داعش : من أضغاث أحلام الخلافة … إلى حمامات الدم …(الحلقة 1)

تقديم

يوم الأحد الماضي 21 دجنبر 2014 قتل قياديان مغربيان في المعارك الدائرة بين الجيش العراقي وإحدى ميليشيات تنظيم الدولة الإسلامية ” داعش ” ، الأول ويسمى ” أبو محمد المغربي ” وهو حسب وزارة الدفاع العراقي مسؤول الفرقة النسوية بقضاء هيت ، والثاني ويسمى ” أبو رميساء المغربي ” مسؤول المتابعة ، انطلق هذا الرجل من بنغازي في ليبيا في اتجاه الأراضي التي تحتلها داعش ، حيث حل بداية بالرقة لينتقل بعدها إلى العراق ، تدرج في عدة مناصب عسكرية وتبوأ مواقع قيادية هامة ، حيث تحمل بمجرد استقراره بالأنبار إحدى محافظات العراق مسؤولية المتابعة في ما يسميه تنظيم داعش نظام الحسبة وهو بمثابة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي تعني فرض العقيدة بالقوة . أما أبو محمد فشهرته في كونه أحد المتطرفين الذي اعتقل فتيات في عمر الزهور بتهمة مخالفة الشريعة وهو من أشرف على جلدهن في ما يسمونه محكمة إسلامية .

في كل يوم ترد أخبارا عن هذا التنظيم الذي يدعي زعيمه أبو بكر البغدادي أنه خليفة للمسلمين ، وفي كل يوم يظهر هذا التنظيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي فيدويات تظهر قسوته و وحشيته و دمويته . وفي كل يوم يسقط عشرات بل المئات من ضحايا سياسات الموت وحمامات الدم .

بداية هذا التنظيم كانت في منتصف شهر يناير من عام 2013 ، حيث قدم نفسه باسم “داعش ” ، والتي تعني الدولة الإسلامية في العراق والشام ،يومها أراد تنظيم داعش أن يبرز كحصيلة اندماج بين ما يسمى ” دولة العراق الإسلامية ” وهو التنظيم التابع يومها لقاعدة الظواهري ، وبين مجموعة مسلحة تكفيرية تطلق على نفسها اسم ” جبهة النصرة ” .

لكن ، في اليوم نفسه عارض هذا التنظيم ” أي جبهة النصرة ” الاندماج ورفضه ، وفي زمن لم يتعد الشهرين خرج الظواهري زعيم التنظيم العالمي ” القاعدة ” عبر تسجيل صوتي يعلن من خلاله إلغاء هذا الاندماج واصفا تصرفات زعيم ” داعش ” أبو بكر البغدادي بكونها تصرفات خاطئة ، مؤكدا أن هدا الأخير اتخذ هدا القرار دون الرجوع لقيادة التنظيم العالمي ، وقال الظواهري يومها ” إن زعيم القاعدة بالعراق أبو بكر البغدادي أخطأ بإعلانه اندماج النصرة في سوريا مع دولة العراق الإسلامية من دون استشارة قيادة التنظيم أو حتى إخطارها ” مشيرا في التسجيل نفسه ” أن سوريا ولاية مكانية لجبهة النصرة ويرأسها أبو محمد الجولاني ، بينما يقتصر حكم أبو بكر البغدادي على العراق “

رغم ذلك أصر البغدادي على موقفه وأكمل العملية معلنا نفسه خليفة ومعلنا ميلاد “داعش ” الدولة الإسلامية في العراق والشام .

يظهر في الصورة وكأنه ثمة خلافات بين التنظيمين ، فتنظيم جبهة النصرة يعرف تماما طبيعة وخصوصيات المجتمع السوري ، ويتجنب ما أمكن تطرفا زائدا على الحد ، ويتجنب أن يقدم على ما يجعله مهمشا ومرفوضا ، بينما تنظيم داعش لا يقيم وزنا لخصوصية المكان ولا يتردد في نشر ما يعتبرها شريعة الله في خلقه .

لكن لا نعدم أن الخلافات بين التنظيمين خلافات سطحية أو تكتيكية ، إن صح التعبير ، إلا أنها كانت كافية أن تجر داعش للتمرد على قيادة القاعدة العالمي ، وأن تدفعها لفتح مسار يثير الكثير من الأسئلة حول مستقبل المنطقة .

