دعوا كريم أمغار حرا يحيى

جمال المحدالي

كريم أمغار، قبل أن يكون معتقلا سياسيا، هو فنان شاب عاشق للألوان والحياة.كان من الأوائل الذين انخرطوا في حراك الريف، وأحد الذين بصموه بهالة فنية جمالية أبهرت العالم. فقد دأب كريم أمغار على رسم اللافتات وكتابة الشعارات التي كانت تؤثث فضاءات الحراك، وساهم بفعالية في الأوراش الفنية الحراكية التي واكبت مساره، بمعية باقي الفنانين، خاصة منذ مسيرة يوم 19 نونبر 2016 التي تميزت بورش فني تم خلاله رسم وتخطيط لافتات الحراك وإعداد لافتة عملاقة مذيلة بشعار “كلنا محسن فكري” وقعها الآلاف من المواطنين والمواطنات.

وساهم كريم أمغار أيضا في الإشراف على رسم لوحة غرنيكا لبيكاسو بساحة الشهداء، في الذكرى الأربعينية لاستشهاد محسن فكري، يوم 10 دجنبر 2016. كما كان دوره بارزا في كتابة لافتات مسرة “لسنا انفصاليين” يوم 18 ماي 2017، وتحديدا اللافتة العريضة التي تم تعليقها على جبل موروبييخو، والتي كتب عليها بالخط البارز:” لسنا انفصاليين، لا للعسكرة ، الحرية، للمعتقل”.

إن إسهام كريم أمغار في حراك الريف يختزل الجانب التشكيلي لهذا الحراك العظيم، ويعكس دور الفن في ترسيخ القيم الجمالية والإنسانية بالريف قبل وأثناء الحراك.

ولعل الحضور القوي واللافت للجانب الفني في الحراك تشكيلا وتصويرا وشعرا وغناءا… هو ما رسخ طابعه الإنساني وحصنه، في نفس الوقت، من أي منزلق أصولي متطرف سواء أكان دينيا أو إثنيا أو مناطقيا.
وتعتبر مسيرة الذكرى الأربعينية لاستشهاد محسن فكري أحد العناوين البارزة الدالة على ذلك. فقد تميزت تلك المسيرة بورش فني بساحة الشهداء، تمثل في رسم لوحة غرنيكا لبيكاسو. وكان ذلك الورش من أجمل اللحظات الفنية للحراك، دون أن ننسى ورش رسم لافتات الحراك وشعاراته في يوم 19 نوفمبر 2016 ، حيث انتصر فيها الفن على كل ما عداه، وصارت الساحة مرسما جماعيا وأغورا للحرية والإبداع. فكان على الفن أن يجسد المعاناة والمسرات، المآسي والملاحم، لتتماهى الحسيمة بغرنيكا، وتتعرى الآلة القمعية وهي توحد الجغرافيات ببشاعتها.
ففي لوحة غرنيكا يرتسم العنف متشظيا بضحاياه وقد تحول إلى آلة للقتل والدمار. إن هذه اللوحة التي رسمها فنانو حراك الريف، ومنهم كربم أمغار، لا تكتفي بقول ما حدث ببلدة غرنيكا إبان الحرب الأهلية بإسبانيا، ولا تحاكي فقط ما حدث بالريف منذ التحالف الإستعماري الإمبريالي والمخزني ضد الجمهورية الريفية… بل كانت، أيضا، تروي ما يأتي، كانت تحكي ما يُعدّه المخزن للحراك وللريف. لوحة غرنيكا، إذا، هي صرخة الحياة أمام اكتساح الدمار لكل شيء هناك وهناك.

إن كريم كان يرسم بألوان الحياة أفق الحراك، فقد كان الحراك بالنسبة إليه لوحة حية بهية تتشكل وتعيد تشكيل نفسها عبر مسيراته بإرادة نشطائه وناشطاته، وبذكائهم وبهائهم، وبألوان الحرية الطبيعية والمخيالية.
وكم كان كريم حرصا على أن يذكي جذوة الحياة بلمساته وفعاليته في لوحة الحراك تلك.
إن حضور التشكيل وغيره من الفنون في حراك الريف لم يكن حضورا شكليا، وإنما كان ولا يزال، حضورا تشكيليا، من حيث هو فعل إبداعي، ساهم في تشكيل الهوية البصرية للحراك ورؤيته إلى العالم. والتشكيل ككل فن هو ترياق ضد العنف، إنه تحوير للعنف بفضح بشاعته وتهافت بواعثه، وسمو به إلى المعارج الرمزية حيث يعطّل مفعوله ويغدو نقيضه، بتصييره فعل إحياء لا إفناء.

