دفاعا عن حق الأساتذة المتعاقدين في الاحتجاج وعن مشروعية نضالهم

عبد الباسط منادي إدريسي

(مرافعة فكرية تحليلية نقدية)

مساءلة الأطروحات المناهضة لنضال المتعاقدين

بدأت معركة الأساتذة المتعاقدين أشهرا بعد تعيينهم في مناصبهم ومباشرتهم لعملهم كمدرسين، وبعد اجتيازهم لاختبارات التخرج. ومنذ حينه، تتداول منصات التواصل الاجتماعي، وبعض المواقع الإخبارية مجموعة من الاعتراضات على حق الأساتذة المذكورين في الاحتجاج، وعلى شرعية نضالهم. سأجرد فيما يلي طروحات الاعتراض، ولعلي أوفق في تبسيطها والرد عليها. يقول المعترضون:

“نظام التوظيف الجديد يقوم على التعاقد، وكل من وقع عقد العمل فهو متعاقد، والعقد شريعة المتعاقدين.”
ويضيفون: “المتعاقدون أمضوا طوعا على عقود العمل، وعليهم تحمل تبعاتهم اختيارهم ذاك. وعليه فكل تجاوب حكومي مع احتجاجهم سيكون خرقا للقانون، وتشجيعا “للسّيبة”.

“كما أن أي تعاطف شعبي مع المتعاقدين لا يتعدى كونه جهلا بالقانون وبمعنى العقد، وبدولة الحق والقانون الحديثة”

“وعليه فعلى الصحافة الوطنية الحزبية والحرة ألا تقف متفرجة، بينما يستخف 70،000 مواطن بالقانون، وكل من أتى الفعل المنكر المذكور فهو يد ضمن ال70،000 الأخرى التي تهدم بنيان الدولة الديمقراطي والقانوني.”
“وأن أي تجاوب أو تنازل من طرف الحكومة لن يكون سوى تشجيعا للريع والفساد ودوسا على القوانين الوطنية، وعلى شرعية الحكومة والدولة.”

لنأخذ كل طرح على حدة:

أولا، ورغم بداهة الطرح الأول إلا أنه ينطوي على الكثير. فالأسئلة التي يثير على علاقة بإشكالات تهم مفهوم العقد، وأهداف القوانين الوضعية الحديثة في الدولة الحديثة، ومنه إلى أسئلة على صلة بالديمقراطية الحديثة، ودور المواطن والمجتمع المدني عموما والإعلام كسلطة رابعة.

كانت كاتبة الرأي في صحيفة “كوود” سهام البارودي من أول الصحفيين الذين حملوا مشعل هذه الاعتراضات، ورغم أن السيدة المذكورة خرجت عن حدود اللياقة، حتى أنها وصفت المتعاقدين بالحمير وأبناء العاهرات، وهلم جنونا، إلا أننا سنتغاضى عن تصابيها ونناقش الفكرة كما ترد على لسان العقلاء، وللكل الحق في الاعتراض، وعلى من يحمل مشعل الطرح المغاير أن يبرر إقدامه على طرحه.

ينطوي القياس المنطقي أعلاه: “نظام التوظيف الجديد يقوم على التعاقد، وكل من وقع على العقد فهو متعاقد، والعقد شريعة المتعاقدين” على طمس مريب. من أقر نظام التوظيف بالتعاقد؟ الدولة في شخص وزير إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية. هل يُشترط في شرعية العقد أن يكون طرفاه قد وقعا عليه إراديا وبعلم مسبق بمحتواه؟ سيقودنا البحث في هذا المنحى إلى التساؤل عن العقد، ما هو؟ وما هي شروط شرعية سريانه كعقد على الموقعين عليه؟ وبما أن الأمر يهم فلسفة القانون فأسلم طرق استكمالنا لمقالنا هذا محاولة الإجابة عن الأسئلة الواردة آنفا انطلاقا من القانون ومن فلسفة القانون.

ما العقد إذا؟

يميز رجال القانون بين العقد الماقبل حديث والذي عرفته حضارات كثيرة كالحضارة البابلية والفرعونية والرمانية. وغالبا ما همت العقود في الحضارات المذكورة شؤونا بسيطة كالزواج والمقايضة والبيع والإيجار والقرض.
أما العقد في صيغته الحديثة فيعرف على النحو التالي في القانون المدني الفرنسي، مثلا، كما تم تعديله سنة 2016: “العقد توافق إرادات بين شخصين أو أكثر لإنشاء، تعديل، نقل أو إنهاء الالتزامات.” تثير لدينا هنا عبارة “توافق إرادتين” مسألة غاية في الأهمية. فمشروعية العقد تقع على توافق إرادتين (أو أكثر) على التزامهما بمواد العقد، واستعدادهما كذوات عاقلة لتحمل تبعات العقد أكانت خيرا أم شرا. فالعقد متى ما اتفقت إرادتين على محتواه هو وثيقة قانونية، يمكن لأي طرف، متى ما لم يوف الطرف الآخر بالتزاماته كما وردت في العقد، أن يقاضي غريمه،فالقانون هو الفيصل بينهما، وعليه فالعقد موجب للعقاب كما للفائدة.

وعلى الرغم من أن إعلام البلد الرسمي لا يمل من تكرار شعار “المقاربة التشاركية”، إلا أن الحكومة لم تؤد واجب استشارة طرف العقد الآخر، وهم الأساتذة، بل صاغت العقد وبنوده، وأكرهت كل المتخرجين من جامعات البلد الراغبين في العمل كأساتذة بمدارس وطنهم على الإمضاء على العقد، ولم يُمنحوا حق رفضه، أو مقترح تعديل مواده المجحفة بحقهم حتى.

نحن إذا أمام عقد لاغ فلسفيا وقانونيا. فإرادة الطرفين لم تُنشأ العقد، كما لم تُمنح إحداها حق التعبير عن إرادتها سواء برفض العقد، أو بوجوب تعديله على الأقل درءا لظلمه وجوره. لكن لازال بمنطق فهمنا للأمور بعض الغموض. فقد يقول قائل: “ماذا تعني الإرادة في القانون؟” و “كيف لمفهوم العقد في القانون المدني الفرنسي أي صلة بمفهوم العقد في القانون المغربي؟”.

