دموع المجاوي.. عقدة الإنتماء للوطن

رجل في منتصف عقده الرابع، نحيف الجسم صلب الإرادة، وقف بقامة العظماء أمام هيئة المحكمة في مدينة تبعد عن مسقط رأسه ومنبع رفعته الأبية ستمائة كيلوميترا، وهو يجيب عن أسئة رئيس الجلسة وممثل النيابة العامة كانت الدموع تغالبه.
وهو يحكي عن ظروف إعتقاله وإستنطاقه، وعن كيف أن أحد أرذل الناس كان يصوره بالمطار هو ورفاقه أثناء الإعداد لخطفهم عبر الطائرة إلى الدار البيضاء، وكان يتشفى فيهم ويتلذذ بسادية عصعوصية خبيثة أمام ما كانوا يتعرضون له من تعنيف وترهيب وما كانوا يسمعونه من ألفاظ مهينة منحطة حاقدة. كان يبكي.
وهو يشرح فلسفة الحراك السلمية والحضارية ومطالبه الأكثر من عادلة ومشروعة.كان يبكي.
وهو يسرد ما يسمح به وقت الواقف بقفص الإتهام، آلام وأحلام ومآسي الإنتماء لوطن إسمه المغرب من موقع إسمه الريف، كان المجاوي يبكي.
وأن يبكي المجاوي، وهو الذي لا تفارق البسمة محياه حتى وهو يبكي، يعني أن الوطن بأسره يبكي من خلاله.
والمجاوي لم يكن يبكي ضعفا أو إستعطافا أو خوفا وإنما كان يبكي لأن قلبه الصافي الصادق قد إمتلأ بمشاعر الغبن والحيف والإهانة.
المجاوي لم يكن يتباكى بل كان يبكي، كانت الدموع تغالبه، كانت دموعه تسابق كلماته، كانت تقول ما لا يقوى اللسان على قوله لعل العين ترى وتصدق ما لا تستوعبه الأذن.
بكى المجاوي لأن الطغاة والفاسدين والجلادين والشامتين لا يبكون ولا تهتز فيهم شعرة أمام ما يقترفونه ويشاهدونه من بشاعات وجرائم في حق الإنسانية.
بكى المجاوي لأن الدموع تغالبه حين يفكر في إبنتيه لويزة ودينا وهما تعيشان ذات الحرمان/ اليتم الذي عاشه هو في طفولته لأنه قيد الإعتقال والإبعاد ظلما وإن كان على قيد الحياة. تغالبه الدموع حين يفكر في زوجته الصبورة والعفيفة وهي في رحلة عذاب مستمرة منذ إعتقاله ما ببن الحسيمة والدار البيضاء لزيارته وحضور محاكمته، وحين يرى أخته المخلصة والأمينة والشهمة لا تتعب من الوقوف بجانبه والدفاع عنه والتضحية بكل شيء من أجله، وهي التي ما صدقت أن وحيدها الذي تقاسمت معه اليتم والحرمان أخيرا قد إستقر ليعيش يجنبها بعد أن توظف حتى صُدمت بإختطافه ومحاكمته دون أن تنكسر إرادتها وثقتها فيه وفِي خياراته..
بكى المجاوي لأن الدولة جبانة وحگّارة، ترفض الإعتراف بالأسباب الحقيقية لإعتقاله ومحاكمته وفوق ذلك تريده أن يعترف هو بالكذبة التي إختلقتها لتبرير إعتقاله هو ورفاقه ومحاكمتهم على تهم ثقيلة ملفقة.
بكى لأنه وجد نفسه في المكان الخطأ وبطريقة خاطئة، فهو يعرف نفسه أنه فوق الشبهات وأن الدولة تمعن في الخطإ معه ورفاقه، مع أنه كان يدرك منذ إختياره المبكر لدرب النضال أنه معرض للإعتقال في أية لحظة.
بكى لأن كل الإشارات التي وجهها بمعية نشطاء الحراك قبل الإعتقال وأثنائه من أجل تجنب المزيد من الإنزلاقات نحو الأسوأ ومن أجل حوار بناء ومسؤول حول مطالب الحراك، ولأن كل المبادرات التي أطلقت لحل أزمة الريف على قاعدة إطلاق سراح جميع معتقلي حراك الريف وتحقيق ملفه المطلبي عبر الحوار مع نشطائه لم تجد آذانا صاغية وعيونا رائية داخل الدولة.
بكى المجاوي على العدالة المغربية لأنه لشهور وهو يراقب بمعية زملائه أطوار محاكمتهم من داخل القفص الزجاجي فرآى وشاهد ما يكفي لكي يبكي.
بكى المجاوي لأنه يعرف أن هناك الآلاف يبكون عليه وعلى رفاقه في السجن ومن أجلهم مستعدون لفعل المستحيل.
بكى لأنه لا يعرف الكراهية ويحترم حتى خصومه وقدره أن يحب الناس ويدافع عنهم ويضحي من أجلهم، وهذه ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.