كريم أمغار كان متيقنا من أنه بانخراطه في الحراك كان يمارس حقه ( الإحتجاج السلمي من أجل تحقيق الملف المطلبي) وهوايته ( فن التشكيل)، وقبل هذا وذاك كان يحرص على مزاولة عمله في ورشته الصغيرة بإمزورن الخاصة بالتلحيم لإعالة أسرته.

وهو كغيره من شباب الريف وجد نفسه يأخذ مشعل الحراك ويمضي به نحو عالم آخر. كان يعرف أن ذلك العالم الآخر/ العالم الجميل/ الحر/ الصادق ليس سهل المنال. كان يعرف ان الطريق إليه شاق، مع ذلك قرر أن يشقه.
وكان كريم يفترض انه سيُعتقل، لكنه لم يكن ينتظر ان يحاكم على تهم لم يقترفها ولا تمت بصلة لطبيعة الحراك ولمطالبه ولا لمشاركته فيه. لكن ذلك ما حدث. إذ سيتم اعتقاله صبيحة يوم 3 يونيو 2017، ثم سيرحل ضمن مجموعة من أبرز نشطاء الحراك إلى مقر الفرقة الوطنية للضابطة القصائية بالدار البيضاء، حيث ستطبخ لهم ملفات كيدية تحت التعذيب والترهيب، ليحاكموا محاكمة صورية تفتقر لأدنى شروط المحاكمة العادلة، قضت بإدانتهم بأحكام انتقامية باطلة، كان لكريم أمغار نصيب عشرة سنوات منها. وبسجن عكاشة سيخوض كريم ورفاقه إضرابات طعامية دفاعا عن براءتهم ولتحسين ظروف اعتقالهم.

وبعد صدور الحكم الإستئنافي، وكرد فعل انتقامي على احتجاجهم على تثبيت محكمة الإستئنا للحكم الإبتدائي، ذلك الإحتجاج الذي دشنه المعتقلان السياسيان ناصر الزفزافي ومحمد حاكي بخياطة شفاههما؛ سيتم ترحيلهم تعسفيا ومن ثم تشتيتهم على أربعة سجون. وسيجد كريم نفسه بسجن طنجة2 بمعية مجموعة من رفاقه، مضربا عن الطعام، ذلك الإضراب الذي كاد أن يؤدي بحياتهم، لولا تدخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان واستجابة المندوبية العامة لإدارة السجون لبعض مطالبهم ووعدهم بتحقيق ما تبقى منها. وبتواصل مع رفاقهم المضربين بسجن راس الماء بفاس سيعلقون ذلك الإضراب.

وبعد ذلك، وخلال فصل الصيف الحافل بالأعياد الوطنية والدينية وبذكرى الأحداث التاريخية التي وشمت ذاكرة الريف من معركة أنوال إلى مسيرة 20 يوليوز 2017، ولقطع الطريق عن تحديد تاريخ المسيرة الوطنية بمدينة الحسيمة التي كان قد دعى إليها أحمد الزفزافي، باسم عائلات معتقلي حراك الريف، في كلمته التي أُختتمت بها المسيرة الوطنية بالرياط يوم 21 أبريل 2019، من أجل اطلاق سراح المعتقلين السياسيين؛ سيتم الترويج لانفراج أزمة الريف، وستقدم وعود للمعتقلين ولعائلاتهم بالإفراج عنهم. لكن، سيمضي الصيف، ستمضي الأعياد الدينية والوطنية وذكرى الأحداث التاريخية بالريف، ولم يتم اطلاق سراح إلا مجموعة صغيرة من معتقلي حراك الريف، وأغلبهم لم تتبقى لهم إلا أياما أو شهورا معدودة لإنهاء مدة محكوميتهم. ليكتشف الجميع ان الدولة غير جادة في حل أزمة الريف ولا في الإستجابة لمطلب الشعب المغربي والهيئات الحقوقية الوطنية والدولية القاضي بإطلاق سراح معتقلي حراك الريف وكل المعتقلين السياسيين بالمغرب.

وفِي سياق ذلك، سترفض الإدارة السجنية أن تُدخِل لكريم أمغار أدوات مزاولة الأنشطة التشكلية، مرغمة إياه على أن يرسم بصباغة البيدونسي الرديئة. وقد شكل ذلك المنع صدمة له، سرعان ما ستدفعه مع الإحباط الذي ولدته فيه، وفِي باقي رفاقه المشتتين على مختلف السجون، الوعود الكاذبة بالإفراج عنهم والعاكسة لرغبة جهات نافذة في الدولة في الإمعان في الإنتقام منهم وإذلالهم، سيدفعه ذلك للإقدام على ما أقدم عليه. وإذا ما كان المعتقلون الستة المرحّلين من سجن عكاشة إلى سجن راس الماء بفاس قد ردوا على تعنت الدولة وإصرارها على التمادي في الانتقام منهم بخطوة تصعيدية، لها ما بعدها، تمثلت في إسقاط الجنسية ورابط البيعة، فإن كريم أمغار كان رد فعله التصعيدي هو الدخول في اضراب عن الطعام حد إسقاط الحياة. أقدم على ذلك في صمت وبدون إشعار ولا إجراءات شكلية تصر المندوبية العامة لإدارة السجون على التعلق بها، لدرجة أن كريم أمغار تجاوز شهرا من الإضراب عن الطعام فيما هي تكتفي بنفي أن يكون قد أشعرها بذلك. مع أن كريم قبل إضرابه عن الطعام نشر رسالة تقول كل شيء وزيادة. ووضعه الصحي الخطير الآن بعد شهر من الإضراب عن الطعام هو ما يجدر الإنتباه إليه والتحرك عاجلا لتجنب الكارثة التي لن تمر كما يشتهي الطغاة والجلادون.

