دولة المؤسسات ودولة الأشخاص

كثيرا عندما كنت أرصد في جدل مع أصدقائي بين ما نعيشه اليوم نحن أبناء هذا الوطن والمسلمون عموما ، وبين ما يعيشه أبناء الحضارة الغربية ، كنت دائما أقول : إن دول الغرب اليوم قد حصنت نفسها عبر قرون من أي خطر قد يأتيها من أي شخص مرشح لحكمه، ذلك أنهم ركزوا مذ البداية على بناء دولة المؤسسات ، هذه الأخيرة التي تحمل من القوانين الرصينة ما يجعلها مضادة ضد تسلط أو فساد أي شخص كيفما كانت درجة عبثه، على الأقل إلا ما ظهر منها.
فلو أخذنا مثلا أخبث إنسان في أنظمتنا ثم وضعناه على رأس دولة أو مؤسسة ديمقراطية ، فالأكيد هو أن هذا الشخص سيكتشف أن شدة المؤسسة أقوى من خبث الساسة ، فلن تتاح له فرصة أن يسرق درهما ولا دينارا ولا أن يستغل منصبا ولا أن ينساق وراء شهواته ونزواته، ولن تسمع يوما أنه توسط لشخص أو مؤسسة في صفقة تجارية. كل هذه الأمور ستكون ضربا من الخيال في دولة المؤسسات التي قامت على دماء وسواعد وإرادات واختيارات الشعوب .
أما عندنا فالآية تكاد تكون معكوسة ،فخذ مثلا أشهر الذين عرفوا بخدمة أوطانهم والتضحية من أجلها ، ثم ضعه على راس حكومة من حكوماتنا فالاكيد هو انك سترى منه العجب العجاب ولقلب الست تسعا ، ولو حدث وكان فيه شيء من العفة فإن النظام سيرغمه على أن يكون على درجة من الخبث ولو لماما يسيرا، فأن تكون نزيها معناه أنك تريد أن تقول إن البقية ليست كذلك.
وكثيرا ماكان كتاب التاريخ وعلماء الدين يحدثوننا عن شخص في تاريخ الحضارة الاسلامية عرف بعدله وحزمه ، لكن ما أن تتوفاه الملائك حتى يخرج من عثرته العشرات يعيثون في البلاد والعباد فسادا.
وهذا راجع بالأساس إلى غياب ميثاق أو عقد بين الحاكم والمحكوم، هذا العقد الذي يحدد العلاقة والخطوط العريضة التي لا يمكن تجاوزها أو تغييرها إلا بإرادة الشعب وتحت سلطة الشعب .
ولا غرابة أن تجد المغاربة والمسلمون عموما يطلبون في دعواهم وعبر منابر الجمعة والجماعات أن يرزقهم الله البطانة الصالحة ، ليظل مطلوبهم مرفوعا إلى السماء ، قد ياتي وقد يتأخر طويلا . ولو أن القوم كانوا على درجة من الوعي كما فعل جيرانهم في الغرب ، لأدركوا أن الواجب هو بناء دولة المؤسسات والتي ستكفيهم مؤونة البحث عن شخص قد يأتي وقد لا يأتي .
إن قضية صلاح أو فساد الأشخاص لم تعد قضية محورية بين الحاكم والمحكوم ، وإن كانت مطلوبة ، بل إن الأمر يتعداه الى ما يتوفر عليه الشخص أو الحزب من برامج ومؤهلات وحلول تجعله قادرا على العمل من داخل المؤسسات من أجل الرقي والازدهار لأمته ووطنه.
أما أن نعلق الإصلاح على شخص ما ، إن تفضل علينا بشيء من الحرية والكرامة شكرنا ، وإن لم يتفضل علينا وكلنا أمرنا لله ورضينا بالذل فذاك ضرب من العبث رخيص. فالشعب هو الذي يختار ما يراه مناسبا له وكل الذين يقفون على رؤوس المؤسسات كان من الواجب ان لا يقوموا الا بارادة الشعب.
قال لي صديقي: ولكن ما بال حزب العدالة والتنمية أخذ المشعل من الليبراليين فقفز بتركية قفزة نوعية بعدما كانت على حافة الإفلاس.
قلت: إن تركية قبل أن يجيء العدالة والتنمية كانت دولة مؤسسات ، وإلا ما كان له أن يكون هو موجودا داخل المنافسة أصلا ، والذين كانوا قبل دخول العدالة والتنمية لم يكونوا سارقين أو ناهبين أو حتى مقصريين في أداء عملهم إلى درجة ما بائنة ، فالمسألة كما قلت آنفا مسألة كفاءات قبل أن تكون مسألة هل كان طيب رجب طيبا فعلا. فما فعل الحزب هو الاجتهاد من داخل المؤسسات ـ والتي كانت مفروشة اصلا ـ بما يملكه من كفاءات قد يكون اكتسبها من تجربة دينية وقد لا يكون ، فقد يضعف الحزب بعد ولاية أو ولايتين كما هي سنة الولاية، وتنقضي حيله ليأتي من بعده حزب ليبرالي جمع انفاسه أو أي حزب يملك برنامجا للمرحلة، وهكذا دواليك في دولة المؤسسات .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.