داعش الحقيقة

وفجأة اُحتل موضوع “داعش” فضاء النقاش العام وطفا على السطح، وبات حديث العامة والخاصة من مفكرين ومثقفين ورجالات الدين على اختلافهم ومحللين سياسيين وعسكريين، وتقاطرت علينا كتابات الصحفيين الهواة ومقالات الوصف، تقدم بمجموعها وتتصف بقدر اكبر من الدعاية للرواية الأمريكية حول “الظاهرة الداعشية”. وأصبحت “محاربة ارهاب داعش” ضمن أولويات الاجندة السياسية الاميركية التي سارعت لتجنيد حلفائها وتابعيهما من أجل تشكيل ائتلاف دولي مزعوم، مصحوبا بماكنة اعلام تُضخِّم من خطر الارهاب “الداعشي” العالمي العام ، وتوجه الجمهور إلى تقبل الحرب التي تقودها امريكا على على المنطقة تحت ذريعة محاربة هاته الداعش.

تسارعت الاحداث وتشابكت، وأضحى يطل علينا القادة السياسيين بشكل متواتر ويلقون على آذاننا بلاغات يكون القادة الامريكيين سباقين لاعلانها، تتضمن دعوات صريحة باتخاذ اجراءات “هجومية وحربية” استعمارية، دون تحديد مدى هاته الحرب، التي قدرها “أوباما” على أقل تقدير بثلاث سنوات.

صحيح أن ثمة في الاعمال الارهابية التي تقوم بها “جماعة داعش” ما يضخم من خطرها بدرجة أكثر بكثير من حجمها (داعش) الحقيقي، وهي تقض مضجع الناس ومصالحهم عن عمد وهذا هو الهدف منها ولهذا تم انشائها، حتى لا يتسنى للناس التفكر في المآلات التي يمكن أن تؤول إليها المنطقة بشعوبها وبنياتها التحتية وتوفر الشروط الأكثر ملائمة لإغراق المنطقة في المزيد من الدمار والخراب، وتفوت على شعوبها فرصة القطيعة مع التخلف والاستبداد والديكتاتورية والانتقال نحو التقدم، وتعوضها في مقابل “الامن” بقبول كل الاجراءات التي تعمد الانظمة على ترتيبها تحت ذريعة محاربة خطر وهمي وغير محدد.

وإذا جازت لنا المخاطرة الى تطبيق منطق المقارنة، نجد أن الاثر المادي والنفسي نتيجة “الاعمال الارهابية”، ضئيل نسبيا مع غيره من الآفات الاجتماعية الكارثية المتعددة الاخرى، دونما أي حشد دولي ولا تجنيد أو دعوات لتشكيل ائتلافات دولية لمكافحة أخطارها التي يعيش”ارهابها” الفقراء عبر كافة ارجاء العالم. والمقارنة هاته ليست لا استصغارا ولا قبولا بالارهاب، إنما هي مقاربة يمكن أن تساعدنا في فهم الخلفيات السياسية الكامنة وراء الحرب المزعومة هاته على داعش.

أكثرة الامراض التي تقتل يوميا الالاف من الناس، ليست ارهابا؟؟

الملايين من الفقراء حول العالم، الذين يموتون من المجاعة، أليس ارهابا؟؟

الالاف من المشردين(نساءا، شيوخا وأطفالا) حول العالم يموتون جوعا وبردا، أليس ارهابا؟؟

وملايين من خريجي الجامعات والمعاهد المعطلين يتم تشريدهم، أليس ارهابا؟؟

وما يحدث في حق شعب فلسطين وأرضه جراء جرائم الصهيونية، من تقتيل ودمار وتهجير قسري، أليس ارهابا؟؟

والعديد من القتلى في البحار وفي حدود البراري، غرقا أو رميا برصاص “جنود حرس الحدود” عبر العالم، ألا يعد عملا ارهابيا؟؟

والعديد من الفيروسات التي تأتي على الآلاف يوميا،(السيدا، السرطان، ايبولا،…)، ألا تعد خطرا يتهدد الناس ويقض مضجعهم؟؟

إن التهديد المادي الذي تشكله “جماعة داعش” متضائل أمام الكثير من المخاطر اليومية الشائعة والتي تتهدد مصير الشعوب، ولكننا أبدا لن نسمع لا أمريكا ولا أوروبا ولا عملائهم بالمنطقة يهرعون لتشكيل ائتلاف دولي لوقف خطرها، وهنا بالذات تتضح الصورة أكثر أن ما يصطلح عليه زورا بالمجتمع الدولي (الامبريالية العالمية) لا يهمه الانسان ولا مظاهر القتل والتخلف والدمار، بقدر أن ما يهمه من داعش الان وقبلها القاعدة وطالبان و…، هي المصالح السياسية والاقتصادية التي سيغتنموها جراء شن حروبهم المريحة تحت يافطة “محاربة الارهاب”.

ولا ينبغي أن ننسى منشأ داعش بسوريا، بعد ان تم تحوير متعمد لمسار شعب سوريا الثوري ضد نضام “بشار الاسد”، وكيف تم “تسريب” هؤلاء المقاتلين الارهابيين الذين صدرتهم كل من السعودية وتركيا وقطر و…، ومن قام بتسليحهم عبر رمي الاسلحة من الطائرات المحلقة فوق سماء سوريا؟؟ ولا زلنا لا ننسى الدول التي نظمت مؤتمرات تحت يافطة “اصدقاء سوريا” الداعمين لما يعرف ب”الائتلاف الوطني السوري المعارض” وكيف صبت الاموال على قياداته من أجل توفير غطاء سياسي للاجرام في حق شعب سوريا (وبالمناسبة لم يعد هناك حديث الان على هذا المجلس المشبوه)؟؟، ولا ننسى قنوات البيترودولار التي تشكل أوكسيجين الدعاية للارهاب وتعمل على تبرير أعماله بعد أن تسبغ عليه صبغة دينية.

الحرب على داعش.. من سيدفع الثمن؟؟

إن الحرب على داعش، في جوهرها لن تخرج عن اطار الحرب على طالبان، والحرب على القاعدة، والحرب على بوكو حرام، والحرب على أنصار…، لهذا يبقى من السهل التنبؤ بمسار ومآلات هاته الحرب، لأنه يكفينا أننا عايشنا كجيل حالي، الحرب المزعومة على الارهاب التي “أتحفتنا” بها أميركا وشركاؤها في كل من العراق، أفغانستان، الصومال، مالي، افريقيا الوسطى و…، وأودت بالمنطقة إلى الخراب والدمار والتخلف ونهبت خيراتها وهجرت شعوبها وتحكمت في مصيرها ووأدت طموح شعوبها في التقدم والتحرر.

أيضا لا ينبغي أن ننسى أن الارهاب يلعب دورا أساسيا في خدمة مصالح الانظمة السياسية القائمة، فهي تحتفظ لنفسها وحدها بممارسة القوة وتحتكر الاستخدام “الشرعي للعنف”، أيضا يتسنى لها أثناء “التهديدات الارهابية” سن قوانين تقيد حركية المجتمع، فلا الحرب ولا الارهاب ولا العنف كلها تنطوي على معاني تتضمن غياب الانسانية والاجرام.

تعمد الانظمة الديكتاتورية إلى إغفال متعمد، أن كل تقييد غير مبرر لحرية التعبير والرأي والمعتقد يؤدي إلى انتشار الارهاب وتغذيته.. واقحام الدين في كل الامور وتبرير المواقف الشخصية والسياسية باسمه تشكل منشأ الارهاب..

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.