دراسة أمريكية… الإخوان المسلمون في مصر ومستقبل الإسلام السياسي (الحلقة الأخيرة)

الإسلام السياسي والديمقراطية في مصر

يحتل موضوع دور الدين في الشرق الأوسط حيزا مهما في المناقشات ، ويعتبر غالية الإسلاميين أن السيادة للشعب والديمقراطية تنسف أسس الحاكمية التي تعني حكم الله.

وبينما يقبل آخرون الديمقراطية فإنهم يفعلون ذلك باعتبارها رديفا للشورى الإسلامية ، يؤمنون بها وفق شروط منها أن لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية ، يؤمنون بها أساسا كإجراءات ، بينما يجري تقييدها في كل ما له علاقة بمجال الحريات ، والتي يلزمون فيها أي الحريات أن تقيد بآراء فقهية أو سلطوية .

إن الإخوان المسلمين هم من هؤلاء ، إن هيمنة النظام النيولبرالي تقول الدراسة ، أدى إلى الترويج للديمقراطية كإجراءات ، خارج أي مضامين اجتماعية واقتصادية تقدمية وتشاركية ، أي قبول بشكل غير ليبرالي لنظام من الديمقراطية الانتخابية يهيمن فيها الإسلاميون ، أي الإقرار بمشروعية المطالبات الهوياتية ، باعتبارها تستند لثقافة وخصوصيات المجتمعات الإسلامية .

الأحداث التي وقعت في مصر بين 2011 و2013 حسب الدراسة أفشلت هذه المقاربة ، وأظهرت أن السكان يفضلون سلطوية غير إسلامية ، على هيمنة الإسلام السياسي ، إن مصر تفتقد إلى اتجاه محافظ وسطي قادر على إدماج الإسلام مع الحداثة ، إن الإخوان المسلمين أضاعوا هذا الاختيار ، لقد كان أمام الإسلاميين فرصة في إعادة تشكيل مفهوم الديمقراطية باعتبارها مطلبا متأصلا في المجتمع وليس فقط سلعة مستوردة من الغرب ، وبدل الاشتغال على نوعية الديمقراطية التي تراعي تقاليد الإسلام ، كان عليهم استغلال قوتهم للعمل على نفاد فكرة الديمقراطية داخل عامة الناس ، كان بإمكان الإسلاميين في مصر المحافظة على قناعتهم الدينية المتجدرة ، ولكن في نفس الآن العمل على تفسير تعاليم الدين بما يتماشى وتوجه الديمقراطية التعددية والتشاركية ، وبما يؤدي في نهاية المطاف لفصل الدين عن الدولة ، إنها المهمة الصعبة حسب الدراسة والتي تتطلب فقها متجددا ، وتتطلب قراءات متعددة لكتب الدين ، وتتطلب خروجا عن ما يعتبره الفيلسوف السياسي جون زولز ” الإجماع المتداخل ” بكونه أساس الديمقراطية في مجتمع متعدد ثقافيا ، لقد حاجج رولز في حالة مجتمعات من هذه الخاصية بضرورة تفادي الحوار الإيديولوجي والتركيز على الحوار العقلاني والمنطقي ، حوار يكون مقبولا من طرف الجميع يصل بهم لنتائج مشتركة بالرغم من اختلافاتهم الإيديولوجية .

الدراسة ترى العكس ترى أن الإسلاميين وغير الإسلاميين وبناء على مشتركات سياسية ، ملزمون بإجراء مفاوضات معقدة وصعبة ، ومساومة ديمقراطية ، ,وإعادة تفسير الدين ، وفتح مسار مراجعات فكرية جذرية ، والعمل على إعادة بناء دور وموقف الدين من المعايير التي ينبغي أن تتوفر في نظام سياسي ، وفي علاقة الدين بالدولة ، إن المهمة المنسية في مصر حسب الدراسة هي إغفال النضال الديمقراطي المصري الجواب على ما لسبيل لوضع جملة من القواعد والأسس لتشكل نظام سياسي تنافسي ، مبني على قواعد توافقية بين كل المكونات الإيديولوجية والسياسية ، والتي تعمل على التنافس على موقع سياسي وهي متخطية إرثا من الشك والقطيعة في ما بينها .

