” داعش ” قضية وطنية

   حري بنا، نحن الذين تعودنا في هذا البلد على تبني قضايا الآخرين واحتضانها، أن ننظر إلى مستجدات الساحتين السورية والعراقية كشأن داخلي يخصنا جميعا. ولا يتعلق الأمر هذه المرة بمجرد اندفاع عاطفي تمليه متطلبات الأخوة والقومية والعقيدة التي تعلمناها في مدرسة: ” بلاد العرب أوطاني”… بل بسبب موضوعي يجعل المغرب منخرطا بقوة في المشهدين السوري والعراقي بفضل الحضور اللافت لأبنائه في صفوف بدعة دولة الخلافة الداعشية. لذلك يبدو أن الموضوع يستحق وقفة حقيقية لفهم دلالات وأبعاد تهافت المغاربة على الانضمام إلى جبهات الإقتتال الطائفي هناك، وإعلان ولائهم لتنظيم إرهابي يطمح لبعث الخلافة بعقيدة القتل والتكفير.

   ملف ” مغاربة داعش” كما أصبح متداولا في الأوساط الإعلامية والأمنية بات يشكل مصدرا لقلق بالغ يهدد استقرار المغرب وأمنه، وذلك ما تؤكده الأرقام والمعلومات التي جاءت في التصريحات التي أدلى بها وزير الداخلية أمام البرلمان. حيث يقدر عدد المغاربة المجندين في صفوف داعش بحوالي ألفي شخص بينهم من يتولون أدوارا قيادية في التنظيم. وإذا استندنا إلى الأرقام الدولية التي تقدر عدد المجندين في جيش البغدادي بأقل من عشرة آلاف مقاتل، فإن ذلك يعني أن المغاربة وحدهم يشكلون نسبة 20 بالمئة من العدد الإجمالي للمنتسبين لداعش. وهذا رقم مخيف حقا، لأنه يثبت أن الإيديولوجية الوهابية الغريبة عن بلدنا وثقافتنا قد تمكنت من التغلغل في أوساط شباب مغاربة تم تجنيد وبرمجة عدد منهم من طرف دوائر الإرهاب، وهم بذلك يعدون بمثابة قنابل موقوتة قابلة للإنفجار في أية لحظة. وذلك ما جناه علينا انتماؤنا لهذه ” الأخوة العربية” التي لا نمل من التغني بها والإرتماء في أحضانها وتبني قضاياها، بينما هي تقاسمنا سلوك التطرف والغلو وتصدر لنا نموذجها ” الجهادي” الذي يقدم نفسه ناطقا رسميا باسم الإسلام، ويعيش على الدماء والفتن الطائفية.

   عدد المغاربة الذين وصلوا إلى سوريا والعراق، وانخرطوا في دولة ” داعش” يطرح علامات استفهام كثيرة حول الطريقة التي استطاع بها هؤلاء مغادرة المغرب في اتجاه بلاد الشام والرافدين. حيث تشير المعلومات التي وردت في سياق التصريحات المذكورة لوزير الداخلية أن مجموع الذين اتخذوا المغرب نقطة لانطلاقهم يصل إلى 1122 عنصرا، ثم إن عددا من مغاربة داعش ينوون العودة للقيام بعمليات إرهابية داخل المغرب واستهداف مصالح وشخصيات عامة بتسيق مع إرهابيين مشارقة. وهنا مكمن الخطر تحديدا، لا سيما وأن بعض المقاتلين المغاربة في داعش مستعدون للقيام بعمليات انتحارية.

   إن نجاح الأجهزة الأمنية المغربية في احتواء تداعيات أحداث 16 ماي 2003، من خلال تفكيك عدد مهم من الخلايا الإرهابية النشيطة أو النائمة، والتصدي لكل المحاولات التي تهدف إلى ضرب استقرار المغاربة وأمنهم. هذا النجاح إذن أصبح اليوم أمام تحد جديد يقتضي مزيدا من اليقظة والحزم لمواجهة خطر ” مغاربة داعش”، خصوصا وأن المئات من هؤلاء لم يغادروا من المغرب، بل وصلوا إلى العراق وسوريا انطلاقا من دول أخرى يستقرون فيها. وهؤلاء هم أكثر خطرا لأنه من الصعب رصد هوياتهم وتحركاتهم، ويمكن لهم العودة إلى المغرب عبر الدول التي يقيمون بها بطرق قانونية… لذلك فإن المقاربة الأمنية مازالت تشكل أولوية ملحة في التعاطي مع ملف الإرهاب… لكن التجارب أثبتت أن هذه المقاربة وحدها غير كافية لأنها قد تؤدي إلى تجاوزات وانتهاكات حقوقية، كما أنها لا تقدم حلا جذريا للمعضلة، فالإرهاب عقيدة وفكر قبل أن يصبح سلوكا وممارسة، ولابد أن يعرف الحقل الديني مزيدا من التنظيم والمراقبة، لأن تفكير التكفير هو الذي يسمح بتنامي هذه الثقافة التي كان المغرب بمنأى عنها عبر تاريخه الطويل. وضبط المشهد الديني يتطلب الضرب بقوة على كل من يستغل منابر المساجد كوسيلة للتحريض والتكفير وبث خطاب الكراهية والحقد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.