دفاعاً عن الكتاب..

بموازاة حملة تحدي دلو الماء المثلّج، انطلقت في الفايسبوك حملة جميلة، حملة تنطلق من نفس فكرة التحدي لكن بمضمون مختلف، التحدي الفايسبوكي قوامه أن يقوم أحد الاصدقاء بذكر أهم 10 كتب بالنسبة إليه أثّرت فيه ويراها أنها كانت كتب مُؤَسِّسة، ثم بعد سرده للائحة 10 الكتب يقوم بترشيح عشرة من أصدقائه ليقوموا هم أيضا بالكشف عن لائحة 10 كتب التي يرونها جديرة بأن تُنعت بأنها كتب كان لها أثر على حياتهم..

كانت الحملة بالنسبة إليّ من أجمل الحملات التي انخرط فيها روّاد الفايسبوك، لكن للأسف تعرّضت من البعض لتسفيه مقيت، ليس هناك من مبرّر منطقي يقنعك أن الحملة غير مجدية، وأنها فقط كانة للمباهاة لا غير، جلّ اللذين عارضوا، أو استهزأوا من الفكرة كانت مبرراتهم ضحلة إلى درجة يستحقون عليها الشفقة، منهم من قال زاعماً أنه تعلّم من الحياة ولم يتعلّم من الكتب، وهناك من راح يداري عجزه أو يشحن بطارية العبث بقوله أن كتاب كيف أتلعم كذا في 6 أيام هو من أثّر في حياته كنوع من السخرية من نبل الفكرة.

أن يكون الواحد كسولا، لا يحبّ القراءة، كلّ ما يمتلكه من رصيد -ان كان له رصيد- استرفده من “الحاج جوجل” والمنتديات الالكترونية… هذا من حقّه، لكن أن يتطاول بجهله، فيبدأ في تسفيه كلّ شيء حتى يكشف عن نبوغه “الفهماتوري” فتلك هي دونية المتعالم…
تحدي عشرة كتب ليست للتباهي، بل هي تجربة جميلة، اساسها تحريض الاصدقاء على القراءة، وأيضاً هي مساهمة في إعلاء من شأن الكتاب بعد أن أصبح “الاستسهال” والتباهي بالمعلومة الجاهزة الملغومة هو السائد..
أن تذكر 10 كتب لا يعني أن هذه الكتب غيّرت حياتك بصورة كاريكاتورية، كنتَ كذا فأصبحت بعد قراءة ذلك الكتاب كذا، لا، لا ..هذه صورة كاريكاتورية لا تنمو إلاّ في ذهن من لا يقرأ.. هكذا فهم البعض التجربة للأسف، لكن المشكل ليس في التجربة الجميلة بل في ذهن من يفرط في التأويل المغرض ليكشف عن قدراته الخطيرة التي تجعل منه انساناً متفرّدا بذكائه…
أن تذكر 10 كتب تراها أنت من وجهة نظرك أنها ساهمت في فتح عينيك على مجالات وأفكار وقيم و… لم تكن تعرفها من قبل، أو كنتَ تعرفها ولا تعيرها اهتماماً، هكذا يكون هذا الكتاب بالنسبة إليك من أهم الكتب التي قرأتها..
شخصيا استفدت من هذه الحملة على مستويين، أولا: اكتشفت عناوين كتب جديدة ما كنت أعرفها، زرعت فيّ حبّ الفضول المعرفي، وحرّضتني على البحث عنها لقراءتها. ثانيا: من خلال قائمة 10 كتب استطعت أن أفهم الخلفية الفكرية والفلسفية لبعض الأصدقاء والصديقات، ربما كانت منشوراتهم من قبل تحمل بعض التهويش ولا تساهم في فهم الخلفية المعرفية التي يسترفد منها الصديق/ة عدّته.
أن تقول احداهن: “أنا لم تؤثر فيّ الكتب ولم تعلّمني، بل الحياة وتجاربها من علّمتني”، هو نوع من التجديف في السراب من أجل خلق التميّز لا غير، لأن ثقافة برامج تلفزيون الواقع وصناعة النجوم، جعلت البعض يفكر في كلّ شيء وهو يروم ترسيخ صورة أنه هو وحده البطل، وحده المتميّز، وحده سوبير ستار…
ايه، نعم ..تجارب الحياة علّمت كل واحد منّا، أمدّتنا بدروس عديدة يتفاوت حدتها وأهميتها من تجربة إلى أخرى، لكن أيضا الكتاب له دوره الفاعل والأساس، فلا أحد بمقدوره أن يكون “زوربا” زمانه، زوربا أصلا هو سليل الكتاب، فلولا الكتاب ما عرفناه، هو ابن التخييل ليس شخصاً من لحم ودم، هو “أيقونة” صنعها تخييل المبدع كزانتزاكيس، زوربا وُجد منذ البدء بين دفتي كتاب ومازال منذ ذاك يعيش حبيس الكتاب…
استفادت الحضارة الانسانية كثيرا من اكتشاف الكتابة، ولا أحد يماري في جدوى الكتاب، حتى زمن النت ليس بمقدوره أن يمحي مكانة الكتاب وعظمته ورهبته، ذلك ما شرحه الناقد والروائي الايطالي امبرتو ايكو في محاضرة قوية ألقاها بداية الالفية بمناسبة إعادة فتح مكتبة الاسكندرية… وكنا قد أعدنا نشر المقال على موقع “أنوال بريس” خلال شهر رمضان. للاطلاع عليه انقر هنا