تقول الدراسة أنه من الصعب تصور مسار كهذا وما ستكون عليه وضعية الحركات الديمقراطية إسلامية أو غير إسلامية ، خاصة مع تزايد الشكوك حول السجل الديمقراطي لحزب العدالة والتنمية في تركيا ، لقد أتثبت الوقائع الملموسة الحاجة لإصلاحات فكرية أوسع ضمن الإسلام السياسي أساسا حول علاقة الدين والدولة ، حول الاستشهاد بنصوص الدين في خطابات الأحزاب الديمقراطية الإسلامية حسب الدراسة ، هناك حاجة لاستمرار إعلاء هذه الحركات لقيم الإسلام ، لكن فقط ضمن مفاهيم وتقاليد وطنية ملهمة للناس ، لكن لا مجال أن تفرضها الدولة .من الضروري أن تفصل جماعات الإسلام السياسي بين الدعاوي والسياسي ، ومن الضروري أن تنتهي علاقات الفروع المحلية بفروع في الخارج ، بعبارة أوضح حسب الدراسة يمكن تبلور حركة إسلامية ديمقراطية شبيهة بحركة الديمقراطية المسيحية ، أي حركة محافظة ثقافيا تتنافس على السلطة ضمن قواعد ديمقراطية متوافق عليها .

تقول الدراسة أنه لا يتوفر لمصر اليوم إسلاميون معتدلون ، وحتى تجربة حزب مصر القوية وهو حزب وسطي لم يتمكن من إحراز تقدم ، ولم يتمكن من بلورة إيديولوجية خاصة به .أما ما يمكن اعتباره نماذج ملهمة في تجربة الإسلام السياسي ، كتجربة حزب العدالة التركية والتجربة التونسية فقد نشأت في ظل تنافسية قوية للعلمانيين ومع وجود أحزاب قوية ، في حين أن التجربة المغربية كانت محكومة لحد كبير مع تواجد نظام ملكي قادر في كل حين على تحديد قواعد التعددية السياسية والدينية ، أما مصر فلقد ظلت جماعة الإخوان مهووسة دائما بخطر اقتلاع وجودي ، وأقصى ما بلورته كاجتهاد هو بدايات فصل الدعوة عن السياسة وبدون نجاح ، كان إرث الإخوان ثقيلا لدرجة أنها لم ترض أبدا أن تكون مكونا ضمن مكونات سياسية أخرى .

لم تعد جماعة الإخوان المسلمين بتلك القوة التي كانت عليها قبل عزل مرسي ، لكنها لا زالت قوة مهمة ، سيظل حلم الكثير من الإسلاميين بإنشاء نظام إسلامي سياسي واجتماعي قائما ، لكن اليوم التحدي هو ما إذا كان هذا النظام سيحظى بقبول وإعجاب شرائح واسعة من المجتمع المصري ، وسيصبح هذا الاختيار رهين بمدى استعداد وقدرة قادة الإسلام السياسي على إجراء تحول سيضطرون له ، وسط مناخ عدائي أكبر من ذلك الذي كان في فترة السبعينات حتى التسعينات ، حين تمكن هذا الفصيل من بلوغ قوة معتبرة سياسيا واجتماعيا .

لا شيء يوحي بمسار التحول داخل هذا الإسلام السياسي ، لقد ترتب على معارضة الدولة للإسلاميين ، وتنامي الرفض الاجتماعي لمشروعهم ، ازدياد منسوب التعنت داخلهم ، وكرس وجهات الانقسام أكثر منه مسار التعددية ، ومن دون رؤى واستراتيجيات وتوجيهات إرشادية لن يحدث التغيير داخل الحركة الإسلامية ، بل سيظل مؤشر الهبوط والصعود هو السائد .

