دروس يجب استخلاصها من تجربة حركة 20 فبراير المجيدة.

“نحن على مشارف احياء الذكرى السادسة لحركة 20 فبراير، ارتايت ان أعيد نشر هذا المقال المختصر الذي كتبته في مناسسبة الذكرى الثالثة لها.”

ونحن على مشارف احياء الذكرى الثالثة لقيام حركة 20 فبراير بالمغرب علينا ان نضع هذه الحركة في سياقها التاريخي ممارسةً وفكرًا.
هناك جملة من العوامل التاريخية التي تراكمت وتمخض عنها قيام حركة 20 فبراير. لقد أدّت الاشكال النضالية والإنتفاضات المشتّة مكانا وزمانا منذ الاستقلال الشكلي كانتفاضات تماسينت، سيدي افني، صفرو، والقائمة طويلة الى جعل النظام يكتسب تجربة وخبرة كبيرتين في كيفية التعامل مع اي حراك مطلبي واحتوائه من جهة والى زرع اليأس والتشاؤم لدى الجماهير المنهكة من جهةأخرى.

لكن، عندما تنهك كرامة المواطن ويرى خيراته تنهب امام عينيه ويصبح مجرد رقم زائد في نظام لا يعي ادنى حقوقه، عندما يصبح الفرد ميتا وهو حي ويعاني اكثر من الاموات يتحمل المرارة بصمت فالنتيجة اذا حتميا هي الثّأر ضد هذا النظام الخائن لقضية خدمة الوطن والشعب. لذلك اتت حركة 20 فبراير للتّعبير عن مطالب الشعب المغربي وطنيا وتوحيد الشتات وزرع ثقافة بديلة في خوض معركته ضد المافيا الجاثمة على صدره وهي ثقافة توحيد الجماهير وتوحيد الاشكال النضالية زمانا ومكانا. ما وقع في المغرب، تونس ومصر، وفي كل اقطار العالم هو مسألة حتمية في غياب العدالة الاجتماعية وامر لا مفر منه في عهد البطالة والشباب الضائع ونتيجة موضوعية في زمن التّشدق بالحريات وحقوق الانسان المزيّفة.
هكذا، لم يكن اندلاع الاحتجاج الشعبي بالمغرب يوم 20 فبراير سحابة عابرة في جو صافي بل كان نقلة نوعية مقارنة مع الاحتجاجات و النضالات المتفرقة التي عرفتها العديد من القطاعات الاقتصادية و الاجتماعية و المناطق الجغرافية، احتجاجات كانت تنقصها المطالب السياسية ذات البعد الوطني، فلم يكون مطروحا مشكل من يحكم البلاد منذ أن استطاع الحسن الثاني إبادة أجيال من الثوريين، كما لم تعد سلطة الملك محل معارضة شعبية، و أضحت معارضتها مقتصرة على اليسار الجذري، رغم ضعفه، و تيار سياسي ديني “العدل و الاحسان” الذي لم يعترف بالشرعية الدينية و لا السياسية للملكية، و هو أكبر تنظيم معارض بالبلاد، ولكن لم يخض أي صراع مكشوف مع النظام إذا استثنينا المجال الطلابي.
من المؤكد ان الوعي الجماهيري قد عبر عن تجاوزه الأشكال النضالية التقليدية في حركة 20 فبراير وثبت ان الشروط الموضوعية قد نضجت لقيام ثورة ضد النظام الغارق في الفساد على كل المستويات.

