داعش : من أضغاث أحلام الخلافة … إلى حمامات الدم …(الجزء 2)

من هنا بدأت القصة … التنظيم الذي بدأ مع الزرقاوي في العراق لينتهي مع البغدادي في العراق وسوريا

لم يكن أبو مصعب الزرقاوي الضحل التفكير أن يتبنى تصورا لمقاومة الاحتلال ، ولم يكن له أن يمتلك منظورا لمستقبل العراق، وللبديل الممكن للعراق بعد إجلاء الاحتلال ، ولذلك عوض فقره الفكري والإيديولوجي بشراسة قتالية مهووسة بعنف وبنزعة دموية تخفي كثير من هذه الضحالة الفكرية وهذا القصور المعرفي .

اسمه هو أحمد فاضل نوال الخلايلة ، ينتمي لدولة الأردن وبالضبط من الزرقاء، يجري إهمال تماما الفترة التي تفصله عن الذهاب لأفغانستان سنة 1989، رغم أهميتها في تكوين هذا الشاب ابن سنة 1966 من أسرة تتكون من عشرة أبناء ، كان أول اعتقاله انتمائه لجماعة أشقياء من اللصوص وبائعي المخدرات، إذ حوكم وسنه 19 سنة بتهمة حيازة المخدرات والاعتداء الجنسي، إبان سفره لأفغانستان عاش فترة انسحاب الجيش السوفيتي، وهو ما جعله لا يقاتل كما قاتل من سيتعرف عليهم ، وكان أهمهم محمد المقدسي معلمه في الفكر السلفي الجهادي .

بمجرد استقراره بأرض العراق عمد أبو مصعب الزرقاوي لتأسيس تنظيم اختار له من الأسماء اسم ” جماعة التوحيد والجهاد ” وربط مصيره بالتنظيم الأم القاعدة من خلال بيعة علانية لزعيمها السعودي أسامة بن لادن، وصار من يومها ممثلا للقاعدة في العراق باسم ” تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ” .

عرف هدا التنظيم نفسه بأنه تنظيم مجاهدين ضد الاحتلال الأمريكي لبلاد العراق ، وتمكن بهذه الصفة وفي ظرف وجيز من استقطاب مئات الشباب ، ليتحول وفي زمن وجيز لأكبر جماعة مسلحة ومقاتلة في الساحة العراقية .

في عام 2006 وبعد كمين نصبته القوات الأمريكية لزرقاوي ، تمكنت هده الأخيرة من اغتياله، ليعين على رأس التنظيم زعيما جديدا هو أبو عمر البغدادي، الدي تمكن من دمج عدة ميليشيات وجماعات إسلامية مقاتلة في ساحة العراق، تحث مسمى ” الدولة الإسلامية في العراق ” .

أربع سنوات بعد دلك ستتمكن القوات الأمريكية وعبر عملية عسكرية واسعة في منطقة الثرتار من تصفية عمر البغدادي وبصحبته أبو حمزة المهاجر ، أسبوع بعد دلك سيجري تنصيب أبو بكر البغدادي مكان الشيخين القتيلين .

أبو بكر البغدادي أمير داعش أو الدولة الإسلامية في العراق والشام ؟

هذا الرجل الدي أثار كل هدا اللغط حول زعامته لتنظيم تمكن من أن يمتد بسرعة على أراضي شاسعة من سوريا والعراق، يحمل العديد من الأسماء فهو تارة يلقب ب ” علي البدري السامرائي ” وتارة أخرى ب ” أبو دعاء ” وفي أحيان أخرى بالدكتور ” إبراهيم الكرار ” … إلا أنه ومع كل هده الأسماء استقر في وسائل الإعلام من بين كل الأسماء على اسم أبو بكر البغدادي.