شخصيا كانت لي مع الكتاب ألفة وسكينة جعلتني أتشبع بحبّه، أتذكر أنه سنة 1994 كنت تلميذاً يافعاً يشرئبّ إلى المعرفة واستكناه ألغاز الحياة، صادف صيف ذلك العام أن أصدر الحسن الثاني عفوه عن المعتقلين السياسيين، وكان من جملة هؤلاء المعتقلين مجموعة تماسينت 1984، هذه المجموعة التي اعتقلت ابان انتفاضة 1984 كان جلّ أفرادها شباباً ومراهقين، لفظتهم المدرسة، وهم بالكاد يتهجون الحروف ويستطيعون كتابة اسمهم، استقبلهم الشارع بالبطالة والغلاء وقتامة الحياة، فكان أن انخرطوا في تجربة انتفاضة 1984 بحسهم التمردي وتوقهم للكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، لكن كانت الوحشية والاعتقالات وسنوات السجن الطويلة في انتظارهم، فصدرت في حقهم مدد سجنية تتراوح بين سنتين و30 سنة، وأغلبهم كان حكمه  بين 15 و 20 سنة، هكذا دخلت هذه المجموعة السجن واصطدموا بواقع مرير داخل الجدران الاربعة، لكن كان من حسن حظّهم أن تواجدوا في سجون كانت تعج بمعتقلي الحركة الطلابية وخصوصا فصيلها المكافح انذاك “الطلبة القاعديون”، وكذا سجناء الحركة الماركسية اللينينية، فما كان من هؤلاء إلاّ أن شرعوا في تعليمهم وتحريضهم على القراءة، اذ كانوا يلقون عليهم حصص تعليمية لتعليم قواعد اللغة للقراءة والكتابة، ثم شرعوا يوزعون عليهم الكتب لقراءتها ولانجاز عروض مختصرة حول ما قرأوه..

بعد 10 سنوات من سجنهم أصدر الحسن الثاني قرار العفو عن عدد كبير من المعتقلين السياسيين ومن بينهم أبناء قريتي “تماسينت”، وكان أن جاء كلّ واحد منهم محمّلاً بصناديق من كتب، اعتقلوا وهم عزلاً إلا من “سبسي” و”مطوي” وغضب دفين، فرجعوا بأكوام من الكتب وبقدرة جميلة على القراءة والكتابة والتحدث والانصات، عادوا اشخاصاً اخرين وجلّهم تجاوز الثلاثين… فكان لي أن استفدت من الغنيمة، اذ مكنني أحد جيراني الذي كان معتقلا بجملة من الكتب التي جعلتني أحبّ القراءة أكثر وأكتشف أهميتها رغم أنه كان لديّ نزوع مبكر نحوها، لكن كتب جاري المعتقل هي من كانت النقطة التي أفاضت كأس حبي للكتاب… مع جاري المعتقل اكتشفت صنبين عثمان ورائعته “أطراف الغابة” كما اكتشفت “كولن ولسن” (هذا الاسم له علاقة عميقة بموضوع العمود)، و”كمارا لاي”…

هؤلاء بفضل الكتاب خرجوا من السجن وهم في كامل نضجهم، فانخرطوا في الحياة بعنفوان وفهم أعمق لمنعرجاتها، بل منهم من كانت له تجارب جمعوية ونضالية ساهمت في ايقاد جذوة النضال، ومازال أغلبهم هكذا، تصوّروا لو أنهم عند دخولهم السجن وقعوا بين أيدي مجموعات أخرى غير من حرّضتهم على الكتب كيف كانوا سيخرجون…

ومازلت لحدّ الآن كلما قصدت قريتي أجالس جاري المعتقل، نتحدث عن أحول الدنيا، نناقش أخبار الحراك الشعبي في المنطقة، عن الأزمة السورية، عن المخزن وحكومة بنكيران و… يناقش معي بعدة محترمة وأفكار ثاقبة قد لا أجدها حتى عند أعتى “الفهاماتوريين”..

اقرأوا واكتبوا وناقشوا… سيعم الحب بينكم، وستكتشفون بشكل أعمق معنى الحياة، ف”الحياة الحقيقية توجد داخل الكتب” كما قال ذات رواية المبدع القدير محمد شكري، حتى وإن اتهمتم بأنكم تتباهون، وأن حبّ الظهور و”العياقة ” هي المتحكمة في فكرة تحدي 10 كتب، قولوا لهم أشرف لنا أن نتهم ب”العياقة” في علاقتنا مع الكتب على أن أنتهم بها في علاقتنا ب…

تعليق 1
  1. InYaS يقول

    يامة ضحكت من جهلها الامم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.