دفاعا عن معتقلي حراك الريف المضربين عن الطعام بسجن عكاشة

جمال المحدالي

دخل معتقلو الحراك الشعبي بالريف المرحّلين إلى سجن عكاشة منذ يوم الإثنين 25 دجنبر 2017 في إضراب عن الطعام من أجل مطالب بسيطة تتعلق، إلى جانب التضامن مع زميليهما المعتقلين ( الحبيب الحنوذي، محسن أتاري…)، بتحسين وضعهم داخل السجن وتجميعهم في جناح واحد بعد أن انتفت كل المبررات التي كان يتم بها تبرير تشتيتهم على أجنحة متباعدة، خاصة وأن محاكمتهم إنطلقت منذ شهور، وهم يحاكمون في ملف واحد بعد أن تم تجميع كل المجموعات في مجموعة واحدة.

وعوض أن تتحمل إدارة سجن عكاشة مسؤوليتها عبر الحوار مع المعتقلين حول مطالبهم البسيطة، عمدت إلى التصعيد في إجراءاتها القمعية والإنتقامية معهم، فقامت بتشتيتهم على أجنحة مختلفة والزج بهم في زنازين إنفرادية صقيعية مع حرمانهم من الإتصال بعائلاتهم هاتفيا، إلى جانب التضييق عليهم بشكل رهيب خلال آخر زيارة أسبوعية عبر تشديد إجراءات التفتيش والتماطل والمعاملة القاسية واللاإنسانية لهم لعائلاتهم. وكل هذا يحدث في تزامن مع التوتر الحاصل بين هيئة الدفاع من جهة وبين النيابة العامة وهيئة المحكمة من جهة أخرى، ما أدى إلى إنسحاب الدفاع من آخر جلسة وتعليق دفاعهم عن المعتقلين إحتجاجا على إنحياز هيئة المحكمة المطلق للنيابة العامة وعدم إستجاباتها لملتمسات الدفاع رغم وجاهتها.

وقد إختار رئيس محكمة الإستئناف بالدار البيضاء بدوره نهج لغة التصعيد مع هيئة الدفاع وموكليهم من خلال الإسراع في التلويح بتنصيب محامين بدلاء للدفاع على المعتقلين في إطار المساعدة القضائية، رغم تشبث المعتقلون بمحاميهم وتشبث المحامون بالدفاع عن موكليهم وتأكيدهم على أن انسحابهم من الجلسة هو إحتجاج على غياب شروط المحاكمة العادلة وبالتالي هو من صميم دفاعهم عن موكليهم. وكأن مؤسسات الدولة السجنية والقضائية والأمنية وغيرها تتنافس في القسوة على المعتقلين وتعذيبهم وحرمانهم من حقوقهم الأساسية: من الحق في المحاكمة العادلة إلى الحق في أبسط الظروف الإنسانية داخل السجن إلى الحق في الحياة الطبيعية لعائلاتهم وأهلهم خارج السجن.

وكل هذا يحدث في أجواء إحتفال العالم بأعياد رأس السنة الميلادية، حيث يُفترض أن تنتصر الرحمة والمحبة في القلوب ولو إلى حين. لكأن قدر المعتقلين وعائلاتهم وأهلهم وهيئة دفاعهم وأصدقائهم وكل المتضامنين معهم وطنيا ودوليا هو ألا يذوقوا طعم الفرحة لا في الأيام العادية ولا في الأعياد الوطنية أو الدينية أو الإنسانية منذ أن تبنت الدولة خيار المقاربة الأمنية القمعية في تعاملها مع حراك الريف ونشطائه.

وهذا في حد ذاته شكل من أشكال العقاب الجماعي الذي يبدو أن المسؤولين الذين أبتلينا بهم يتلذذون في إقترافه بسادية نادرة. وإلا كيف يمكن تبرير هذه القسوة التي يتم التعامل بها مع معتقلي الحراك السياسين منذ إختطافهم إلى الآن؟ ما معنى أن يجد المعتقلون السياسيون أنفسهم يواجهون ظلم أجهزة الدولة ومؤسساتها وبرودة الزنازين الإنفرادية في عز فصل االشتاء وبأمعاء فارغة، فقط لأنهم طالبوا بالماء الساخن للإستحمام وتجويد وجبات الطعام والتطبيب بجانب تجميعهم؟

