داعش : من أضغاث أحلام الخلافة .. إلى حمامات الدم …(الجزء 3)

 داعش تنظيم إستراتيجيته  …إثارة  الرعب والفزع
مناخ مساعد

* التدين العام 

ينتمي الداعشي في العراق لما يسميه عدد من الباحثين للجيل الذي عايش بمرارة الحروب الإقليمية التي خاضها صدام حسين ، العقوبات الجماعية الرهيبة التي تمارسها قوات الاحتلال في قطاع غزة ، الاحتلال الأمريكي وتدمير مقدرات الحضارية والبشرية للعراق ، الحقد الدفين للغرب وللعم سام على وجه التحديد لأقدم وأعرق حضارة إنسانية في أرض الشام ، لا شك أن العراقي ومعه كثير من العرب الذي فتحوا أعينهم على حرب الخليج الأولى والثانية وعلى ما تعتبره كثير من التحاليل حروب العدمية ، وعلى حصار فرض على العراق ودمر كل مقومات الحياة الإنسانية عنده ، وعلى محتل حطم الدولة ودمر الجيش ومارس أبشع أنواع الانتهاكات في حق الإنسان في سجون أبو غريب وأخواتها ، أن الرد الأول لهذا الإنسان الطبيعي في مواجهة حداثة لم تجلب له غير الشقاء والتعاسة  ، هو التدين العام ، تصحرت الثقافة وباتت الكلمات والإبداع وكل مظاهر الإنسانية عاجزة ضعيفة مستكينة في وصف هول الكارثة التي حلت على الإنسان العراقي وجيرانه في أرض الشام ، جرى ما يشبه التواطؤ الجمعي في كره الحياة عبر وسيلة الموت ، جرى استبعاد قيمة الحق في الحياة في مجتمع عايش لسنين تمازج الموت بالحياة بل هيمنة الموت على الحياة .

جرى كل ذلك تحت غطاء استعارة الطهر والنقاء وفضائل التدين وجرى ذلك باستعراض إعلامي مبالغ فيه ، حتى صارت صورة قطع الرؤوس وجلد النساء وحرق الكنائس وترويع الناس مظهر من مظاهر التدين .

في هكذا مناخ ولدت داعش العراق ، وفي هكذا مناخ قررت داعش أن تعيش النرجسية والانفصام  وتستقطب للانفصام  ، في مواجهة الظلم والتهميش والإقصاء وشطط السلطة وانتهازية النخب …قررت داعش وقادتها أن يستغلوا هذا المناخ العام المحبط المثقل بالماسي وحالات انجراف جمعي للانتقام ، وفي مواجهة كل معترض تخرج جهرا وعلى رؤوس الأشهاد ورقة الكفر والردة .

استفادت تماما كل تنظيمات التكفير والتطرف من هذا المناخ “التديني العام  ” إن صح التعبير ، وكان تنظيم الدولة أكبر مستفيد بما راكمه قادته ، وبما وفرته لهم قوات الاحتلال الأمريكي من فرص للالتقاء والتشاور في مختلف السجون التي فتحتها في العراق ، يشير هيتم مناع في الدراسة المشار إليها أعلاه ، أن فترات الاعتقالات في سجن بوكا ومعسكر اعتقالات في محيط مدينة  الأقصر بالعراق شهدت نقاشات ومراجعات واستقطابات شملت العديد من الكوادر من مختلف التخصصات ، خاصة من أولئك الذي همشتهم ترتيبات الأوضاع الداخلية لما بعد خروج الاحتلال من العراق .

