقرية الصغيرة، بعد أن قربت وسائل الاتصال والتكنولوجيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي بين مختلف الشعوب والحضارات والملل والنحل.

إن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم هو: هل من حق جزء من الفرنسيين أن يستهزأ ويسخر من نبي جزء آخر من الفرنسيين بمبرر حرية الرأي والتعبير؟ بل هل يحق لفرنسا أن تسمح بالسخرية على أراضيها من ديانة شعوب أخرى، ترى في اللحظة والتو، بسبب الثورة المعلوماتية، ما يكال لمعتقداتها ومقدساتها من إهانات؟ أكيد أن الجواب لن يجد طريقه للإجماع، وسيختلف فيه الناس بين فريقين، فريق يدافع عن فرنسا باعتبارها مهدا لحرية الرأي والتعبير، ويطالبها بعدم الاستسلام للتخويف والقتل والإرهاب، وفريق يطالب فرنسا بخطوط حمراء تشمل الله والأديان والأنبياء، بمبرر أن ذلك سيساهم في نشر التسامح والسلام والمحبة بين شعوب العالم.

نعم يجب على فرنسا أن لا تستسلم للتخويف والقتل والإرهاب، ولكن على فرنسا أن تنصت لجزء من شعبها، الذي دهسته بدون رحمة، عجلة الإقصاء والتهميش والعنصرية، ذلك الجزء الذي يتشكل في غالبيته، من الفرنسيين ذوي الأصول العربية، الذين يعيشون في “غيتوهات” معزولة في ضواحي المدن، يتابعون كل يوم على شاشات القنوات التلفزيونية، برامج تحتقر لونهم وشكلهم وأصولهم ودينهم وتاريخهم وحضارتهم… نعم يجب على فرنسا أن تظل رمزا لحرية الرأي والتعبير، ولكن على فرنسا أن لا تسمح بطرد رسام كاريكاتوري من جريدته بسبب رسم ساخر، كما حدث مع الرسام الكاريكاتوري سيني حين تم طرده في يوليوز سنة 2008 من جريدة “شارلي إيبدو” نفسها بسبب رسم ساخر تم اعتباره حينها معاد للسامية ويمس بالحياة الشخصية لابن الرئيس الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي… نعم يجب على فرنسا أن لا تعترف بالخطوط الحمراء طالما أن التعبير عن الأفكار والآراء يتم بطريقة سلمية، لكن على فرنسا أن لا تمنع عروضا مسرحية على أراضيها كلما تعرضت بالنقد أو السخرية لإسرائيل، كما حدث مرارا مع مجموعة من الفنانين، بل على فرنسا أن تشعر بالعار من نفسها وهي ترسل عشرات رجال الشرطة في الصباح الباكر من يوم الأربعاء 14 يناير 2015 من أجل القبض على الفنان الساخر “ديودوني” أمام أطفاله الصغار، لا لشيء سوى لأنه عبر عن رأيه الرافض لمناخ الكراهية والعنصرية السائد في فرنسا في تدوينة خطها على صفحته في الفايسبوك.

ما وقع لديودوني كشف مرض فرنسا، والجروح العميقة التي تنخر منظومتها… فرنسا ما عادت نموذجا يحتدى به، بعد أن تخلت عن روح إعلان حقوق الإنسان والمواطن المؤسس للجمهورية الأولى، وبعد أن أصبحت تكيل بمكيالين حتى بين أبناءها، فلماذا تستغربون من رؤية “نتنياهو” يمشي في شوارع عاصمتها باريس، للتنديد بالإرهاب وللتضامن مع صحفيي جريدة “شارلي إيبدو” وهو من قتل عشرات الصحافيين في كل مرة قرر فيها قتل أطفال غزة مثل الذباب؟؟؟

*رئيس مركز الحريات والحقوق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.