لقد جرى فتح الطريق لنجاح تنظيم داعش والخروج إلى الساحة كقوة عقائدية إقليمية مسلحة ، كنتيجة منطقية لإصرار كلا النظامين ، سواء النظام السوري أو النظام العراقي على المعالجة الأمنية العسكرية في كل ما يحدث .

كما أن السياسة الفاشلة لكل من تركيا ودول الخليج والسياسة الغربية في المنطقة يضاف إليها ، وجود عشرات ” الوكلاء الصغار الإقليمين ” ممن ذهب بهم الحقد ، والخوف من بروز حراك شعبي مستقل وسلمي يذهب بكل امتيازاتهم ، حدودا لا تتصور في العمى عمى البصيرة ، حتى ولو كان ثمنه تمزيق الأوطان وتهديم بعض من دوله .

مع كل التصريحات التي كان يطلقها ساسة الغرب ، كانت تركيا تغض البصر عن بيع النفط السوري على أراضيها من طرف وكلاء تنظيمات التطرف ، وكان الاتحاد الأوروبي يزكي ذلك بصور متعددة ، الشيء الذي ضخ في مالية تنظيم داعش أموالا تسمح له بكثير من الاستقلالية ، وبهامش حرية حركة ، حتى ضد رجالات الخليج التي تضخ له المال والرجال ، كما ونتيجة لعملية غامضة تمكن التنظيم من الحصول على أسلحة متطورة وبكميات هائلة من الرقة والموصل بالعراق .

لنتذكر البدايات ،والبدايات كانت مع تنظيم القاعدة ، الابن المدلل الذي أغدقت عليه أمريكا ودول الخليج إمكانات هائلة ، لمواجهة المحتل السوفيتي في أفغانستان ، لقد كانت البدايات فتح الحدود على مصراعيها لدخول أراضي الاتحاد السوفيتي سابقا ، تحولت بموجبها مجموعات صغيرة هنا وهناك ، لتنظيم كبير عابر للحدود ، تنظيم توفرت له من الوسائل والإمكانات ما جعله بمثابة السحر الذي ينقلب على الساحر بعد خروج القوات السوفيتية من أفغانستان وتفتت هذا الأخير ، كان لزاما على من صنعوا وأبدعوا في صنع تعويضية هذا السحر الواقع أن يجابهوه بعد أن انتهت مهامه ، أو هكذا تصورت أمريكا ومعها حلفائه في الخليج .

لقد توزع أبناء تجربة الجهاد ضد الشيوعية في أرض الإسلام بين عدد مهم من الحروب في البوسنة والشيشان وفي الجزائر … وها هم اليوم ينشرون سمومهم في ليبيا وفي صحراء سيناء في سوريا كما في العراق …

وفي الوقت التي سعت باكستان لإعادة نفوذها في أفغانستان عبر حليفها طالبان ، سعى بن لادن لتحويل أرض أفغانستان لأرض تدريب عسكري أمن وأرض تركيز للمجاهدين ولكل السلفيين الجهاديين .

في مكان وإن كان قريب من المنطقة ، كان بعيد تماما عن الأفغنة وعن همومها ، كان العراقيون لا يبالون بهذه القضية ولم يكن شغلهم الشاغل مشاكلها ، وبدءا من 2003 ستتحول أرض العراق لمأوى لكل هؤلاء الجهاديون ، إنها النتيجة المنطقية للفوضى التي دخلتها العراق بعد تدمير بنية الدولة وحل مؤسسة الجيش ونشر فظاعات الاحتلال المجنون للعراق .

وبهذا المعنى وكما تقول كثير من التحليلات والدراسات ، تتحمل قوات الاحتلال للعراق مسؤولية كبرى في المال الذي وصله العراق .