 من الأسماء البارزة التي ترتبت عن ظهور هذا الجيل الجديد ، كان أبو بكر  البغدادي الذي   لم يذهب بعيدا في التفكير وهو يبحث عن اسم جديد لتنظيم يتجاوز بغداد ، فبعد أن سال لعابه وهو يشهد الفوضى التي دخلتها سوريا الشام  ،وقف عند حرف ع رمزا لاسم العراق ،  وأضاف له حرفا هو ش رمزا لاسم الشام وأبقى على دا رمزا للدولة  ، ليصبح التنظيم باسم” داعش”  ، عبر الحدود الممتدة والواسعة مع العراق ، تسرب مقاتلوه تباعا إلى شرق سوريا وهم يرددون شعارا كان له وقعه وسط شباب أنهكه نظام دموي وفاسد  ” مناصرة أهل السنة في سوريا ” ، ومعلنا عبر هذا الشعار حربه على نظام بشار العلوي.

في سوريا كانت جماعة ” النصرة ” التابعة للظواهري قد تمكنت أو مكن إليها أن تبسط نفوذها ، وأن تتحول خلال شهور لأبرز الجماعات المسلحة المقاتلة ضد نظام بشار، وهو التنظيم الدي سعى له البغدادي حليفا وقوة إضافية لتنظيمه ، و  عبر رسالة صوتية في يناير 2013 سيعلن أبو بكر البغدادي عن دولة الشام والعراق  ، وعن اندماج تنظيم النصرة مع تنظيم دولة العراق ، لتبدأ فصول جديدة في تاريخ منطقة لا يبدو أنها ستعرف وإلى مدى منظور استقرارا.

مارس هدا التنظيم سواء في العراق أو سوريا المذابح بدم بارد ، روع الأطفال والنساء ونشر الرعب والفزع ، مارس ما اعتبره شريعة الله في عباده شنقا وتذبيحا وتهجيرا وسبأ للنساء ،   واتكأ في كل دلك على تراث ديني ومذهبي مغل في الانحطاط والتخلف ،تراث ديني ومذهبي  نشرته وراعته ومدته بكل وسائل الاستمرار أنظمة الخليج بمال وريع النفط .

يقدم الحقوقي السوري هيثم مناع ، تحليلا مختلفا لسر قوة هذا التنظيم ، مركزا على وجه التحديد على ما اعتبره الرأسمال البشري ، يقول هيتم المناع ”، “لقد توصلنا من متابعة تجربة داعش، من خلايا الزرقاوي إلى خلافة البغدادي، إلى ضرورة تناول التجربة عبر الأشخاص بعد أن تبيّن لنا تأثير الأشخاص على طبيعة وتركيب ووظيفة الإيديولوجيات التي يعلنون عنها. فمن الصعب اعتبار تأثير الإيديولوجة على مكونات أصحاب القرار في هذه التجربة حاسما. ولعل هذا ما يفسر الغلو المتعمّد والمشهدي الذي يحمل في طياته كل عناصر الهدم دون امتلاك أي تصور خلاق لإعادة البناء بغض النظر عن نمط الحياة المطلوب في هذا البناء”.

*المهاجر النصير لداعش 

إنه العنصر الثاني من المناخ العام المساعد ذلك أنه من أبسط الأمور أن لا تجد وأنت تحاول سبر أغوار هذا التنظيم حدث سنة 2014 ، أي صعوبة في اكتشاف أكثر من صلة بين العراقي الداعشي ، وبين النصير المهاجر سواء من بلاد تونس أو ليبيا أو المغرب أو الجزائر …هي نفسها قصة الزرقاوي القادم من الأردن ، قصة الشاب القادم من تونس ، والذي لم تقدم له الترويكا لحد الساعة أي أفق في بلاده ، أو الجزائري الذي عاش سنوات ويلات الحرب الأهلية وقلة اليد في بلاد التجارة المربحة التي توظف في  شراء وتكديس الأسلحة ، أو الليبي الذي جثم على أنفاسه نظام قهري اختلطت لديه الأسطورة والخيال بالواقع ، أو المغربي الذي لا زال بلده يجر معه سنوات الاستقلال المجهضة ، وحلم الانتقال المجهض ، أو المصري الذي دائما مخير بين استبداد أصولي أو استبداد عسكري …  ، كل هؤلاء وجدوا في من يدفع لهم تكلفة السفر وأجرة قارة في محسن استقطبهم للجهاد في سبيل الله ونصرة لدينه . بتعريف غي ديبور للمجتمع بالمجتمع المشهدي مسؤولية كبيرة في إنتاج العنف والتطرف .