إن معتقلي حراك الريف جربوا كل أصناف الإضرابات عن الطعام وانخرطوا فيها، منذ إلحاقهم بسجن عكاشة، ولا يزالوا. يفعلون ذلك وهم أدرى بتكاليفه ومضاعفاته ومخاطره، لأن إضرابهم ذاك هو تجربة يحترقون بعيشها، وهي تعتصرهم، وتلوّيهم، وتُغمي عليهم، تقتلهم على مهل، أمام أعين الحراس والتقارير الرسمية.

والوجود في السجن بالمغرب هو في حد ذاته اضراب عن الطعام. بحيث يمكن تسمية السجناء، وفق “التعابير الإحتجاجية الجديدة”، بالذين فرض عليهم الإضراب عن الطعام، خاصة بعد منع القفة وتفويت تغذية السجناء للخواص، ووللمزيد من التفاصيل في هذا الباب يرجى العودة إلى تقرير جطو الأخير. وبالتالي فاضراب المعتقل عن الطعام هو إضراب عن الإضراب عن الطعام المفروض عليه داخل السجن. وفِي وضع كهذا يغدو الإضراب عن الطعام أهم وسيلة للإحتجاج وللمطالبةً بالحقوق وبالحرية إن كان المعتقل حقا بريئا.

كريم هو الآن يرسم آخر لوحاته ما بين الغيبوبة واليقظة، يرسمها بألوان الجوع والضمإ على جسده الذي تحول إلى قماش اللوحة، ودمه هو الصباغة. إنه يرسم بدون فرشاة مأساة معتقل من معتقلي حراك الريف السياسيين، ذلك المعتقل الذي بدل الإستجابة لمطالبه قُذف به إلى غياهب السجن، وفيما هو هناك سيولد له ابن لينظاف إلى طفلتيه الصغيرتين. فيغدو أبا لثلاثة أطفال محرومين من رعايته وحنانه، كما أنه هو محروم من تربيتهم وحضنهم، بل محروم حتى من رؤيتهم بالشكل الكافي.
فماذا نتظر من فنان يغتال فيه الإبداع؟
ماذا ننتظر من أب تقتل فيه الأبوة؟
كريم أمغار يعفينا من مغبة الإجابة عن السؤالين، إنه ينبؤنا بأقسى ما يمكن انتظاره والذي لا انتظار بعده: إسقاط الحياة.
فمن يرضيه ذلك؟ هل هذا المآل الفضيع يريح الذين اعتقلوه وحاكموه وسجنوه؟ ومن يقوى على استساغة الفاجعة التي توشك أن تقع؟ هل هبة الدولة تقتضي ان يستشهد معتقل سياسي برئ داخل السجن؟
إن ما أقدم عليه كريم أمغار وربيع الأبلق وسواهما، بعد ما أقدم عليه ناصر الزفزافي ورفاقه بسجن راس الماء بفاس، يسائل الجميع ويضع كل واحد أمام مسؤوليته، من المندوبية العامة لإدارة السجون والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والنيابة العامة، وكل مؤسسات الدولة، وليس فقط، بل يسائل المنظمات الحقوقية والهيئات الداعمة لمعتقلي حراك الريف، ويسائل أيضا الشعب المغربي بأسره. فلا خير في وطن وشعب يتركان أبناءهما الأبرياء يموتون في السجون.

فدعوا، إذا، كريم أمغار يحيى،
دعوه يحيى لنفسه،
دعوه يحيى لعائلته ولفنه،
دعوه يحيى لريفه ولوطنه وبأفق إنساني جمالي.
دعوه يعيش حريته هو ورفاقه.
دعوا كريم يرسم اللوحات التي يحلم بها.
فقط لا تدعوه يكون شهيدا.
جمال المحدالي

مذكرات تأبى الحفظ…في الذكرى 13 لرحيل المناضل مصطفى الخطابي

فاجعة أخرى لقوارب الموت… شاطئ عين حرودة يلفظ جثث سبعة مغاربة من بينهم امرأة