ليس وحدها قوة الاحتلال من يتحمل مسؤولية ولادة هذا التنظيم / الدولة ، بل يوجد خلف الصورة عوامل شتى ، دفعت الباحث هيتم المناع في دراسة مهمة لصالح المعهد السكندنافي لحقوق الإنسان تحت عنوان “خلافة داعش من هجرات الوهم إلى بحيرات الدم”، أن يتحدث عن ما سماه فضائل داعش ، منها أنها عرت وبشكل فاضح السياسيات الفاشلة الإقليمية والدولية ، كما أنها عرت الأساطير التي صنعتها قناة الجزيرة منذ عملية النصرة ضد إحدى قواعد الجيش النظامي السوري والتي غطاها أحمد زيدان ، إلى تلك الهالة القدسية التيقدم بها تيسير العلواني محمد الجولاني زعيم جبهة النصرة ، وذلك في محاولة لتبرير جرائم القتل والنهب التي مارستها النصرة ، شبيهة بتلك التي قامت بها داعش في العراق ، فضيلة داعش كما يؤكد نفس الباحث في نفسها الدراسة أنها فضحت زيف الخطاب الشعبوي لجماعة الإخوان المسلمين ، الذي يخدر العامة بخطاب الإسلام هو الحل منذ حسن البنا حتى سيد قطب حتى القرضاوي … والذي في جوهره يؤثر الجماعة على ما سواها ، ويجيز لها من الحقوق ما لا يحق لغيرها ، وينشر إيديولوجية هي من يقدم الغطاء الشرعي اليوم لجماعات التطرق والقتل .

فضيلة داعش كما يقول هيثم المناع أنها اختصرت على المفكرين والمثقفين مئات الدراسات والكتب في الرد على العودة إلى الوراء إلى زمن الخلافة الرشيدة ، وفي كونها كشفت الأخطار التي ينطوي عليها الباطنية السياسية في توظيف الدين كإستراتيجية سلطة .

فضيلة داعش أنها هي وليس المثقف النقدي من أسقط القداسة والهالة على مفهوم الحاكمية لله ، وهي من قدم تفسير واضح لمعنى جاهلية القرن العشرين لقطب ، ومن حول التكفير لسنة والتوحش والقتل لمنهاج حياة .

أيضا من مزايا تنظيم داعش أنها أوضحت بشكل جلي ” من هم المهاجرون ” إنهم ضعيفي الثقافة والفكر ، ومحدودي الوعي الديني حتى ، وفوات الذاتي والموضوعي عندهم للأسباب التي حولتهم لمشاريع انتحاريين ، لهذا عاملهم تنظيم داعش كالقطيع وفهم حاجياتهم إنها باختصار : السلطة المال ومتاع وزينة الحياة الدنيا .

يتبع

الحلقة القادمة: من هنا بدأت القصة … التنظيم الذي بدأ مع الزرقاوي في العراق لينتهي مع البغدادي في العراق وسوريا

2 تعليقات
  1. عبد الرحمان النوضة يقول

    قرأتُ عدة مقالات منسوبة للسيد أحمد دابا، على موقع ‘أنوال’، ولاحطتُ أنه يتكلّم عن أحداث تقع بعيدا عنه بآلاف الكيلومترات. ولاحظتُ أنه يحلّل، ويصدر أحكام، ويعبّر عن مواقف وثوقية، دون أن يذكر على أية مراجع يعتمد. ولاحظتُ أن كل جملة في مقالات السيد احمد دابا تحتاج إلى ذكر المراجع التي اعتمد عليها للتصريح بمواقفه. فمن أين تأتي المعرفة إلى السيد أحمد دابا ؟ هل يحق لأي شخص أن يكتب مقالات أو تحاليل صحفية عن مناطق (مثل مصر، والعراق، وسوريا، إلى آخره)، وعن أحداث، تبعد عنه بآلاف الكيلومترات ؟ أليس الحد الأدنى لأخلاقيات الكتابة هي أن يوضح الكاتبُ للقرّاء المراجعَ، والمصادر، التي اعتمد عليها لإصدار مواقفه، أو أحكامه ؟
    عبد الرحمان النوضة (السبت 10 يناير 2014).

  2. أحمد دابا يقول

    السيد نودا ، بداية أنا لم أنشر عدة مقالات في أنوال ، نشرت فقط دراسة واحدة حول الاخوان المسلمين في مصر ومستقبل الاسلام السياسي ، واستندت في الدراسة أو تقديم الدراسة على نص أصلي أشرت له وهومعهد كارنيغي ، إد دكرت الدراسة وصاحبها والمعهد الدي صدرت عنه ، المقال الحالي هو عرض حول تنظيم في منطقة ملتهبة ، وانتظر حتى يكتمل المقال ، حيث ستجد أنني اشير فيه كلما استندت لرأي معين لصاحبه وللمرجع ، أما حكاية لما تكتب على مناطق بعيدة فلا تعليق لدي ، لأنه أصلا الملاحظة لا تعني شيء إد لا شيء يمنع من أن نكتب على مناطق بعيدة ، اما وهي مناطق الأشد التهابا في العالم ، فواجب الكتابة حولها حاجة أقدمها للقراء الإيجابيين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.