ما الإرادة؟

الإرادة فلسفيا هي: حسب القديس أغسطين “القدرة على قبول تصور ما أو رفضه”، و “استطاعتنا أن نفعل الشيء أو لا نفعله، وأن نثبته أو ننفيه، وأن نُقدِم أو نحجم عن إتيانه ” حسب رونيه ديكارت. يؤكد تعريف الفيلسوفين هنا على أمر غاية في الأهمية. إنهما يشترطان في حصول الإرادة ذاتا إنسانية حرة عاقلة، بعيدة عن أي إكراه سلطوي من الخارج، أو خلل عقلي قاهر يمنع حصول الإرادة كما عرفاها: ف”القدرة على قبول أو رفض تصور، أو القدرة على الإثبات والنفي، إتيان الشي الشيء من عدمه، الإقدام عليه أو الإحجام عنه”، شروط يجب توافرها لكل ذات بشرية مفكرة عاقلة، حتى تُعدّ القرارات الصادرة عنها قرارات صادرة عن إرادة حرة غير مكرهة بقهر خارجي أو خلل ذهني.

وبينما تُقر شروط التوظيف بالتعاقد وجوب توافر السلامة البدنية والذهنية للمتبارين، والتي طولب المتعاقدون بموجبها بضرورة الإدلاء بشهادة طبية من طبيب في القطاع العام تثبت سلامتهم البدنية والذهنية، فإنه لم يبق أمام قياسنا المنطقي سوى عنصر الإكراه الخارجي.

هل تنشئ الإرادة المنفردة عقدا قانونيا يلزم طرفي العقد؟ يجيب رجال القانون في المغرب، وحسب تأويل المشرّع المغربي: “العقد يتكون من توافق إرادتين، فالعبرة إذا ليست بإرادة كل فرد من المتعاقدين، وهي الإرادة الكامنة في نفسه، والتي قد لا يستطيع المتعاقد الآخر أن يعرفها، بل العبرة بالإرادة المشتركة فيما بينهما، وهي إرادة يعرفها كل منهما، لأنها مشتركة بينهما، ومتى ما توافقت الإرادتان تكون العقد .” كيف تريد الدولة أن تقدم نفسها كراع لشؤون رعيتها عبر فرضها لعقد العمل، وتتملص في الوقت عينه من مسؤوليتها كشريك في عقد مجحف بحق طرف العقد الآخر، أي الأساتذة؟ فإما أن تكون الدولة شريكا ديمقراطيا في العقد وخاضعة لمشاركة صياغة مواده، وإما أن تنزع عن نفسها اسم الديمقراطية وتسمي محتوى العقد استعبادا ورقّا؟ هل حصلت إرادة الطرفين في حالة التوظيف بالتعاقد التي بين أيدينا؟ لا. هل استشارت الحكومة ممثلا قانونيا عن المتبارين من أجل تمثيلهم في صياغة العقد؟ لا، لم تفعل. هل أكره الأساتذة على الإمضاء على عقود العمل إذا؟ نعم.

نحن إذا أمام وضع غاية في الخطورة. فعقد العمل الذي صاغته جهة واحدة هي أكاديميات التربية والتكوين فرض على كل من تقدم للمباراة كشرط لقبوله لاجتياز اختبارات الأستاذية. فالعقد لا يلغي قاعدة وجوب حصول توافق لإرادتي طرفي العقد فقط، بل ينفي أيضا، متى ما تحول إلى رفض لكل طعن في العقد ولو بالاحتجاج السلمي، عن المتعاقد إرادته كذات إنسانية مفكرة وعاقلة. ولا يختلف هذا في شيء عن عبودية الرق.

العقد إذا ليس نصا مقدسا، ولا يعتبر من يناضل من أجل إلغائه أو تعديله على الأقل زنديقا محرفا. بل هو اجتهاد بشري حمّال للخطأ والصواب، للمنفعة والضرر. كما أنه صياغة بشرية قد تحيد عن مبدأي العدل والمنفعة كما صاغهما كبار فقهاء القانون الغربي، الذين يعتبرون من أعرق مصادر التشريع في القانون المغربي. فالعقد يسمى عقدا متى ما “رأى القانون بأن محتواه لا يشكل ضررا أو خسارة لأحد طرفيه .” سيدرك القارئ الآن أن إحالتي على الفكر القانوني الغربي، وعلى تعريف الإرادة كما قدمها قلاسفة غربيون، تقوم على الحقيقة البديهية الآتية: وهي أن التشريع المغربي يقوم على ركائز فلسفة القانون الغربية، خصوصا ما يهم منها أمور المغاربة الدنيوية، والعقد وتعريفه وصياغته، كما يرد عند هؤلاء، جزء من الترسانة القانونيةالمغربية، وذلك ببساطة لأن المغرب يعرف نفسه على أنه ملكية ديمقراطية، والديمقراطية بالصيغ المعروفة في المغرب تستمد مبرراتها الفكرية والفلسفية من الفكر الغربي، ولو شكليا أو على سبيل الدعاية محليا ودوليا.

فنلق نظرة على محتوى العقد الذي يربط أكاديميات التربية بالمغرب بالأساتذة العاملين في الميدان اليوم تحت مسمى أساتذة النظام الجديد. وسنرى إن كانت الشروط التي يشترط فلاسفة القانون وفقهاؤه وجوب توافرها في العقد حتى يُلزم طرفيه، ويستحق اسم العقد فعلا.

يتكون عقد العمل الذي يربط أكاديميات التربية والتكوين من جهة، وأساتذة النظام الجديد من جهة أخرى من 15 بندا، وتهمنا هنا أساسا بنود الحماية الاجتماعية للأستاذ من الاستفادة من رخص المرض الطويلة الأمد، إلى شروط فسخ العقد، والمقابل المادي الذي أقرته الحكومة للمتعاقدين كمبلغ للتقاعد. ينص البند 10، والذي يهم “التغيب لأسباب صحية” على: ‘تحديد مدة رخصة الغياب لأسباب صحية حسب طبيعة المرض، ويترتب عن ذلك الاستفادة إما من رخصة مرض قصيرة الأمد أو متوسطة الأمد أو طويلة الأمد. وفي حالة انصرام مدة الرخصة المرضية المخولة للمتعاقد قانونا، ولم يتمكن من استئناف عمله، يُفسخ العقد دون إخطار ولا تعويض’. إن المصير الذي يعد به العقد المتعاقد هنا، متى ما لم تسعفه صحته في أداء مهامه أمر مرعب لكل مقبل على التباري على العمل كأستاذ.

الدولة، حقوق العمال والقطاع الخاص.