هو إبراهيم بن عواد بن إبراهيم السامرائي، ولد في الجلام عام 1971، خريج الجامعة الإسلامية في بغداد ، وفيها درس البكالوريوس فالماجستر فالدكتوره حول التجويد، عمل معلما فأستاذا لينتهي به المطاف داعية ، كان في عهد صدام إماما في جامع أحمد بن حنبل في سمراء، والده من وجهاء عشيرة يطلق عليها في بغداد عشيرة البوبدري، ينتمي البغدادي لعائلة سلفية تكفيرية متطرفة تتغذى على نصوص دينية تقدس الموت وتدعو للتقتيل، تدرج أستاذا فدعاوي وانتهى به المطاف جهاديا شرسا، أسس خلايا مسلحة في محافظتي ديالي وسامراء العراقيتين، كما كان مشرفا على العديد من العمليات القتالية والتي دهب ضحيتها الآلاف من العراقيين الأبرياء، كان أشهرها تلك التي نفدت انتقاما لمقتل بن لادن، والتي وصلت لحوالي 100 عملية انتحارية .

عمل على بناء نواة عسكرية صلبة من العراقيين معتمدا على العديد من الضباط السابقين في الجيش العراقي، والذين سيحتلون مواقع متقدمة في التنظيم، كما عمل على منح غير العراقيين مواقع هامة في التركيبة الشرعية بغية ضمان استقطاب دائم للمهاجرين .

تقول العديد من الدراسات أهمها الدراسة التي أنجزها هيتم المناع ، أن أبو بكر البغدادي وتنظيمه تمكن من النجاح بناء على ستة عناصر :

1 . الاستفادة القصوى من تجربة الضباط السابقين في الجيش العراقي الذي أوكل إليهم وضع السياسات العسكرية .

2 . ضمان موارد مالية مهمة تمكن التنظيم من امتلاك كل مقومات تنفيذ البرنامج 3 . اعتماد العالم وسيلة مهمة للنصر عبر نشر صورة الفزع والقتل والقسوة

4 . اعتماد أسلوب المفاوضات مع العشائر والبنيات الاجتماعية القائمة والاستفادة من دروس الصحوات .

5 . عدم التهاون مع أي تنظيم جهادي يريد الدخول مع داعش في الندية إما البيعة أو القتال .

6 . الغلو في التعامل مع أي ساكنة غير سنية بهدف تطهير أماكن تواجد داعش من أي احتمال للاحتجاج أو المعارضة .

تعتبر ” الموند ” أن الخطر الأكبر على تنظيم ” القاعدة ” هو بالضبط تنظيم الدولة بقيادة أبو بكر البغدادي فداعش الحديثة التأسيس رفضت الذوبان الكامل في تنظيم ” جبهة النصرة ” ذات الولاء المطلق للظواهري ، لقد كان البغدادي حاسما في رفضه مبايعة هذا الأخير .

في رسالة لأبي محمد العدناني وهو واحد من القادة الكبار لتنظيم داعش ، والمكلف بمهمة الإعلامي الرسمي بقطع الصلة بالظواهري وتنظيم القاعدة ، وشارح أسباب الطلاق معها ، سنجد الكثير من عناصر التفكير الجنوني المشبع بالقتل إستراتيجية للتفكير ، وكأنه في هذه الرسالة يجعل القاعدة وهي أيضا التنظيم التكفيري الإرهابي حملا وديعا ، من بين ما يرد في هذه الرسالة في شرح أسباب الخلاف مع القاعدة ، يقول العدناني في مواجهة الظواهري ” كفاك حتى لا تودي إلى ضلال كبير وفساد عريض كما أوصانا وحذرنا الزرقاوي والليبي أمراء القاعدة رحمهما الله ، وأن تدعو لجهاد وقتال أولئك كلهم دعوة صريحة بنبذ الألفاظ والمصطلحات الداخلية كالمقاومة الشعبية والانتفاضة الجماهيرية والحركة الدعوية والشعب والجماهير والكفاح والنضال وغيرها …بألفاظ الجهاد الشرعية الواضحة ، والدعوة الصريحة لحمل السلاح ونبذ السلمية وخصوصا في مصر لقتال جيش الردة ، جيش السيسي فرعون مصر الجديد ، وإلى التبرؤ من مرسي وحزبه والصدع بردته وكفاك تلبيسا على المسلمين ، نعم … مرسي الطاغوت المرتد الذي خرج بنفسه على رأس جيشه إلى سيناء …لحرب المجاهدين الموحدين هناك …لقد تركنا لكم الساحات في تونس وليبيا ومصر … فأسلمتموها عجزا لصناديق الاقتراع …إن الخلاف بين الدولة الإسلامية وبين قيادة تنظيم القاعدة خلاف منهجي … هذه هي القضية وليس بيعة من لمن ومرجعية من لمن ، … وأنه لما كانت الدولة الإسلامية جزءا من الجهاد العالمي ، وكان لا بد للجهاد العالمي من تدينا ومن رأس يديره ، وكان قادة القاعدة هم رموز الجهاد وأصحاب السبق والفضل تركت لهم الدولة شؤون القيادة ، فلم تتجاوز عليهم أو تخالفهم في سياسة خارج مناطقها ، وخاطبتهم خطاب القادة والأمراء .