بالنظر لاستمرار النهج السلطوي في مصر ، وبالنظر لما تعتبره الدراسة فراغا إيديولوجيا وسياسيا ، لا شيء يبشر أن مصر ستدخل عهد الديمقراطية ، ولا شيء يبشر أن الإسلام السياسي سيدشن مسار تفكير سليم ، لا يمكن أن تبرر الدولة السلطوية في مصر قمعها إلا من خلال قمع إسلام سياسي مدان ، ولا يمكن لقادة الإسلام السياسي أن يبرروا الثمن الباهظ لخياراتها أمام جمهور أنهك ، إلا بخطاب ديني .

مع أن الجماعة عانت جمود حقيقيا في القيادة والتنظيم وأيضا في الإيديولوجيا ، إلا أنها أظهرت صمودا لم يكن متوقعا وحافظت عموما على قوة تؤهلها لدخول تجارب انتخابية وبقوة ، إلا أن الجديد اليوم أنها تواجه منافسة إسلامية شديدة في وجه اختيارها ، حتى وهي لا زالت قادرة على إقناع أعضائها بالخيار الانتخابي لأسلمة المجتمع .

لا زال السلوك الغالب والمهيمن في تصرف الإسلاميين في مصر تفادي المواجهة العنيفة مع الدولة لأسباب حسب الدراسة إما تعود لافتقاره الإمكانات لهكذا اختيار ، أو لوجود مصلحة لهم في المشاركة في المجال الاجتماعي ، غير أن لا شيء يضمن استمرار هذا الموقف بسبب تداعيات إقليمية وبسبب جمود محلي ، صحيح أن الإخوان يعتبرون تطرف داعش مقزز ومنفر ، إلا أنه في الجانب الأخر يبرز للإسلاميين المتشددين أنه النموذج الواحد اليوم الذي يراكم ويقدم انتصارات ، في الوقت ذاته الذي يراكم النموذج الكلاسيكي الداعي للتدرج لدى الإخوان الانكسارات ، الشيء الذي قد يدفع اليائسين إلى ركوب تجربة الجهاديين في العراق وسوريا وليبيا ، فبالرغم من أن الإخوان عموما حافظوا على التنظيم إلا أنهم فقدوا علة وجودهم التدرج في أسلمة المجتمع .

سيبقى على العموم الإسلاميون حسب الدراسة قوة سياسية في المشهد السياسي في مصر على المدى المنظور أو بصيغة الدراسة المستقبل القريب ، إلا أنه لا يد عليا على أي من السيناريوهات الخمس على مستقبل الإخوان ، إذ كلا الطرفين ملتزمين لحد الساعة بنجاح السيناريو الأول والثاني ، نظام سياسي يجتث ويقتلع الإخوان من الساحة ، وإخوان يعودون عودة مظفرة للحياة السياسية ، عدم واقعية كلا السيناريوَهين ، قد يدفع الطرفين لخيارات أخرى ، خاصة ، منها خيار المصالحة ، الذي إن لم يجر تبنيه من الطرفين ، تبقى خيارات ” المصالحة ، الانقسام ، التجديد ” مستبعدة .

في الوقت الذي يمكن أن تشكل عودة الإسلاميين للحكم نظرة غير واقعية ، تشكل فكرة أن الإسلام السياسي بات ينتمي للماضي فكرة غير واقعية أيضا . إذ ما لم تتبلور حركات ديمقراطية إسلامية أو غير إسلامية قوية وذات نفوذ شعبي ، وما لم تجر إصلاحات سياسية وتنموية عميقة ، وما لم توضع بدائل ديمقراطية تشاركية ، ما لم تنته السلطوية والديكتاتورية ، لن تتبلور سياسات ما بعد إخوانية .

إن الصراع الاجتماعي والاضطرابات التي تعيشها مصر أبرزت بجلاء أن كل من السلطوية ، والإخوان المسلمين لا رغبة لهم في إشراك قوى أخرى ، عجز النظام السياسي على جلب الاستقرار ، وعجز الإسلام السياسي على الإدماج ، التقت مصالحهما على نفس الاختيار ، وبدل أن يكون الإسلاميون جزء من الحل أصبحوا جزءا من المشكلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.