من أين أتت الدولة ببرنامج التوظيف بالتعاقد؟ وهل في البلد قطاع تشبه طرق تشغيله نظام التوظيف الجديد؟
إن برنامج التوظيف بالتعاقد ليس اختراعا مغربيا؟ بل عادة ما يصحب شروط الدين التي تتلقاها الدولة المستدينة من أجل إصلاح نظم تعليمها من البنوك الدولية، وقد أوضحنا في مقالات سابقة مآل برامج التوظيف بالتعاقد كما عرفتها دول عالمثالثية حديثا.

لكن أقرب أشباهه هنا في المغرب هو القطاع الخاص. وأقصد هنا مؤسسات الاستثمار المحلية والأجنبية الخاصة التي تشغل جزءا مهما من خريجي الجامعات والمعاهد المغربية العمومية والخاصة. ورغم الصمت المطبق لعمال هذا القطاع، إلا أن الإعلام يطفو على السطح أحيانا بأخبار تهم أوضاع التشغيل به. فمعظم عماله ليسوا أعضاء في النقابات العمالية، ولا يُسمع لهم أثر في الاحتجاجات، ولا في الإعلام عموما، اللهم إلا إذا استثنينا العروض الكرنفالية التي يقدمونها يوم فاتح ماي من كل سنة. ولا يعني سكوت هؤلاء أبدا على أن أوضاع التشغيل بالقطاع بخير وعلى ما يرام. بل أن معظم عماله ممنوعين من النشاط النقابي، وأغلبهم لا يستفيد ولو من القيمة المالية للأجر الأدنى الذي يحدده القانون المغربي في 3،000 درهم، وخاصة في سنين العمل الأولى، ولا يستفيدون من الدعم الأسري، ولا من شروط الضمان الاجتماعي القانونية، ولا من التقاعد المستحق على أعمارهم التي يقضونها في خدمة المؤسسات المشغلة. بل أن بعضهم كعمال الشركات الأمن الخاصة يمضون في عقد العمل على جني مستحقات العمل التي تصل على الورق إلى 4،000 درهم، بينما لا يتوصلون من هذا المبلغ سوى ب 1500 درهم، وكلهم رجاء أن تصل في الوقت المتفق عليه مع الجهة المشغلة، أي في بداية الشهر.

وعلى الرغم من أن المغاربة العاملين في القطاع الخاص كانوا تتطلعون إلى أن تبادر الحكومات المتتالية إلى تقنين العمل في القطاع الخاص، عبر إجبار المستثمرين على:

– احترام الحقوق النقابية والنشاط النقابي للعمال.
– الزيادة في أجورهم حتى تتواءم مع أسعار العقار، والمواد الاستهلاكية،والخدمات الاجتماعية، ودعم أبناء العمال في سن التمدرس،
– وتوفير أشكال الضمان الاجتماعي، من تغطية صحية، وعطل مدفوعة الأجر، وتقاعد يتواءم وتضحيات العمر التي يقدمها هؤلاء أثناء مسار عملهم،

إلا أن الرأي العام، وخاصة المتخرجين الشباب المقبلين على سوق الشغل فوجئوا بالدولة بعد عقود من إطعامها لغول القطاع الخاص طوال العقود التي تلت نهاية الاستعمار المباشر، دون فائدة، فوجئوا بها تنحى منحى القطاع المذكور عبر تقليد صيغ تشغيله المهينة والحاطّة من الكرامة والحق في العيش الكريم.

إن شيوع القهر ليس دليلا على صوابه. فإن كانت يد القطاع الخاص تعبث بأرزاق ومجهود وعرق مستخدمي القطاع في المدن الصناعية والتجارية والسياحية، وفي الإقطاعيات الفلاحية، فهذا ليس دليلا لا على إنصاف الشركات الموظِّفة لعمالها، ولا على رضا العمال عنها. بل إن يد الشطط والقهر في تسيير هذه الشركات، وخوف العمال على أرزاق أسرهم وعائلاتهم هي الأكمة التي تخفي المسكوت عنه. فعلى سبيل المثال، أقدمت شركة خلال سنة 2014WebHelp على طرد 29 مستخدما بأكادير بسبب إنشائهم لمكتب نقابي، كما طرد فرعها في الرباط عاملة وناشطة نقابية كانت قد أتمّت سنتها الثانية عشرة في الشركة من مسار عملها، وكان مكتب نفس الشركة بمدينة القنيطرة قد حجب عن عامل حقوقه المادية، مما أدى بالأخير إلى الانتحار ، وتشتكي عاملات الشركة من النساء شيوع تحرش مرؤوسيهم بهم جنسيا.

هذه ببساطة هي الخيارات المتاحة أمام خريجي الجامعات الوطنية الباحثين عن الشغل. فأن تختار الدولة التغاضي عن قهر الشركات الخاصة المُشغلة، بل وأن تختار أساليبها في التشغيل ليس دليلا على أن العاملين في القطاع الخاص راضون عن أوضاعهم، ولا عن نبل الشركات الخاصة. فمعظمها لا يوفر لمستخدميه أي شكل من أشكال الحماية الاجتماعية كالضمان الاجتماعي، والحق في النشاط النقابي، والتغطية الصحية للعامل ولأفراد أسرته من غير البالغين، وساعات العمل المحددة قانونيا، والتقاعد المريح الذي يليق بتضحياتهم بأعمارهم وبصحتهم في سبيل نجاح المؤسسات التي يعملون بها.

فإن كانت أقلام التسفيه، كقلم البارودي، تسفه من النضال، وتدعوا إلى منع التعاطف مع فئة الأساتذة المتعاقدين، وتسمي دعم نضالهم دعوة إلى السيبة أو تشجيعا على الفساد والريع، فهذا يصدر عن جهل بأوضاع هؤلاء الأساتذة، وبأوضاع العاملين في القطاع الخاص بشروط أسوأ من تلك التي يناضل المتعاقدون من أجل تجاوزها. كما أنه ينم إما عن تخلف ذهني ذاتي، أو عن قصور في مناهج تكوين الصحافيين، ونستبعد الخيار الأخير، فلدينا في عدد من الصحفيين خير دليل على جدية العمل الصحفي.

سيدتي وكل المعترضين على نضال الأساتذة، إن مهمة المواطن، بل واجبه الأخلاقي والسياسي كمواطن في دولة ذات سيادة، تأخذ منه الضرائب التي لم يُعف منها سوى الأكسجين، أن يقوّم المعوج من شؤون صناع قراره بالطرق السلمية التي عهدتها الديمقراطيات. فالقانون اجتهاد بشري دنيوي، وقد يضر أكثر مما ينفع، فالآبارتايد كان قانونيا، والميز العنصري ضد السود في الولايات المتحدة كان قانونيا، وعليه فمتى ما تجاوز ضرر القانون منفعته، فإن من واجب المواطنين جميعا أن يقفوا في وجهه. فالديمقراطية لا ولن تكتمل بدون مشاركة المواطن وتأكيده على حقوقه بقدر التزامه بواجباته.

