درس الشارع الذي لا يستوعبه اليسار

لؤي الجواري

مرة أخرى تنساب شوارع الحسيمة بوادي من الشموع الحارقة و المحترقة بلظى الحكرة التاريخية لتؤكد عزم الحاجين و الحاجات و المحتجين و المحتجات من كل فج عميق بالحسيمة الأبية و وضواحيها، من البلدات المتاخمة و النائية ، من القرى الدفينة و مداشرها استمرارهم/ن في ملحمة وقفة الكرامة من أجل الحقوق المهضومة في وطن مهضوم !. التاريخ في المنعطف ، و كما في كل بداية منعطف ، الشعوب لوحدها تبتدع أشكال النضال الحازم باقتدار و ألق ما لم تجابه بلغات الأمن الصماء ، الشرسة !. و الشعوب أيضا لوحدها تثبت كلما مرة حين تنتهض في عنفوان صانعة مجد الشوارع و زخمها البهي أن التنظيمات ، أيا كان ثوبها ، حين تقتات فقط من جدالات التنظير و هتاف المقرات المغلقة و المنغلقة على نفسها فأنها تكون بذلك قد انقطع عنها حبل السرة التي يغذيها بها نبض الشعوب و تكون قد حكمت على نفسها بالنكوص و الانزواء الى الهامش و الدخول في مرحلة البيات النضالى الذي لا يستفيد منه إلا الأنظمة المطلقة و حلقاتها السلطوية !.

إذا كان معروفا و مسلما به من أن الهم الأكبر و الداهم للسلطة الآن هو اخراس الحناجر الصادحة بالغضب السلمي و المتحضر و عزلها بجدار صامت من الإعلام المدجن و الأحزاب المدجنة و التنظيمات المدجنة فإن أكبر مفاجأة سياسية ، إذا صح التعبير و صح الاعتبار ، هو البرود العام الذي أضحى كضبابة كثيفة تحجب أنظار أغلب الأحزاب المتدثرة بثوب اليسار و خطاباته لألتقاط هذا الزخم الشعبي الناضج ، بل أن ما سيسجل في حوليات التاريخ السياسي لليسار المغربي ، المزركش تنظيميا و تنظيريا ، هو عزوفه الشبه الكلي بالانخراط في هذه المعركة الوطنية الأولى للكرامة ، التي هي من حيث المبدأ معركة كل المغاربة الأحرار و الشرفاء ، المعركة التي لا ينبغي أن يخلف موعدها كل من يناهض الدولة المخزنية العميقة و شراكها البادية للعيان حين تعمل على مخزنة المجتمع بدوره !.

هذا الغياب المدروس عند بعض أجنحة اليسار و الغامض عند البعض الآخر سيحسب في آخر المطاف ضد اليسار برمته و لا أحدا من فصائله ستكون بمنجاة من طلاق اللارجوع للشعب لخطابه و تاريخه و رموزه ، بالشكل الذي أن لا أحد من المتقاعسين في حكم الأكيد سينجو من قضاء التاريخ المبرم و من قدرية الشعوب الجامحة !.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.