يبقى يوم 20 فبراير 2011 وطنيا بامتياز، خرجت الجماهير للتعبير عن مطالبها الاجتماعية والسياسية في ازيد من 70 مدينة وقرية مغربيتين. احتشد مئات الآلاف من الجماهير اغلبها من الشباب العاطل ( اكبر حشد جماهيري كان في طنجة تليها الحسيمة التي سقط فيها خمسة شهداء) قد اربك القصر واذياله، تم رفع شعارات سياسية استهدف فيها مباشرة القصر، و مجمل مطالبه يمكن تلخيصها في التقسيم العادل للسلطة والتقسيم العادل للثروة. الا ان هناك اسئلة باتت تشغل بال كل مناضل غيور على وطنه وعلى خيرات بلاده التي وجب علينا طرحها والمساهمة في القاء الضوء على الاجابة عليها.
ماذا عن “الثورويُّون” الذين شوّهوا وزوّروا كل النضالات التي كان بالامكان ان ينتزع بها الممكن من المكتسبات التي سترسم لنا الطريق لافاق ثورية جديدة؟ ماذا عن صناعة الفوضى التي يُستهدف منها احتواء الأشكال النضالية السلمية وجرِّ الابرياء الى سجون القهر والعار؟ وماذا عن افتعال النهج القديم في خوض أشكال نضالية مشتتة ومزورة عن طريق استقوائها على الأشكال النضالية الوطنية الموحدة لشباب 20 فبراير؟
للجواب على هذه الأسئلة سنعالج اسلوبين تمّ نهجهما للالتفاف على مطالب حركة 20 فبراير. اسلوب قد نسميه تدمير حركة 20 فبراير من الخارج والآخر تدمير الحركة من الداخل.
لجأ النظام الغاشم الى تصخير مجموعة من وسائل الخداع لتدمير الحركة من الخارج كلجوئه الى اعلان التعديلات في الدستور وتسخير بيادقه السياسية والاعلامية للتّصفيق و التطبيل له، وكذلك لجأ الى احياء الاشكال النضالية المتفرقة جغرافيا ومناطقيّاً و افتعال اشكال “نضالية” مزوّرة كالاشكال التي كانت تخوضها “قيادة” الجمعية الوطنية للمعطلين وبعض الجمعيات المحلية المشبوهة بُغية تصريف الانظار عن حركة 20 فبراير. نقول إنها اشكال “نضالية” مزوّرة لانها تبدوا تصعيدية ميدانيا كخوضها اعتصامات وطنية، جهوية ومحلية ولكن مذلّة مطلبيّا. فالتصعيد بالنسبة لهؤلاء المسترزقين كان كل شيء ولكن المطالب لا شيء. والحق يقال ان كل تلك الفوضى التي افتعلوها كان الهدف منها التشويش على حركة 20 فبراير وتصريف الانظار عنها وكذلك استقواء تنظيمات محلية او قطاعية مشبوهة لاضعافها. بعد مقاومة نشطاء الحركة الحقيقيين لهذه المناورات سيلجأ النظام الى اسلوب آخر وهو زجِّ اذياله الباميّين وبيادقه في الحركة قصد تدميرها من الداخل. وكان الهدف هو تحريف الارضية المطلبية لحركة 20 فبراير بافتعال شعارات جهوية من داخلها كشعار “الثورة الريفية” وشعارات هامشية لا علاقة لها مع ارضية الحركة.

هناك سبب آخر ادى الى اضعاف الحركة هو جعلها مجرد ميدان لخوض صراع عفوي ضد النظام. فهناك من سخرته اجندة النظام لتبني العفوية وهناك ابرياء يفتقدون الى الوعي التنظيمي اللازم لخوض اي صراع سياسي كان، وهناك من فهم ان هيكلة 20 فبراير تعني التمهيد لصناعة قيادة بيروقراطية داخل الحركة. ولكن في مداخلاتي كناشط من داخل الحركة اكّدت على ان هناك تصورين متناقضين طفوا على السطح ابان معمعان الصراع من داخل الحركة:
تصور انتهازي لا يرى في الحركة الا مطية للركوب عليها قصد بلوغ اهدافهم السياسوية الضيقة، فدفعوا بالحركة الى ان تبقى عفوية محاولين اعطاء فهم مبتذل للنضال. فبالنسبة لهؤلاء: النضال هو “تطوّع”. وهذا يعني ان كلما تطوّعت اكثر من داخل الحركة كلما ازدادت شرعيتك ك”زعيم” فيها مما يعني التمهيد لصناعة “بيروقراطية” اكثر وقاحة. وتصور آخر الذي كنت ادافع عنه وهو الهيكلة الشعبية لحركة 20 فبراير الذي يستمد اسسه من ثوابت اخلاقية واضحة: فالنضال ليس تطوع بل هو واجب، وهذا يستلزم منا كنشطاء امتلاك قدر كافي من الوعي السياسي لممارسة مهامنا النضالية ليس فقط بتحريض الجماهير المقهورة على التجمهر والاحتجاج العفوي بل المساهمة في جعل منها طلائع ثورية منظّمة على اشكال لجان شعبية.
خلاصة القول: إذا فهمنا ان النضال واجبا وليس تطوعا وفقط فما علينا إلا نقنع الشباب والجماهير الثائرة بثابتة التنظيم. أما إذا أردنا أن نستغل الشباب الثائر تنافرهم من التنظيمات المتمخزنة و إعطاء فهما رجعيا للنضال كفهمه أنه مجرد “تطوع”، فذلك يقابله الخوض في نضال عفوي عشوائي مصيره الفشل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.