إن من واجب الصحافة في وضع مماثل لما تعيشه فئة الأساتذة المذكورة، كسلطة رابعة، وكرقيب أخلاقي أن تنوّر الرأي العام، وأن تقف في صف المواطن، لأنه ببساطة لا يملك من سلطة السلطة ونفوذها شيئا، وحقائق القضية كافية عن الشرح والتبسيط. كما أن من حقنا، بل من واجبنا كمواطنين نؤدي الضرائب، أن نطالب صناع قرارنا بالنزاهة في تدبير عائدات هذه الضرائب، وأن نحرص على أن تُصرف على تسيير شؤوننا، وعلى راحتنا وخدمتنا.
لا يلبس الفساد والريع قناعا في المغرب. إنه هناك في عفو رئيسي الوزراء عن حكومتي العدالة والتنمية الأولى والثانية في شخصي بنكيران والعثماني عن ناهبي المال العام والمتهربين من الضرائب. وإن مهام الصحفي النبش في دواخل قضايا مماثلة، حتى يستحق اسم الصحفي، وليس الخوض في صيغ التشهير طمعا في جلب القراء لجني مال الإشهار.

النخب السياسية والتعليم

إن الطبقات الاجتماعية الضعيفة في المغرب، والتي تزداد نسبها سنة بعد أخرى لخير دليل على مدى جدية برامج الحكومة التي تسمى إصلاحات، مهما كان القطاع المقصود. لأن يُدعى مثلا حجر التوظيف بالتعاقد إصلاحا وتقدما غصبا، فذلك جنون رفض المتعاقدون، وعلى غرار فئات شعبية أخرى المشاركة فيه. فهذه الإصلاحات لا تعد كونها نفيا للحس المشترك وللذات الإنسانية المفكرة العاقلة والطامحة إلى الأفضل دون أن تُضطر إلى الهجرة من بلدها.

قد يقول قائل: هذه النخب لم نأت بها من خارج الكوكب، بل هي سلط تُنتخب من قبل المغاربة بشكل دوري، وهي تمظهر لإرادة المواطن. أجيب: إن كانت هذه النخب منتخبة من قبل المواطن المغربي، فنحن أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما أنها نخب لم تُنتخب بشكل نزيه، أو أن الديمقراطية كما يعرفها المغاربة في سلوك وقرارات متنخبيهم في ورطة نظرية وعملية مخيفة. على سبيل التوضيح، لنلق نظرة على الإصلاحات التي همت قطاع التعليم مثلا، والتي اتخذها صناع القرار المنتخبون منذ دخول المغرب دوامة الاستيدان بداية الثمانينات من القرن الماضي إلى اليوم.

المغرب دولة عالمثالثية، (وأؤكد هنا على انتماء المغرب إلى العالم الثالث، مهما اجتهد البعض، وضدا هنا على نهج الصواب السياسي الذي يتداوله الإعلام والسياسيون، والذين يسمون المغرب كما أشباهه من الدول ب “الدول السائرة في طريق النمو”، ولعلي سأوفّق في بيان اختياري للتسمية فيما يلي). ويعود تقسيم العالم إلى ثلاث طبقات إلى زمن الحرب الباردة. يقع الغرب الليبرالي على رأس العوالم الثلاث كعالم أول، ثم الدول الشيوعية سابقا والتي تبنت خليطا عجيبا يجمع بين استبداد اليسار وبيروقراطيتهالحمراء سياسيا، ونهجا نيوليبراليا في الاقتصاد لا يختلف في شيء عن نهج الغرب الليبرالي، وهذا هو العالم الثاني، وغالبا ما اقتصر على الاتحاد السوفيتي سابقا، والصين. ثم يأتي بعد العالم الثاني المذكور دول العالم الثالث، أي أغلب دول العالم المستعمرة سابقا (وتلك التي لا زالت تعيش الاستعمار كفلسطين)، والتي تعرف بهشاشة أنظمتها السياسية وفسادها، وضعف أداءها الاقتصادي، ومعاناة شعوبها القاهرة.

ولما كان المغرب دولة عالمثالثية، وكأشباهه من الدول، فقدعايش شعبه تجربة الاستعمار المريرة، والتي تخلص من نسختها المباشرة ليقع، أو لتوقعه نخبه المابعد استعمارية في شراك التبعية والاستعمار الجديد، (أقصد هنا الاستعمار الغير مباشر، والذي يهم القهر الاقتصادي والمعيشي والثقافي، وتبعية القرار السياسي الذي تُديمُ وجوده النخب السياسية ‘الوطنية’). ولعل أكثر أمثلة تبعية القرار السياسي والثقافي المعاشة اليوم مثلا، اختيار الحكومة المغربية لتدريس مواد الشعب العلمية في المدارس باللغة الفرنسية، حتى لا تكلف نفسها عناء تكليف أطر كفؤة بترجمة مواد ومراجع الشعب المذكورة الأساسية إلى العربية، وإلى تأطير تعليم اللغات الأجنبية وتطوير وسائله، وتنشيط البحث العلمي عبر إحداث فضاءات للبحث وجوائز تكريمية تشجيعا لطلبة مدارس العلوم وأطرها جميعا متى ما استحقوا ذلك.

أما اقتصاديا فأفضل مثال على التبعية وأكثرها قربا منا هي مسألة ساعة العمل الحكومية، والتي أقرتها الحكومة منذ سنين إلى اليوم نتيجة ضغط لوبيات الشركات الأجنبية المستثمرة، ومعظمها فرنسي. ويعلم المغاربة اليوم عبث الساعة المضافة بصحة المواطنين وبمصالحهم كمتعلمين، وعمالا وأرباب أسر، ووقعها على نفوسهم كمواطنين في دولة ذات سيادة على قطرها الوطني.

