خميسٌ متعب في قبيلة ثمسمان.

ذهبت فجر هذا اليوم لزيارة السوق الأسبوعي “رخميس نْ ثَمْسَمَانْ ” الذي إمتلأ بصناديق البطاطة والطماطم وشتى انواع الخضر والفواكه، وبالحمير والبغال والبشر وجُلّ انواع البهائم،
الخامسة فجراً ذهبت لمقهى عمّي “بُوحَلُّوشْ” حيث الناس يُفطرون بالسّفنج والحساء، هكذا فرض عمي بوحلوش عن كل من ذاق طعم حسائه، طلبت حساءً واسفنجتين وجلست،

عمّي بوحلوش يعرف أبي، ويعرف أني إبن أبي، حين قُمت لأَدفع له ثمن الحساء والسفنج، سألني عن مرتيل، لم أُخبره أنها قح.. المدائن، حياءً من لحيته الطويلة ، قلت له:

  • مرتيل جميلة ولكن لا حساء هناك مثل حسائِك،

فرح عمي بوحلوش من حديثي، رسم إبسامة جميلة على شفتيه المُتَشَغْلِمَة، رفض أخذ ثمن الحساء ودعاَ معي بالنجاح وطول العمر،

في السوق نام بائع أحذية على حصير متسخ، أيقظه متسوق يبحث عن حذاء يشتريه، لم يجد هناك حذاء يُناسبه، طلب من البائع السّماح، فقال له الحذّاء مازحاً:

  • اليوم لن تمضي من هنا حتى تشتري من عندي حذاءً أو تدفع ثمن يقظتي..

لم نصل نحن الثمسمانيين إلى الحضارة التي ينادون بها في شتى الوسائل، سوق ثَمْسَمَانْ فارغ من النساء، النساء لا يَتَسَوّقْن في ثمسمان، لا أجساد تَغُرُّ الناظرين، ولا مؤخرات تزاحم اجساد الرّجال المنهكة في ساحة الخضروات،

انعدمت النساء في السّوق فإنعدم الخصام هنا أيضا، الرجال وحدهم لا يتخاصمون، سيطر الحب على الكراهية، التحيا تُقدم من كل عابر على جالس،
عناق مستمر بين شيوخ انهك جسدهم الزمن في ساحة الخرفان، يتبادلون الحكايا وأطراف الكلام، ويسترجعون ذكريات الزمن الجميل، أطفال صغار ينطُّون في الهواء يلعبون ويمرحون بغير مبالات لحقد هذه الحياة،

سائق برويطا كاد أن يدهسني، يتسارع ليكسب أكثر من رزقه، يزمِّر من فمه: (بيب بيب”باعذ بلاك” “إبتعد إبتعد” ) أنا ايضا سقت البرويطا في السوق قبل رهطٍ من الزمن، وكنت أيضا أصيح ملئ حنجرتي “بَـاعَذْ بَلاَكْ” كُنْتُ أتخيل نفسي سائقا ماهرًا، وأنا لم أكن سوى طفل خرأت عليه الحياة وأسعده شقاء طفولته المستلبة..

بعد لحظات عدت إلى بودينار الفيلاج، لا أثر لأحد هنا! سوى بعض التائهين مثلي، إستيقظو باكرا كي لا يمضي النهار عليهم بسرعة، الفيلاج اللذي عشت فيه سبع سنوات لم يعد هو، كل شيئ هنا تغير رغم أني لم أطل عليه الغياب، معظم الشباب هاجروا، ليبحثو عن وطن يضمهم، والباقي سُجن لأنه سرق أو قتل أو قال كلمة الحق، لا فرق بين الأمور الثلاثة كلّها تؤدي إلى السجن، لم يتبقى في الفيلاج سوى الشيوخ والأطفال وقليل من الأساتذة المتعاقدين، لا شغل لهم سوى التسكع في مقهى “شْعَيْبْ إشَارِي ” يُزاحمون الشيوخ في مراقبة حركة السير،

زرتُ بيتي المهجور، إستعرضت وانا جالس وحيدا هناك قابعاً في الظلمة كل ما مرّ معي في حياتي البسيطة، حياتي التي كانت لا شيئ وما زالت لا شيئ، مرت كلها في قتال شرس مع وحش الزمن، أنتقم لشقاء طفولتي، حيث كان الزمن يدقُّ دقَّاته ويمضي، وكنت أنـا الـصّبـي التلميذ المشرد الخادم النّـائم في بيتٍ مهجور، أستعجل الزمن واقول له إمضِ، وها قد مضى، الصبي صار رجلا، وما زال الزمن يدق دقاته ثم يمضي،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.