دراسة أمريكية… الإخوان المسلمون في مصر ومستقبل الإسلام السياسي (الحلقة الثانية)

جماعة الإخوان منذ الإطاحة بمرسي …تحت ضغط متصاعد

 

في 14 من غشت من سنة 2013 قامت قوة الجيش والشرطة بفض اعتصام رابعة العدوية ، اختلفت التقديرات حول عدد القتلى الجرحى ، وزارة الصحة المصرية تحدثت يومها على حوالي 667 قتيل وحوالي 4400 جريح ، في ما تحدثت منظمة هيومن رايتس ووتش على ما اعتبرته أسوء حادث قتل جماعي في تاريخ مصر الحديث ، وبغض النظر عن هذا الحادث من الزاوية الحقوقية والإنسانية ، فإنه شكل بداية لحملة قمع شرسة تجاه جماعة الإخوان المسلمين .

تقول الدراسة عزز عنف النظام المصري والقمع الذي سلط على الإخوان المسلمين الاعتقاد لدى هذه الجماعة بأنهم يخوضون معركة وجود ضد الدولة المصرية العميقة ، وكلما اتسعت دائرة العنف كلما تضاءلت فرص رضوخ هذه الجماعة للدولة القديمة .

تقول الدراسة إن صعود الإخوان المسلمين شكل بالنسبة إليهم ” نهاية التاريخ ” للجماعة ، مما قوى من انفعاليتهم ومن ضمور نفعيتهم وبرغماتيتهم المعروفين بها ، إذ عنت هزيمتهم السياسية سواء من خلال الرفض الشعبي أو القبول بحقائق ونتائج الانقلاب العسكري ، قبولا بنهاية مشروعهم وما اعتبرته الدراسة العودة لسابق عهدهم أيام حسني مبارك تواجد سياسي محسوب ومقدر .

إضافة لذلك اعتقد الإخوان كثيرا إمكانية حدوث هبة شعبية شبيهة بما حدث في يناير 2011 ، وهو تقدير جانب الصواب أو هو حسب الدراسة دائما تقدير مبالغ فيه لجهة قدرة هذه الجماعة على التعبئة . أيضا عاد الإخوان للتاريخ وبالضبط لواقعة فبراير 1954 أو ما اصطلح عليه ب ” عقدة ذنب عبدا لقادر عودة ” ، إذ في ذلك العام أوقف نائب المرشد العام لجماعة الإخوان احتجاجات هؤلاء ، والتي اعتبروها تضييع فرصة تاريخية لتقويض أسس الحكم العسكري في مصر والذي كان بالنسبة إليهم هشا ويسهل إسقاطه ، ولأن النظام يومها شن هجوما عنيفا على الجماعة أشهرا بعد الحادث ، قدروا أنهم لا ينبغي أن يعايشوا ظروفا شبيهة بالماضي ، فلم يكن أمامهم من خيار حسب الدراسة سوى التصعيد أو هكذا اعتقدوا .

تقول الدراسة أنه فضلا على أن النظام صنف الجماعة جماعة إرهابية ، واستغل الأوضاع المتردية في صحراء سيناء والهجمات المتوالية التي يشنها إسلاميون متشددون ضد الجيش المصري ، فإنه عمد إلى تجفيف منابع التمويل الذي تدره استثمارات الإخوان ، وجمدت أنشطة أزيد من 1050 جمعية خيرية وصادرت أموالها ، كما شن النظام هجوما على أنشطتهم الدينية وأخضع المساجد للمراقبة ، وسرح المئات من الأئمة التي تربطهم روابط معينة مع الإسلاميين . فضلا عن ذلك تقول الدراسة عمدت عدة دول ومن بينها السعودية والإمارات لاعتبار جماعة الإخوان جماعة إرهابية ، وعمدت إلى تقييد الدعم المحلي إليها ، وبالرغم من أن النظامين السعودي والإماراتي معروفان بدعمهما للنظام المصري ، إلا أن سرعة تأييدهم قرار اعتبار الإخوان جماعة إرهابية ، يعكس التوجس والتخوف ألذي تعيشهم المنطقة من صعود الإسلام السياسي وتعاظم نفوذ جماعة الإخوان المسلمين .

تغييرات تنظيمية لدى الإخوان

كنتيجة مباشرة للاعتقالات التي مست قيادة الإخوان المسلمين بما فيها مكتب الإرشاد صاحب السلطة العليا في الهرم التنظيمي للإخوان ، ومجلس الشورى الذي يعتبر بمثابة برلمان الجماعة ، ورؤساء المكاتب الإدارية ، كنتيجة مباشرة لذلك تعرضت الروابط التراتبية لتنظيم الإخوان المسلمين إلى كسر ، الشيء الذي منح الهيئات المحلية والقيادات المحلية والشباب دورا متناميا في تنظيم الجماعة ، إذ هم ومعهم الشبكات المحلية من يقودون الاحتجاجات ، مما يجعل التنظيمات الصغيرة هي التكتيكات المفضلة اليوم .

تنامي دور النساء ضد الانقلاب بما فيها الأدوار المحرمة أنثويا ، إضافة للأطفال يجري خلق هيئات موازية على أساس قطاعي على شاكلة ، أطباء ضد الانقلاب مهندسون ضد الانقلاب ، طلبة ضد الانقلاب …

وعموما تشير الدراسة أنه جرى تراجع واضح في الطابع المركزي للجماعة ، كما أنه يجري تنظيم التظاهرات بشكل سري تفاديا لاختراق المخبرين الأمنيين .