وهم أيضا لم يلزموها أمرا في شأنها الداخلي ، وإنما كان قولهم رحمهم الله ، الشاهد يرى ما لا يراه الغائب .

حتى جعل الظواهري ومن معه من المتنفيدين الدولة فرعا لقاعدتهم ، وأرادوها على منهجهم الذي ظل مدفونا مكبوتا داخل القاعدة ، ولم يظهر إلا بعد تولي الظاهري وخلو الساحة للأمريكي .

فلما أبت الدولة ذلك المنهج الذي طالبنا به الظواهري بتغييره ، شنوا عليها حربا ، ولم يجدوا ذريعة وغطاء لتلك الحرب إلا تهمة الخوارج التي يقاتلنا بها علماء الطواغيت والسلاطين وعليه :

نطالب جميع أفرع القاعدة في كل الأقاليم ببيان رسمي وموقف واضح وصريح :

ما هو اعتقادكم في منهج الدولة الإسلامية ؟ وما هو حكمكم عليها ؟ هل هي من الخوارج الحرورية ، بل أشر إ تنافق الناس وتستخدم التقية وتقاتل لأجل الحكم والمناصب … ,إن منهجها ظلامي واجب على المسلمين حربه واستئصاله من الشام ؟” .

إن هذه الرسالة تلخص بعضا من جوانب الخلاف ، لكنها لا تفصح عنه كله ، ذلك أن إستراتيجية داعش تأسست ونمت على مكاسب الفوضى وغياب الدولة ، وهي تعي أي تنظيم الدولة أن ذلك يؤهلها أن تحتكر أو على الأقل تسقط احتكار عنف السلطة ،ولذلك اختارت أن تتحدث دولة وليس تنظيما كما هو الشأن في سلوكيات تنظيم القاعدة .

إن العراق أوضح بشكل جلي بعد تصفية الاحتلال للدولة بروز ثلاثة عناصر هزت بشكل بارز كما يذهب لذلك هيتم المناع المفاهيم المركزية للدولة في علاقتها بالمجتمع ، طبعا بغض النظر عن طبيعة مشروع الدولة نفسه :

1 . أنهى احتكار العنف من طرف الدولة – والذي كما توضح الدراسة السابقة الذكر لصاحبها هيتم المناع- الذي صاحب ميلادها منذ 9 ألآلاف عام قبل الإسلام .

2 . كما انتهى احتكار العنف ، انتهى احتكار سلطة الكلمة ، لقد عبرت وسائل الاتصال والإعلام كل النقط متجاوزة الحدود ( الإنترنيت ، ووسائل التواصل الاجتماعي ) .

3 . ومثلما انتهى احتكار الدولة للعنف وللكلمة ، مثلما انتهى احتكارها لسلطة المال أو باعتبارها المصدر الأول كفاعل في الشأن العام في التحكم في المال ، مع داعش ومع دولة الأزمة صار للتنظيم مالا ومالا وفيرا .

إن نهاية هذه الاحتكارات 3 في عالم اليوم مست ليس فقط المفاهيم السياسية المركزية للدولة الحديثة ، بل إنها فتحت الباب على مصراعيه لاضطراب عميق .

إن داعش تعتبر اليوم من أغنى الحركات الجهادية المتطرفة ، وذلك اعتمادا على مداخل النفط التي تمكنت من بعض أباره في كل من العراق وسوريا ، فضلا عن عمليات تهريب أخرى ، يضاف إليه ما حصلته من تبرعات بعض أغنياء الخليج .

يتبع

لقراءة الجزء الأول من الدراسة اضغط هنا
الحلقة القادمة: داعش تنظيم إستراتيجيته …إثارة الرعب والفزع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.