وإذا ما كان تعامل هذه المؤسسات مع معتقلين الحراك السياسيين هو بهذه القسوة، فأين المؤسسات الدستورية التي يفترض فيها مراقبة وضعية حقوق الإنسان ومدى إلتزام الدولة بها؟ أين وزارة حقوق الإنسان الذي صرح وزيرها أمام الملأ بأن وزارته هي ضمير الحكومة؟ أي ضمير هو هذا الضمير الذي يبتلع لسانه ويتنصل من مسؤوليته أمام ما يتعرض له معتقلو حراك الريف من ممارسات مهينة ومنافية لحقوق الإنسان؟ أين المجلس الوطني لحقوق الإنسان ودوره الإستشاري التتبعي والإستباقي؟ أين كل المؤسسات الوسيطة التي واجبها هو أن تنتصر للقانون والعدالة وحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا وليس مخزنيا؟ وبالتالي، أين الجمعيات الحقوقية بكل تلاوينها؟ أين إطارات المجتمع المدني؟ أين الرأي العام….؟ هل قدرنا أن يظل كل واحد في موقع المتفرج إلى أن تحدث كارثة حقوقية أخرى تنضاف لسجل البلاد الزاخر بالكوارث الحقوقية والمأساة الإنسانية لنبكي ونتاكى؟

إن مأساة معتقلي الحراك ما هي إلا مقدمة لمآسي أبشع ما لم تبحث الدولة بكل مؤسساتها وأجهزتها عن بدائل فعلية حقوقية وقانونية وسياسية وإقتصادية في التعامل مع حراكات الشعب المغربي ومعتقليه السياسيين. فها نحن نرى أنه رغم استنفار الدولة لكل ترسانتها الأمنية والقمعية والدعائية، ورغم عودة شبح الإعتقال السياسي بشكل فضيع فإن رقعة الإحتجاجات الشعبية تتسع بشكل مطرد يفوق التوقعات، ودواعي تنامي تلك الإحتجاجات هي وحدها ما تزخر به البلاد وخاصة على امتداد جغرافية هوامشها الشاسعة، وانتفاضة جرادة المجيدة ليست الأخيرة .

تعليق 1
  1. جوابا على بعض ماجاء في المقال(وبالتالي، أين الجمعيات الحقوقية بكل تلاوينها؟ أين إطارات المجتمع المدني؟ أين الرأي العام….؟ هل قدرنا أن يظل كل واحد في موقع المتفرج إلى أن تحدث كارثة حقوقية أخرى تنضاف لسجل البلاد الزاخر بالكوارث الحقوقية والمأساة الإنسانية لنبكي ونتاكى؟)
    نحن ممنوعون ولكن نتابع
    (الجمعية المغربية لحقوق الانسان-فرع البرنوصي-
    تنسيقية سجناء الرأي والحقوق الاساسية بسجن عكاشة 29-12-2017
    بيان تضامني مع معتقلي الريف المضربين عن الطعام بسجن عكاشة
    تتابع تنسيقية سجناء الرأي والحقوق الاساسية بسجن عكاشة عن الجمعية المغربية لحقوق الانسان-فرع البرنوصي- باستنكار كبير استمرار ادارة سجن عكاشة ومعها الادارة العامة للسجون والسلطات المسؤولة في معاملتها القمعية والتعسفية من معتقلي الريف السياسيين الموجودين بسجن عكاشة سئ الصيت من حيث عدم تمكينهم من المواد التموينية والغذائية التي يشترونها من جيوبهم الخاصة وكذلك عمليات التفتيش الانتقامية بشكل دوري مما يعرض حاجياتهم للتلف والاتلاف المتعمد كما حصل عدة مرات.
    وقد عمدت الجهات المسؤولة عن ادارة السجن الى عزل كل معتقل على انفراد اثر الاعلان عن اضراب عام عن الطعام والشراب نتيجة الممارسات المذكورة وعليه فاننا في تنسيقية سجناء الرأي والحقوق الاساسية بسجن عكاشة عن الجمعية المغربية لحقوق الانسان-فرع البرنوصي- وأمام الرفض المتكرر والدائم لادارة السجن باستلام مراسلاتنا او استقبالنا نوجه هذا البيان للراي العام محملين الجهات المعنية بهذا الاعتقال مسؤولياتها في حال حدوث اي مكروه لهؤلاء المعتقلين نتيجة الاضرابات المتكررة عن الطعام والماء والسكركما نعيد مطالبتنا بفتح حوار جاد ومسؤول معهم على قاعدة الاستجابة لمطالبهم المشروعة والعادلة والمعاملة اللائقة لعائلاتهم اثناء الزيارة وتمكيننا في الجمعية المغربية لحقوق الانسان بحقنا في زيارتهم والاطلاع على احوالهم الذي يضمنه القانون والمواثيق الدولية بصفتنا كمدافعين/ات عن حقوق الانسان اسوة بالاخرين الذين تشرع في وجوههم اسوار السجون وابواب الزنازن ليل نهارلا لشئ الا لتمرير ماتريد هذه الجهات تمريره من مواقف وقرارات من اجل تصفية ملفهم وافراغه من مطالبه واهدافه .
    عن تنسيقية سجناء الراي والحقوق الاساسية بسجن عكاشة عن الجمعية المغربية لحقوق الانسان-فرع البرنوصي- )

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.