وتعود تبعية المغرب الاقتصادية إلى قرون عديدة عاش فيها أزمات مجالية وسياسية أفلست النظم السياسية التي حكمته وأجبرتها على الاستيدان، وعلى نهج سياسات الاحتراز التي شهدها البلد خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والتي كان الغرض منها حفظ السيادة السياسية على البلد، وضمان استمرار السلالة الحاكمة. وعندما حوصر البلد ولم يستطع سداد ديونه دخلت على الخط الامبراطوريات الاستعمارية الدائنة، التي وقعت مع حاكمي المغرب اتفاقيات ‘الحماية’. كان غرض القوى الاستعمارية إخضاع التراب المغربي وشعبه وموارده لخدمة نظامها الرأسمالي أولا كسوق استهلاكية إضافية، وثانيا كمصدر للموارد البشرية القادرة على العمل وعلى صد جيوش الامبراطوريات الإمبريالية المناوئة، وكمصدر للمواد الأولية لإطعام غول التصنيع الحديث في المراكز الإمبريالية.

على هذا الأساس اجتهدت القوى الإمبريالية الفرنسية (خصوصا) في المغرب في توفير مؤسسات التعليم الحديث من أجل إعداد نخب مستعبدة لتوقيع الاتفاقيات وللإشراف على الاستثمارات الأجنبية ولضبط القوى العاملة في مراكز التصنيع الأولي التي أنشأت في مواقع قريبة من الموارد الطبيعية في البلد وقرب موانئه الكبيرة القديم منها والمستحدث، كميناء الدار البيضاء.

ولم يمانع النظام الملكي وخدمه الكبار في اغتناء الفئات المذكورة، لأنه رأى فيها صماما صلبا لاستقرار نظامه أثناء مرحلة الاستعمار وبعدها، خاصة لما تبين أن الاستعمار لن يدوم مقامه طويلا بين المغاربة. ففي المدن كانت النخب الميركانتيلية (الفاسية أساسا) أول من تعلم قوانين اللعب مع القوة الاستعمارية، وأول من عرضت خدمته وخدمة أهدافه مقابل ضبط العائلات الممتدة وأحياء المدن، ليستفيدوا في المقابل هم ونسلهم أبا عن جد من فوائد التعاون معها حاضرا ومستقبلا. وتأكد بعد إعلان استقلال البلد بأن هذه النخب التي كانت في سباق محموم لضمان مقاعد الدراسة لأبناءها في المدارس الاستعمارية، ثم التحاقهم بالمراكز الإمبريالية لاستكمال دراستهم، وعيا منهم بأن مستقبل المغرب رهين بتبعيته، كان لها رأي مغاير لمثل التحرر الكامل كما راودت المقاومة المسلحة. فسارعت هذه النخب إلى إعداد أبناءها خدما لهذه القوة حتى يضمنوا السيادة الاقتصادية والسياسية والمالية، مع تبنيهم لأنصاف قيم التنوير الامبريالية.

ومن المؤسف أن أسلوب حياة هؤلاء لم يتعرض له الكثير من الباحثين في جانبه الثقافي، عكس ما يعرفه العالم الأنغلوفوني الأكثر ديمقراطية وتقبلا للنقد والغير. فلم ترث نخبنا عن فرنسا سوى عنجهيتها القومية ومزاجها المقيت. فهذه النخب كما أتى الراحل محمد عابد الجابري على ذكر ذلك، عابرا، في كتابه عن التعليم، تعيش شرخا هوياتيا لا يحتمل.

فلأنها اختلطت بالفرنسيين فإنها تتبنى اللغة وأسلوب الحياة الفرنسيين (شبابها وشاباتها يدخنون ويشربون الخمر، ويلبس فتياتها القصير و ‘المخجل’ بين البسطاء) دون وجل من الأب البطريركي الشرقي المعروف في أوساط الأسر المغربية الفقيرة، كما أنها تفضل التعلم وقضاء العطل في منتجعات أوروبية وغربية عموما، وتشتكي أحيانا عنصرية الفرنسيين تجاهها، وعليه فإنها عالقة في الوسط، فلا هي شرقية ولا هي غربية. كان أول من تعرض لهذه الظاهرة البشرية الغربية التي تسربت أنماط سلوكها اليوم بنسب مهمة إلى باقي الفئات الشعبية الأخرى الراحل فرانز فانون (1925- 1961) في كتابه جلد أسود، أقنعة بيضاء (1952).

فرانز فانون كان طبيبا نفسيا ومقاوما عالمثالثيا ومثقفا مناهضا للاستعمار، والذي ألف عدة كتب عن الاستعمار والمقاومة. وهو مواطن مارتينيكي تعلم في فرنسا وعاش معظم حياته المهنية في الجزائر المستعمرة وفي تونس. يصف فانون بتفصيل سلوك المارتينيكي الأسود الذي يهاجر إلى فرنسا، ويعود إلى بلده، بحيث يتبنى سلوك البيض العنصري تجاه بني جلدته، بغرض تمييز نفسه عن غيره من ‘الزنوج’ (كلمة فانون، وكانت دارجة الاستعمار قبل أن تنجح حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة في جعلها تسمية قدحيةوعنصرية لوصف السود)، الذين لم يصلوا شأنه وشأن العيش بين ‘المتحضرين’ البيض في المراكز الامبريالية كباريس، بحيث أن الرجل لا يحدث مواطنيه بلغتهم، بل يتكلف بفرنسية متلعثمه حتى يبعث في الأرجاء هالة الإنسان الأبيض الذي وقع تحت سحر عنصريته وعجرفته، والتي يرى فيها رفعة وشأنا استحقهما لما زار مراكز ‘التحضر’ في الغرب. فهذا الرجل حسب فانون ليس سوى ‘زنجيا’ متزلفا يرى نفسه إنسانا أبيضا. كما أن تكلفه هذا لا يتعدى كونه سقما نفسيا يحتاج إلى علاج فكري ونفسي من نفس الجنس، أي عبر إفهامه بأنه ضحية لسردية العنصرية والاستعمار التي نسجها الإنسان الأبيض .

ويعد عمل الروائي الترينيدادي في. إس نايبول أشباه الرجال (1967) أيضا أحد أعمدة الخيال الروائي التي تناولت شرخ النخب المابعد استعمارية الهوياتي (من الهوية). فبطل روايته ‘رالف سينغ’ ترينيدادي من أصول هندية تعلم في مدارس الاستعمار، حيث لُقّن النفور من ثقافته ووطنه وانتماءه العرقي، من قبل أساتذته الإنجليز. يتابع قارئ نايبول بالتفصيل ذلك الجانب الخنوع الذي لم يستطع سينغ التخلي عنه سواء في ترينيداد وتوباغو أو أثناء دراسته الجامعية ببريطانيا، ليخلص إلى شيء واحد، وهو أن رالف سينغ خواء وجودي دون مبادئ ولا مثل ولا فضائل ولا قيم لتوجه دفة حياته، وعليه يتقبل خنوعه وذله وشقاءه دون أي بادرة واعية منه لتملك سُدّة حياته وقراره .