لا يطرح أي من هؤلاء المهاجرين كما ذهب لذلك ألبير كامي ذلك السؤال ” أينبغي أن تسيل أنهار من الدم لكي يمكن غدا إقامة العدالة ؟ وهل يتعين علينا أن نصبح قتلة ليكون لدينا نظام اجتماعي أفضل ’ ” ، هؤلاء المهاجرون إلى ديار داعش من المستحيل أن يطرحوا أسئلة ، وهم من تشربوا أنهم ملكة الحقيقة المطلقة ، ولأن غالبيتهم من ضحايا تعليم هجين وبدون أسس إبستمولوجية ، فهم ممن لا ضير عندهم أن يكونوا قطعانا يساقون للموت بملء وعيهم .

لذلك ، تشكل الآراء التي دعت للبحث في تجربة هذا التنظيم / الدولة ، على تجارب الأشخاص وليس على إيديولوجية التنظيم هذا إن وجدت أصلا ، أو وجدت بطريقة قد تقود لفهمها أو على الأقل تحديد عناوينها الكبرى .

تشير بعض الدراسات والأبحاث في أسباب انجذاب بعض الشباب العرب نحو تنظيم الدولة إلى أسباب متعددة ومتنوعة ، وفي هذا السياق تتساءل الباحثة مهى يحي باحثة في معهد كارنيغي باستغراب عن  ما الذي يدفع الشاب المصري إسلام يكن وهو التلميذ في الليسيه الفرنسي ومغني الراب سابقا للالتحاق بتنظيم داعش ، وليطل بعد أن غادر القاهرة بأيام نحو العراق  عبر اليوتيب شاهرا سيفه؟ أو لانجذاب فتيات في عمر الزهور نحو هذا التنظيم ، تقول الباحثة مهى ، هناك خمس أسباب خارج تأثير التكنولوجيا أو الدين أو وسائل التواصل الاجتماعي تفسر بعض من أسباب هجرة هؤلاء نحو هذا التنظيم :

1 . التنظيم أو الدولة وغيرها من التنظيمات الشبيهة هي وليدة عقود من خيارات الحكومات العربية في مجالات التنمية والخيارات السياسية والاجتماعية والثقافية ، وقد فقامت خياراتها الفاشلة وسياساتها الخلل في التعاقد الاجتماعي العربي القائم على مقايضة حقوقهم السياسية والمدنية برفاههم الاجتماعي .

2 .كما أنها ومنذ الثمانينات طبقت سلسلة قرارات مجحفة استهدفت التعليم والهوية والرعاية الاجتماعية وحقوق المواطنة ، وعززت هذه السياسة وبشكل عام حتى وبدون قصد في بلدان محددة من التحول الكبير نحو الخطاب الإسلامي المحافظ والعابر للقارات .وفي منطومة التعليم جرى تركيز التلقين والأساليب التقليدية لا التفاعلية ، على حساب النظرة النقدية وعلى التقبل غير النقدي لهرمية السلطة وبدون مساءلة .

3 . كما تذهب نفسها الباحثة للتأكيد أنه جرى في مناهج التاريخ والتربية الدينية ، تعزيز خطاب ” نحن ” في مواجهة “هم ”  وذلك على أسس عرقية وإيديولوجية وطائفية ، ما جعل الشباب ، خاصة ” عرضة لتأثيرات متعددة وغير المشهد الثقافي جذريا ، وسهل من انتشار الإيديولوجيات المتطرفة ومن التلقين العقائدي المبكر للأطفال والشباب .

4 . ومع تنفيذ جل الدول العربية لبرامج “التحرير” الاقتصادي خاصة في الربع الأخير من القرن الماضي ، جرى وبشكل غير مسبوق تراجع في أنظمة الرعاية الاجتماعية وألغيت ضمانات التشغيل في القطاع العمومي دون أن يتبلور بديل عن ذلك .

