داعش والبوليس والمدرسة…

ورد خبر في إحدى الجرائد الصادرة يومه السبت 25 أكتوبر 2014 يفيد أن أستاذة في التعليم الابتدائي تم الاستماع إليها في محضر رسمي من طرف الشرطة القضائية على خلفية فرض منزلي أمرت تلاميذها بإنجازها حول موضوع “داعش”….

الخبر يقول أيضاً أن المدرسة عادت إلى مدرستها لتمارس عملها بشكل طبيعي….

سنغفل قليلا عن تركيبة الخبر وبنيته، وربما سوأته وعدم انتماءه لأي جنس في صحافة الكلخ التي ابتلينا بها، فالصحفي الذي كتبه ربما فعل ذلك على عجل، لملئ مربع فارغ في الجريدة أو ليقدم مادة اضطرارية يطالبه بها صاحب الشكارة الذي ينفحه بعض المال في آخر الشهر….

لم يكلف نفسه التدقيق في الأمر، البحث عن موضوع الفرض المدرسي وما هي صياغته؟ في إطار أي مادة يندرج هذا الفرض؟ لماذا استدعت الضابطة القضائية الأستاذة؟ وكيف وصل إلى علم هذه الضابطة موضوع الفرض المنزلي؟

مقابل هذا الاغفال، لا بأس أن نمارس القليل من التخيل لنعيد تركيب الوقائع ونقف على دلالة هذا الحدث ومدى تداعياته على معنى العملية التعليمية وعلاقة هذه العملية بالجانب الأمني أو بالأمن العام في شموليته…

أغلب الظن، وليس كل الظن اثم طبعا، أن الأستاذة طرحت اسم داعش ضمن سؤال للثقافة العامة، في علاقتها بالدين مثلا، على اعتبار أن داعش هذه تحرف الدين الاسلامي، ولو أن في المسألة نظر، أو في إطار سؤال للتربية الاسلامية حول مفوم الحد في الاسلام وغيرها…

هناك مناحي عديدة يمكن لممتهن التعليم أن يتطرق فيها إلى داعش في درسه اليومي، لأن داعش هذه أصبحت تملأ كل الهواء الذي نستنشقه، في أخبار التلفزة، في الجرائد، في الراديو وغيرها… مثلها مثل كل الظواهر التي قد يتفاعل معها الانسان سلبا أو ايجابا، وبالتالي يتفاعل معها الأستاذ ومحيطه التعليمي…. طبعا كظاهرة سلبية، يبقى التشجيع على الانخراط في فلسفتها، أو الدعوة إليها ممجوج ويجب أن يكون موضوع جزر وعقاب لا مناص من ذلك…

أغلب الظن أيضا أن أحد أولياء التلاميذ المعنيين بهذا الفرض المنزلي هو من اتصل بالجهات الأمنية والقضائية التي عمدت إلى الاستماع إلى الأستاذة في مخفر الشرطة، وهو سلوك محمود من طرف ولي أمر التلميذ ويشير إلى نباهته ومتابعته لما يتعلمه ابنه، لكن السؤال الضروري: هل الشرطة والقضاء هي الجهة التي كان عليه التوجه إليها؟ ثم هل كان على الشرطة والقضاء الاستجابة إلى شكايته أو إخباريته واستدعاء الأستاذة للاستماع إليها؟

بدل توجيهه إلى مؤسسة التفتيش في التعليم والذي يعنى بالتأطير البيداغوجي، هذا الأخير له أن يفحص الفرض المنزلي وطبيعته وتحديد مدى خطورته من عدمها، وإن كان فيه ما يدين الأستاذة على المستوى التربوي أولا، ويتخذ في حقها ما تقتضيه القوانين، أو على المستوى الجنائي فيربط هذا الجهاز اتصالا بالجهات القضائية لتتدخل بعدها…. هي ثاني قضية تحشر فيها الشرطة أنفها في المؤسسة التعليمية بدون وجه حق، وبتعسف واضح، يجعل من المدرسة نوع من المخفر الملحق بالكوميسارية، الأولى حين سحب أفراد هذه الشرطة استاذة وسط تلاميذتها تنفيدا لقرار احترازي اداري لا علاقة لهم به، والآن وهم يستدعون استاذة لتحقيق معها على خلفية فرض منزلي….

هي مؤشرات انزلاق خطيرة تظهر مدى ضعف مناخ الحربة داخل الفضاء المدرسي، وهو مناخ ضروري لكل عملية تعليمية ترمي إلى بناء الشخصية المغربية الحرة والمبدعة والحداثية…

داعش واقع في العالم يجب فهمه، وهذا الفهم لن يتم بشكل صحيح إلا في المدرسة ووفق مناهج علمية، وإلا سيتم فهمه في وسط المحلبات، ولدى باعة الحوت على العربات في الاسواق الهامشية…. حينئذ سيكون الحوار مع خريجي هذا الفهم بالسيف والدم لا بالفروض المنزلية والحوار….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.