مع نهاية الاستعمار كانت النخب المغربية التي أتينا على ذكرها أعلاه واعية بالمكسب الاقتصادي الذي ستجنيه بعد تخلي المعمرين الفرنسيين عن ممتلكاتهم من أراض واستثمارات فلاحية في البوادي، ومراكز التصنيع الأولي في المراكز الحضرية. فسارعت هذه النخب إلى ما يشبه تهافت البيض على ذهب كاليفورنيا أثناء توسع الدولة الأمريكية المستوطِنة على أراضي الهنود بالغرب الأمريكي. لم يكن إجراء مغربة الاستثمار سوى اسم بديل لواقع الخوصصة والنهب الذي هم ممتلكات المعمرين من قبل النخب في البلد. يورد المناضل الدكتور والأستاذ بمعهد الحسن الثاني للزراعة نجيب أقصبي مثالا على ما حدث. فبعد أن خلف المعمرون الفرنسيون ما يربو عن 1،000،000 هكتار من الأراضي قامت الدولة بتمكين هذه النخب من 728،000 هكتار، لم تسترجع الدولة منها سوى ثمن 300،000، أما 400،000 الأخرى فلم يعرف أحد أين ذهبت. كانت تركة المعمرين إذا أولى فرائس القطاع الخاص المغربي. وكانت رغبة النظام السياسي ولا زالت هي ‘دعم القطاع الخاص، وتشجعيه’، مهما كلف الثمن .

وبعد مرور عقدين على ‘الاستقلال’، لم يقدم القطاع الخاص شيئا في سبيل التشغيل وتحريك عجلة الاقتصاد، فكانت الدولة، وسيرا على النهج الليبرالي الكينيزي، (من اسم الاقتصادي البريطاني ومهندس دولة الرفاه جون ماينارد كينيس)، هي المسثمر الأول. كان للدولة من الموارد الكثير أثناء سنين ‘ازدهار أثمان الفوسفاط’ التي شهدتها سنين منتصف السبعينات في السوق الدولية. لكن مشاكل تدبير استثمارات الدولة وإفلاس أجزاء مهمة منها بفعل الزبونية وقلة الكفاءة الناتجة عنها وسرقة أموال ميزانيات المشاريع ستحول الدولة مع نهاية السبعينات إلى كيان مهدد بالزوال بفعل ازدياد نسب البطالة واستشراء الفساد. ومنذ بداية الثمانينات سيدخل المغرب دوامة الديون الأجنبية. كانت شروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي واضحة:

1-  الحد من الإنفاق العمومي: أي وقف استثمار الدولة قصد تحريك عجلة الاقتصاد.

2-  تجميد أجور الموظفين العموميين: أي وقف الزيادات في الأجور إلى أجل استيفاء الديون التي لا زالت قائمة إلى اليوم، بل تتزايد سنة بعد أخرى.

3-  بيع استثمارات ومشاريع الدولة (الملك العمومي) إلى الخواص.

وعليه سارعت الدولة إلى التخلي عن عديد الاستثمارات لصالح الخواص، وشاب عملية البيع الكثير من الفساد. ولأن الملك العمومي كان يشكل عصب الاقتصاد المغربي، فقد أحدثت الدولة وزارة الخوصصة سنة 1989، والتي كلفت بتجويد الملك العمومي المقدم للبيع وتكلفت باتفاقيات البيع التي دامت حتى سنوات 2005 و 2006.

مع بداية الألفية لم يبق في ملك الدولة إلا اليسير والمفلس إضافة إلى الخدمات العمومية (التعليم، والصحة، والماء، والكهرباء، النقل الحضري ونظافة المدن).

لم يجد القطاع الخاص الجشع والكسول سوى تجميد الاستثمار للضغط على الدولة من أجل التخلي عن الخدمات العمومية المذكورة. ونظرا لمشاكل السيولة الدورية فقد قامت الدولة بالتخلي عن الخدمات العمومية لصالح الرأسمال الأجنبي والمحلي. أما اليوم، فيعرف الجميع أن الخدمات العمومية، باستثناء التعليم والصحة، لم يعد لها وجود. فقد تخلت الدولة عن خدمات المواطن العمومية كالماء والكهرباء ونظافة المدن، عبر تفويتها للقطاع الخاص المحلي والأجنبي، وصرنا نسمع بين الفينة والأخرى عن الحجر الذي تمارسه المؤسسات الاستثمارية الأجنبية التي استولت على الخدمات المذكورة، ولنا في ‘أمانديس في طنجة نموذجا’، وأمثلة النقل العمومي في جل المدن المغربية التي أصبحت تحت سيطرة الرأسمال الخاص، والتي بقدر ما تزداد خدماتها سوءا، بقدر ما ترتفع أثمان استهلاكها على المواطنين.

لم يتبق اليوم في الملك العمومي للدولة سوى قطاعي التعليم والصحة، ولم تخف الحكومات المتتالية تبرمها من القطاعين، وشكواها المستمرة في الإعلام، وفي محافل المستثمرين الدولية من انعدام الربح المباشر والقصير الأمد كقصر نظر الحكومة من القطاعين.

أتت أولى إشارات عزم الدولة على خوصصة التعليم في تقرير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الذي صحب أولى القروض التي استدانتها الدولة من البنكين المذكورين سنة 1986. فقد دعا تقرير منح القرض الذي قدمه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى “الحد من الإنفاق العمومي في التجارة، والفلاحة والتعليم…” وأضاف بأن “التعليم…من القطاعات التي تعرف ضعفا بنيويا… وتحتاج إلى استثمار شركاء من القطاع الخاص…”

ضمت التوصيات التي منحت بموجبها المؤسستين القرض المرقم ب2664 الخاص بقطاع التعليم سنة 1986 التقليص من ‘عبء’ ميزانية التعليم على كاهل الدولة وذلك عبر حجب نصف المنحة عن التلميذ المكرر للسنة الدراسية ، وخلق الأقسام المشتركة (أي تدريس مستويين في قسم واحد). كما أثرت الشروط المذكورة على رواتب الأساتذة ومنح التلاميذ والطلبة. فقد انخفض راتب الأستاذ في الفترة ما بين 1983 و 1986 بنسبة 18%،وهمت الشروط أيضا الخصم من منح الطلبة والتلاميذ، وخفض نسب الإنفاق على المدرسة الذي بلغ ما بين 1983 و1989 نسبة 11 %..