5 . فرض تخلي الدولة عن الرعاية والنظم الاجتماعية ، على المواطنين اللجوء لخيارات أخرى نحو ما سمته الباحثة اقتصاد الظل أو ما يسمى عندنا باقتصاد الريع  الموازي أضعاف مضاعفة ، فمثلا تقول الباحثة يشكل هذا الاقتصاد 33 في المائة في المغرب من مجمل النشاط الاقتصادي ، و40 في المائة في مصر …مما يحرم الباقي من المواطنين من أي شكل من أشكال التضامن الاجتماعي .

تعتبر الباحثة هذا الوضع كارثي في منطقة تتراوح فيها ما بين الخمسة أشخاص سن الواحد بين الخامسة عشر والرابعة والعشرين ، وتصل فيها نسبة العاطلين عن العمل حوالي 29 في المائة ، وتشير فيه التقديرات إلى الحاجة ل 105 مليون منصب شغل بحلول 2020 لضمان القدرة على استيعاب الوافدين الجدد على سوق الشغل .

كما أنه لم يترافق هذا “التحرير” في مجال الاقتصاد ويصاحبه كما حدث في تجارب أخرى حقوق سياسية ، بل على العكس استشرى الفساد وانعدمت المساواة وارتفعت وثيرة القمع الممنهج .

تقول الباحثة مهى يحي أن تنظيم داعش يوظف عدة إستراتيجيات لاستغلال الحرمان المتزايد عند شباب المنطقة ، ويعد بتحقيق ما عجز عنه الآخرون ، هو يغري بالوظائف وحتى بالزوجات ، كما يستخدم في مواده الدعائية عبر الإنترنيت عدد لا يحصى من السرديات الدينية .

نفسه التحليل أشارت له الباحثة لينا الخطيب في حوار أجرته معها جريدة الصباح التونسية ، حيث أجابت عن سؤال يتعلق بسر الانتشار السريع لداعش وما تشكله من خطر ، بالقول إنه للأسف تنظيم داعش يقدم للشباب ما عجزت عنه المؤسسات والحكومات العربية ، والأمر لا يتعلق بالأموال الكثيرة التي يقدمها هذا التنظيم للشباب المعوز المهاجر ، وإنما كونه يقدم مشروعا يغري به الشباب ، إنه مشروع الدولة الإسلامية ، وهنا الخطورة إذ عندما تقول لينا الخطيب يكون عندك شباب لم يعش على مشروع وطني ، ولاشيء أمامه غير التهميش ، تنظيم داعش يقدم خارطة طريق في وجه شباب انسدت أمامه كل الأفاق ، نحن تقول الباحثة أمام شباب يعاني ضياع الهوية ويشكو غياب ثقافة الانتماء ، إن خطر داعش تجاوز المنطقة العربية وامتد للغرب لفئة من الشباب المهمش هناك وهو ما يمنح هذا الأخير قدرة على استقطاب الفقراء كما الأغنياء .

تقول لينا نحن أمام تنظيم يتجاوز خطورة تنظيم القاعدة ، إذ بن لادن يستعمل القاعدة للتخريب والدمار ، بينما داعش تستعمل الإرهاب ” للبناء ” على طريقتها وأسلوبها ، ولذلك  لا نجاح للضربات الجوية بدون أن يصاحبها مشروع اجتماعي اقتصادي بديل على الأرض وتضيف كل الطلعات الجوية ضد هذا التنظيم  ستنتهي للفشل ، ما لم تعالج قضايا التنمية وقضايا حقوق الناس في هذه المنطقة المتخمة بالفساد والاستبداد  ، وما عشناه تقول لينا لحدود الساعة أن تنظيم داعش ومع تزايد الضربات الجوية يحظى بمزيد من التعاطف.

يــــتبع

الحلقة القادمة:هل تصمد نظرية تعظيم قوة داعش لتسهيل الانقضاض عليها  ؟

لقراءة الجزء الأول اضغط هنا

لقراءة الجزء الثاني اضغط هنا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.