داعش توحد الموقف الدولي وتعدل الموقف الأمريكي حول مواجهة الإرهاب

تعيش العراق وسوريا أحداث مؤلمة وخطيرة، يديرها تنظيم ما يسمى بدولة الإسلام في العراق والشام (داعش)، التي أبانت عن قدرة تنظيمية وعسكرية قتالية كبيرة، فاقت قدرات الجيوش النظامية لبعض الدول العربية، لأنها استطاعت في وقت وجيز أن تسيطر على مجموعة من المدن العراقية، وتحويلها إلى مسرح لجرائم إنسانية واسعة النطاق، من تدمير للمعالم الحضارة الإنسانية، إلى اختطاف النساء، وإبادات جماعية شملت كل المجموعات الطائفية بالعراق، من مسيحيين وشيعيين، وكذا اليزيديين الذين هاجروا مدنهم لاختباء بالجبال المرتفعة أملا في الحماية الإلهية والطبيعية، لأن الحماية الدولية تعطلت بسبب تضارب المواقف إن لم نقل المصالح بين الكبار داخل الأمم المتحدة.

       إلا أن تطور الأحداث في العراق وسوريا، وامتداد تداعياتها إلى مناطق أخرى من القارة الإفريقية، وتقاطع أهداف تنظيم بوكو حرام الذي أعلن عن دولة الخلافة في النيجر وأهداف الدولة الإسلامية في العراق والشام، وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الإنسانية، وفرض على جميع القوى المؤثرة في الأحداث بالمنطقة، أن توحد مواقفها وجهودها لمواجهة خطر التنظيمات الجهادية.

       من المؤكد أن خطر هذه التنظيمات على المصالح الغربية، والأنظمة العربية والأمن والاستقرار في العالم، أرغم الدول الكبرى على تغيير مواقفها حول سير الأحداث في المناطق العربية المشتعلة، وبالخصوص الولايات المتحدة الأمريكية التي بدلت جهدا كبيرا سواء من داخل الأمم المتحدة، أو بواسطة الآلة الدبلوماسية لإقناع الطرف الروسي والصيني للتدخل العسكري قصد الإطاحة بنظام بشار الأسد، وتعويضه بنظام حليف يضمن استمرار المصالح الغربية في المنطقة، لكن تطور الأحداث ستعاكس الطموح الغربي، خصوصا بعد ظهور قوى لا تؤمن باللعبة السياسية ولا تؤمن بالدولة الوطنية لنظام وستفاليا، وترفض اكثر من ذلك، كل ما شيدته الإنسانية تاريخا وحضارة، وبدأت بتجسيد صدق إيمانها بمرجعيتها، بتحطيم وتخريب الكنائس والأضرحة ومهاجمة المساجد، وإتلاف كل المآثر التاريخية التي تعبر عن تطور الجنس البشري والحضارات الإنسانية…، إنها “كاسحة” إنسانية وحضارية، أرعبت العالم، وفرض على أمريكا رغم قوتها أن توجه نداءا إلى العالم على لسان رئيسها، لمواجهة ذلك “السرطان” السريع الانتشار.

       إن التحركات الأمريكية، في إطارتتبعها لتطور الوضع الأمني في منطقة الشام، يبشر بقرب حدوث تحول جذري في الموقف الأمريكي، اتجاه نظام الأسد وبعض “الأنظمة المارقة”. بوادر التحول في هذا الموقف يعكسه الاستعداد الأمريكي للتعاون مع روسيا وإيران وحتى مع سوريا، لمواجهة التنظيمات الإرهابية الجديدة، كجبهة النصر و”داعش”، وهكذا من المنتظر أن تسقط من السجل السياسي الأمريكي بعض الأنظمة والتنظيمات الدينية، المسجلة بقائمة الدول المارقة والإرهاب. وما يبرر هذا الطرح هو الارتباك الحاصل للولايات المتحدة الأمريكية في تعاملها مع الأزمة السورية، والظاهر من خلال إعلانها عن الرغبة والاستعداد لتوجيه ضربات جوية ضد تنظيم “داعش” لشل قدراتها ومنعها من تحقيق تقدم عسكري وميداني لتوفير الحماية لنظام الأسد، وهو أمر لم يعترض عليه النظام السوري، بل كان محل ترحيب من طرف سوريا على لسان وزير خارجيتها وليد المعلم، الذي لم يمانع في التدخل البريطاني والأمريكي. كل هذه المتغيرات تجعلنا نتسائل حول مستقبل سياسة المجتمع الدولي لإدارة الأزمة في الدول المشتعلة بشكل عام، وكذا حول الدور الأمريكي بشكل خاص.

       إن خطورة تنظيم “داعش” كانت وراء وحدة الموقف الدولي في مواجهة التهديد الإرهابي للتنظيمات الجديدة، وسببا في انخراط كل الدول في عملية المواجهة، بما في ذلك ألمانيا التي أعلنت عن استعدادها للمشاركة في الجهود الدولية لمحاربة الإرهاب. كما كانت وراء إقرار القوى الكبرى بمسؤوليتها حول ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة، بسبب تباعد المواقف بين الطرف الروسي والأمريكي، اللذان كانا وراء إطالة أمد النزاع في سوريا وتوفير مجالا زمنيا كافيا، لنشأة قوى إرهابية تهيأت عدة وعتادا لمواجهة أقوى الجيوش النظامية بالمنطقة، كلفت بعض الدول خسائر تفوق كل التوقعات، حوالي 200000 قتيل سوري، تخريب البنية التحتية لبعض الدول، إحياء الفكر الطائفي الذي أثر على لحمة القوى المدنية التي أرهقت سياسيا، فتح المجال أمام ظهور قوى جديدة أكثر تنظيما وحيوية وجاهزية للسيطرة على مكاسب الثورات العربية.

       إنها النتائج السلبية لتعارض مصالح الكبار، لكن جانبها الايجابي يتمثل في اقتناع المجتمع الدولي بتبني سياسة واقعية لمواجهة التهديدات الأمنية في المستقبل، ومن المحتمل أن تكون العراق وسوريا مسرحا لها في الوقت القريب.

* باحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.