ومع بداية العقد الأول من القرن الحالي نص ميثاق الإصلاح الجديد”الميثاق الوطني للتربية والتكوين” على ضرورة إشراك القطاع الخاص في تمويل قطاع التربية والتكوين. وأشار رئيس الوزراء السابق عبد الإله بنكيران في خطاب قدمه في الذكرى الخمسين لتأسيس بنك التنمية الإفريقي سنة 2014 إلى ضرورة تخلي الدولة عن التعليم العمومي: “لقد حان الوقت لترفع الدولة يدها عن التعليم والصحة”، وأضاف بأن دور الدولة يجب أن ينحصر في تسهيل استيلاء القطاع الخاص على القطاعين المذكورين. يوضح الجدول أسفله مخطط الدولة الذي يقضي بحصار القطاع العمومي التعليمي وتشجيع البديل الخاص على استلام زمام المبادرة دون أدنى مراعاة لتحديد تكاليفه تحديدا قانونيا.

السنة 2000 2005 2010 2013 2020 2023 2030 2038
نسب التلاميذ المسجلون في مدارس

خاصة بالسلك الابتدائي

4.2% 5.5% 10% 13% 24% 30% 52% 97%

الجدول: الأرقام باللون الأحمر توقعات للسنين القادمة حسب تزايد نسب التسجيل بالقطاع الخاص .
ما الدرس المتفاد من حملة الخوصصة التي بدأها المغرب في أواسط التسعينات ولا زالت رقعتها تتسع إلى حدود اللحظة؟

يقول موقع “أرشيف” على الإنترنت على لسان وزير المالية والخوصصة السابق عبد العزيز الطالبي بأن أرباح المغرب من عمليات الخوصصة في الفترة ما بين 1993 و2005تجاوزت 75،5 بليون درهم . تعتبر هذه الفترة الذهبية لعملية الخوصصة، لكن ما تخفيه أخبار مماثلة هو من المستفيد من هذه العملية. يقول الباحث محمد بيغوتان في بحث أنجزه لمدرسة الاقتصاد بدبي بأن فئة النخبة الفاسية كانت المستفيد الأكبر من عملية الخوصصة، خاصة وأن لها صلات مهمة بالقصر منذ قيام الدولة العلوية .

يعتبر التعاقد، حسب المعطيات الواردة أعلاه بداية لاتجاه الدولة إلى خوصصة التعليم. تـؤكد كل المؤشرات المذكورة على أن الدولة تسير في هذا المنحى، وعلى غرار قطاعات أخرى كالنقل العمومي بالمدن، والماء والكهرباء، والصناعة، والسياحة، والرفع التدريجي للدعم عن المواد الاستهلاكية الأساسي منها والثانوي، وتحرير السوق من “القيود” القانونية التي تهم امتيازات العامل الاجتماعية وحقوقه في الترقية والتأمين الاجتماعي وحقوقه النقابية، على غرار القطاعات المذكورة سيتم التخلي عن التعليم العمومي في أفق قادم لا يتعدى العشرة سنوات.

إن التعليم والصحة اليوم هما آخر قلاع الملك العمومي الذين ما فتئ المسؤولون في الإعراب عن تبرمهم من انعدام ربحهما المباشر، ويدعون باستمرار إلى تخلي الدولة عنهما، وهو أمر سيتم بالتدريج تفاديا للحنق الاجتماعي الذي قد يجهض محاولات الإجهاز عليهما الجارية اليوم. إن الهدف من مرسومي فصل التوظيف عن التكوين في القطاع ليسا سوى محاولة من الدولة لخلق فئة محترفة عريضة من الأساتذة ستبقى رهن إشارة الأكاديميات التي، وبفعل ازدياد أرقام المتخرجين، ستجد أن كل الفرص متاحة أمامها للتوظيف بالصيغ التي تريدها وبالشروط التي ترى فيها مصلحتها فقط. ولأن نسب الخريجين في ازدياد مستمر ستعمل مراكز التكوين على تفريخ الأساتذة وستزداد نسب الإقبال أو الطلب على وظيفة الأستاذ، بينما سيقل العرض بالتدريج، وهو ما سيمكن الأكاديميات من توظيف فئة قليلة بالشروط التي تريد .

الديمقراطية والمواطن

فهل يكفي ما قدمناه أعلاه كدليل على عبث برامج إصلاح التعليم وكل القطاعات بالبلد؟ أو حتى نقدم السؤال بصيغة أخرى: هل هو إشكال نزاهة النخب ومدى جدية مقترحات برامج الإصلاح التي تقدمها، وطرق تدبيرها لميزانيات الاستثمار، أم أن الأمر يتعداه إلى مشكل بنيوي في الديمقراطية كما نعرفها اليوم؟ هل من العاقل أن يدافع الإعلام، والمواطن المتضرر من برامج الإصلاح المذكورة عن قرار الدولة “إصلاح” قطاع التعليم عبر استعباد العنصر الفيصل في الإصلاح، وهو الأستاذ؟

تقوم الديمقراطية الليبرالية، والتي يعتبر المغرب نفسه منذ الاستقلال جزءا منها، ومن خطاباتها، وصيغ عملها، على مبادئ بسيطة. وسنقوم بعرضها العنصر الأكثر صلة بنا هنا على سبيل التوضيح.

من أهم مبادئ الحكم الديمقراطي الليبرالي المعاصر نجد: مشاركة المواطن في صناعة القرار. يقول مؤلف لمختصين في الديمقراطية الليبرالية في العالم الثالث بأن الحكم الديمقراطي يقوم على مبدأ مشاركة المواطن في صناعة القرار، من ضمن مبادئ أخرى، لكنه يحتل صدارة شرعية الحكم الديمقراطي المتعارف عليه. وتعني مشاركة المواطن في صناعة القرار حسب المؤلف حق المواطن في المشاركة في تشكيل القرار عبر التواصل المستمر بينه وبين ممثليه:

“إن المواطن جزء من مسار صناعة القرار حول القضايا التي تهمهم. كما أن التواصل حول صنع القرار مسار يشمل الطرفين، المواطنين وصناع القرار، وذلك عبر التشاور المستمر بين المواطنين وممثليهم قبل الوصول إلى القرار .”