بناءً على معطيات مستقاة من مصادر قريبة من الجماعة تتحدث الدراسة على أنه جرى في شهور قليلة قبل ما تعتبره الدراسة انقلابا ، انتخاب مكتب إرشاد مؤقت يجمع بين المنتخبين ومن تبقى من مكتب الإرشاد السابق ممن لم يطلهم الاعتقال ، ويصدر هذا المكتب المؤقت التوجيهات العامة ، فيما تتخذ المكاتب الإدارية المحلية القرارات الفعلية المتعلقة بالتنفيذ ، وهذا نمط لا مركزي يدعمه مكتب الإرشاد المؤقت .

إن هذا الشكل اللامركزي في العمل الذي فرض على الجماعة أتبت بعض الفعالية في الأنشطة الدعوية وفي شبكات الإخوان ، وفي تفادي قمع النظام ، غير أن فعاليته في الاحتجاجات تقول الدراسة أصبح موضع شك ، يثير هذا النمط من التنظيم جدلا لدى المحللين ، في ما إذا كان قد أحدث تحولا حاد في شكل القيادة من الفوق إلى تحت ، وما إذا كان قد مس مبدأ السيطرة التي تميز السلوك التنظيمي للجماعة . إن ما سهل هذا التحول هو وجود نفسها القاعدة في سلوكيات التنظيم لدى الجماعة إبان عهد مبارك ، وهي القاعدة التي تدعو لمركزة صنع القرار ولا مركزية التنفيذ ، وهو ما حد نسبيا من تأثير القمع ، غير أنه وفي نفس الآن تشير الدراسة حد من فعالية الجماعة في تعبئة مواردها الوطنية ، وحد من فعالية الاحتجاجات وطابعها الوطني ، كما أنه يمس تماسك الجماعة ، لأنها لم تعد قادرة على إحداث التنسيق الوطني .

وفي ميدان التواصل الاجتماعي تفاوتت معدلات النجاح من منطقة إلى أخرى ومن مجال لأخر ، وهكذا فاللجان السياسية التي عرفت نشاطا بين الفترة الممتدة من 2011 إلى 2013 لم يعد لها وجودا تقريبا في 2014 لأن قطاعات واسعة من المجتمع المصري رفضتها ، كما أن جزء مهم من قاعدة الكوادر الشابة لم تعد تولي أهمية خاصة لمجال السياسة الانتخابية وباتت تزدريها وتشكك في جدواها ، في الوقت نفسه الذي عرفت اللجان التعليمية والدينية نشاطا ملحوظا ، ذلك كما تشير الدراسة أن إعادة إنتاج الطابع الإيديولوجي يشكل دعامة رئيسية في عمل الإخوان المسلمين ، والتربية الدينية حلقة مركزية في هذه العملية .

تحولات إيديولوجية

إن هذه التغييرات التنظيمية أفضت إلى تحولات إيديولوجية تقول الدراسة ، وأعادت الجماعة إلى الاهتمام أكثر بالمبدأ التقليدي كمصر للهوية . إن جماعة الإخوان المسلمين هي في الأصل جماعة دينية ، يشكل أعضائها وأنصارها أداة سياسية لتحقيق أهداف القيادة في إطار عقيدة شمولية الإسلام، لقد اهتم الإخوان المسلين بعد الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك أكثر على النشاطات السياسية على حساب الطابع الدعوي، وهو النشاط الذي فرضته ضرورة كسب أصوات الناخبين ، إلا أن هذا النشاط أضر كثيرا الطابع الإيديولوجي للجماعة .

وبعد الإطاحة بمرسي أكدت التطورات هذا المنحى، إذ ستعود الجماعة لسابق عهدها وللجوهر المبدئي لطابعها كجماعة دعوية في مواجهة تحدي الوجود إلا أن هدا المنحى غير واضح الآن تقول الدراسة ، إذ هل ستسعى الجماعة لإعادة كسب تعاطف ومساندة المجتمع من خلال نموذج تبشر به وتدعو للاقتداء به والقبول بأن تقاد به؟ أم أنها ستعتبر المجتمع كافرا ولا أمل فيه ، ومن تم ستنعزل عنه وتعتبره لا إسلاميا؟ هل ستوظف نشاطها الاجتماعي بهدف الوصول للسلطة؟ أم ستعتبره نشاطا هدفه في ذاته ؟ إن الوجهة التي ستختارها جماعة الإخوان المسلمين في مصر هو ما سيحدد مستقبلها .

إن ما يميز جماعة الإخوان المسلمين هي أنها جماعة بطيئة في تحديد إستراتيجيتها ، عكس سرعة تأقلمها التكتيكي ، كما أنها تتخلف في كل ما يتعلق بإعادة النظر في إيديولوجيتها وثقافتها وفكرها ، بل إنه باتت ومنذ الإطاحة بمرسي أكثر غموضا في موقفها من العنف والتسامح مع الأخر ، وأكثر غموضا . في نفس الوقت ، الذي أصبحت أكثر قربا وفي موقع أحسن تجاه جماعات السلفية ، التي لطالما اعتبرتها جماعة دينية مخطئة شرعيا وأكثر تنازلات مبدئية ـ وتعرض القضية الإسلامية لخطر حقيقي ، إن الجماعات السلفية وخاصة منها الحركيين والجهاديين ظلت تحط من سياسيات الإخوان .

وبالرغم من أن جماعة الإخوان المسلمين تقول الدراسة تعتبر المجابهة مع النظام حاليا بدون جدوى ، إلا أنها تعتبرها فرصة سانحة لتعزيز وعيها الإيديولوجي وتعزيز تجربتها ، مما سيجعلها أكثر جهوزية للظروف الجديدة التي تعيشها مصر السيسي .

يتبع

الحلقة المقبلة:سيناريوهات مستقبلية 

للاطلاع على الحلقة الأولى يرجى زيارة هذا الرابط

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.