إن ما يواجهه الأساتذة اليوم هو رفض الدولة لإشراكهم في مصيرهم المهني. نحن هنا أمام فئة من الأساتذة التي وصلت نسبتها بحلول الموسم الدراسي الحالي 70،000 أستاذ وأستاذة، وسبق لمعظم هؤلاء في المواسم الدراسية الأخيرة الثلاث أن عبروا في غير ما مرة عن جور عقود العمل، وعن لا جدواها كبرنامج لإصلاح التعليم عبر الاحتجاج السلمي، ودفعوا ثمن تضحياتهم جروحا ورضوضا، واستشهادا. ولنا في دول سبقت المغرب إلى تجربة برنامج التوظيف بالتعاقد في التعليم خير دليل على فشله. كانت دول عالمثالثية مشابهة إلى حد ما للمغرب في بنياتها السياسية والديمغرافية والاقتصادية كالهند وكمبدويا ودول إفريقيا الغربية من أول الدول التي اختارت برنامج التوظيف المذكور، لكنها تخلت عنها سريعا بعد ثبوت عدم جديتها . فنحن نتحدث عن خريجين جامعيين ينوون بناء مسار مهني في التعليم، وليس عن بضعة موظفين كلفوا بأداء مهام مستعجلة لا تتعدى مرحلة إنجازها شهورا أو بضعة سنوات على الأكثر.

فلا مفهوم العقد قانونيا وفلسفيا، ولا الحكم الديمقراطي، ولا قوانين الحماية الاجتماعية للموظف يمكنها تبرير عقد الرق الذي اجترحته حكومة بنكيران، وأصبح اليوم واقعا معاشا. نحن أمام 70،000 ناشط مدني متعلم واع يناضل من أجل حقوقه العمالية في دولة ذات سيادة وتخضع لرقابة المجتمع المدني بإعلامه وجمعياته وشعبه. ولا يصح للمجتمع المدني والإعلام أن يدعي الحياد هنا. فالموضوع يتعدى كونه حجرا على حقوق العمال في دولة لا يمل إعلامها من التشدق ب”المقاربات التشاركية، والديمقراطية وحقوق الإنسان”، إنه معول الهدم الأول في مشروعية الدولة، وفي “السلم الاجتماعي الاستثنائي” الوطني كما يسميه الإعلام الحكومي الرسمي، في منطقة تعيش قلاقل الحروب الأهلية، ولا زالت مخاضات الديمقراطية فيها في عنق الزجاجة.

فكما بدأنا المقال بالقياس المنطقي العجيب الذي يطرحه العديدون اعتراضا على حق الأساتذة المفروض عليهم التعاقد في النضال، وعلى مشروعية هذا النضال، فسنهيه بقياس منطقي مواز، ولو على شكل أسئلة هذه المرة. كيف تستصيغ الدولة لنفسها فرض الضرائب المجحفة على شعب مقهور، والتي تعتبر نسب الضرائب فيه من أعلى النسب في العالم، بحيث أن مادة أساسية كالعدس تصل نسبة الضرائب عليها إلى 40 في المائة، كيف تستصيغ إذا لنفسها جمع الضرائب من مواطنيها، لتطعمها لغول القطاع الخاص الكسول، بينما تحرم الفئات المنهوبة بالضرائب من حقوقها الأساسية كالتعليم والتشغيل والصحة؟

أليس الأجدى بالمعترضين على نضال الأساتذة من مواطنين وإعلاما بدعوى أن “العقد شريعة المتعاقدين”، أن يجربوا نفس منطق التفكير بمبدأ ديمقراطي مواز، وهو ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ كيف يُعفى ناهبوا المال العام والمتهربون من الضرائب من المحاسبة سنويا، ولا يقوم هؤلاء بالاعتراض على ما يقع، علما أن دورهم كمواطنين وكإعلام أن يكونوا عين الرقابة على الحكم؟ هل يصح أن يمثلكم رئيس حكومة يأتي قرار الإعفاء عن سارقي الوطن دون استشارتكم والعودة إلى مبادئ الديمقراطية المؤسسة التي تمنع ذلك؟ أم أن الحجر على الضعفاء باسم الديمقراطية ليس على نفس القدر من الأهمية كترك يد العبث بالمال العام والتشجيع عليه مبسوطة بقرارات ثاني أعلى سلطة بالبلاد؟

———————————–

-انظر: موقع مغرب القانون. مدخل “مفهوم العقد وتطوره: دراسة في الأسس التاريخية والفلسفية”.
-المرجع نفسه.
-المرجع نفسه.
-وردت الأخبار المذكورة أعلاه بالمواقع الإخبارية التالية: سوس24 أنفو. 6-10-2018، و مغرس 5-2-2019، و يقين بريس 1-1-2014.
-انظر: فرانز فانون. جلد أسود، أٌقنعة بيضاء. ترجمة خليل أحمد خليل. دار الفارابي. 2004.
-انظر : V.S. Naipaul. The Mimic Men. London : Vinatge. 2001/ (1967)
-انظر عمل الدكتور نجيب أقصبي. الاقتصاد السياسي والسياسات الاقتصادية بالمغرب. مركز محمد بنسعيد آيت يدر للأبحاث والدراسات. 2017.
-انظر تقرير البنك الدولي: -World Bank. Report and Recommendation of the President of the IMF on a Propose Structural Adjustment Loan to the Kingdom of Morocco. Nov. 8, 1988.
ص 2.
–انظر المرجع السابق ص 6.
انظر المرجع السابق ص، 74.
-للمزيد من التفاصيل، انظر مقالنا على موقع أنوال بريس الإخباري، بعنوان : “ماذا تعني خوصصة الدولة للتعليم؟”
– انظر تقرير الجمعيات أسفله:
the Coalition Marocaine pour l’Education Pour Tous, the Fédération Nationale des Associations de Parents d’Elèves au Maroc, the Global Initiative for Economic Social and Cultural Rights, the Mouvement Anfass Démocratiques, Bayti, the Union des Etudiants pour le Changement du Système Educatif, Zaynoo and ATTAC/CADTM Maroc.
–انظر المقال على صفحة Web.archive.orG.
« PrivatizationearnedMorocco 7.55 Billion Euros in 11 Years. 4-2-2005
– انظر مقال: Biyagautine, Mohammed. The Political Economy of Privatization in the Maghreb Region.
-أخذنا الفقرتين هنا من نفس المقال المذكور في الهامش رقم 11.
-انظر: Concepts and Principles of Democratic Governance and Accountability. Konrad-Adenauer-Stiftung 2011.
-أنظر مقالتين لنا حول الموضوع على أنوال بريس بعنوان: “التوظيف بالتعاقد تجارب دولية 1 و 2.

معتقلو حراك الريف وعائلاتهم يتبرأون من احراق العلم المغربي ويرفضون مزايدات اعضاء البرلمان على الوطنية

على الدولة أن تطفئ النار عوض تحطيم صفارات الإنذار