خطر السعودية على الانتقال الديموقراطي بالمغرب

للتوثيق، يوم الثامن عشر من شهر أبريل سنة 2015، قامت السلطات المخزنية المغربية ممثلة في الشرطة وقوات التدخل السريع بمنع تظاهرة ضد العدوان على اليمن كانت قد دعت إليها القوى الديموقراطية بالبلاد.  وكان المناضلون قد احتشدوا من كل حدب وصوب، وأعدوا اللافتات، وشحنوا أصواتهم المدوية لهذه المناسبة الرمزية العظيمة الأثر. لكن يبدو أن أوامر عليا قد جعلت الشرطة تنتشر وسط المدينة وفي مداخلها ومخارجها وعلى الشوارع المؤدية إليها وحتى في الطريق السيار الرابط بين الدار البيضاء والرباط منذ الظهيرة وقبل موعد التظاهر على الساعة السابعة مساء.

الأوامر العليا هذه المرة لم تصدر عن القصر ووزارة داخليته المنتدبة أو مستشاري الملك أو النافذين في المخزن بآليته السلطوية والبرجوازية، بل كانت مشتركة مع نظام الحكم السعودي تلبية لندائه ودعوته لاتخاذ موقف حازم ضد المتظاهرين.

القصد من وراء المنع بيِّن واضح، فحاكمو السعودية النائية يخشون تزايد الأصوات المنددة بواقع المجزرة ضد المدنيين باليمن، والتحاق الشعب بالمتظاهرين القلة، فيضطر الإعلام الدولي وحتى المخزني التابع إلى بث التفاعل الشعبي ضد عدوانهم على أهل الحضارة.

السعودية أو إمارة آل سعود لم يأتوا إلى سدة الحكم عن طريق الاقتراع الذي وضعته القوانين الإنسانية أو حتى بمنظومة الشورى المقررة في التشريع الإلهي، بل وجد فيهم الإنجليز مادة خاما لاستنزاف شعوب المنطقة والسيطرة على حركتها التاريخية ومقوماتها المادية والروحية.  هؤلاء الذين لا يملكون شرعية ولا منهاجا سوى الاستبداد يزعمون الدفاع عن الشرعية، وهم الذين دعموا الانقلاب في مصر، وصدّروا فتاوي الدمار إلى العراق وسورية، وقمعوا الشعب البحريني الأعزل خلال انتفاضاته الأخيرة مستأسدين عليه بالدبابات والمراوح والغازات والرصاص.

هؤلاء الذين ساهموا في إنتاج داعش وثقافة التفجير وحولوا مدنا في المشرق والمغرب إلى أوكار للدعارة والقمار أصبحوا يحاضرون في المشروع والباطل. اليوم يستقوون على أحد أفقر الدول في الكرة الأرضية، سكان الجبال الوعرة الذين هُمشوا خلال فترة الديكتاتور صالح ولم يكونوا أوفر حظا بعد الثورة. قد أرادوا لليمن شخصية مستقلة عن أجندات شيوخ الجزيرة وأنظمة حكمهم التابعية، فقررت قوى الاستعمار محاربتهم بتمويل سعودي وجيوش تم شراؤها نقدا بمال النفط وعلى رأسها الجيش المغربي.

لا ناقة للشعب المغربي ولا جمل في الحرب بالوكالة على اليمن، تلك بلادهم، وهم بعيدون عنا جيوسياسيتا واقتصادا ومسافة، وإن كان لا بد من التدخل فبإيجاد وسائل سلمية بديلة لحل النزاع ودعوة الأطراف اليمنية إلى الجلوس حول طاولة الحوار للتوصل إلى اتفاق يجنب المدنيين عواقب الحروب ويحمي بلادهم من الخراب. وأما أن يُعتدى على الضعفاء فالموقف العقلاني والعادل يميل إلى مؤازرة المعتدى عليهم عوض تنفيذ أجندات سعودية وبريطانية وصهيونية في المنطقة.

إن مشاركة الجيش المغربي في العدوان على اليمن السعيد خرق للدستور المخزني غير الشعبي نفسه، فقد كان قرارا استبداديا صِرفا للملك دون اللجوء إلى موافقة أو اعتراض ممثلي الأمة افتراضا كما يحدث في الدول التي تحترم مواطنيها.

لقد أخفقت الملكية كرتين، الأولى حين أقحمت الجيش المغربي المموَّل من المواطنين دافعي الضرائب في العدوان على اليمن، والثانية حين منعت المتظاهرين المناوئين للقرار الملكي الفردي الذي يخدم أصدقاءه في النادي الخليجي.

هذا التحالف التام دون موافقة الشعب يضر المغرب على المدى البعيد، فقد جر الخليجيون دولا عريقة إلى الحروب وعرَّضوا حضاراتها إلى الدمار، مولوا بؤر النزاع عبر العالم، دفعوا الأموال لتغذية النعرات الطائفية، واتخذوا الدين مطية لشرعنة استغلال ثروات شعوبهم. يحسبون المال قيمة بديلة لكل شيء ولو كان حضارة وقيم  وتاريخ شعب عريق مسالم كاليمن.

بعد إخفاقهم المبين في عاصفتهم الحازمة ضد بلاد اليمن السعيد وإعلانهم الانسحاب من جوها دون أن يطأوا أرضها، عمد آل سعود إلى تهديد سوريا بعاصفة حزم أخرى أيضا. كأنهم لا يعرفون سوى العواصف التي ستأتي يوما على خيامهم. فلا عجب لماذا رقص الامير تشارلز ولي العهد البريطاني في أحد مهرجاناتهم مؤخرا، إنها السخرية من الغباء السياسي الذي سيفتك بهم.

أتساءل الآن بعد إقحام جيشنا في هذا الخطأ الكارثي، ما الفرق بين جيشنا المغربي ومرتزقة البوليساريو، وكيف ندافع عن وحدتنا الترابية وقد أضحينا بسبب نقص الحصافة الملكية طرفا في تشكيل يهدد وحدة اليمن؟ وأي صورة نسوقها للديموقراطية، أتلك النابعة من إرادة سياسية حقيقية ونية صادقة تتطلع إلى مستقبل مشرق لهذا البلد أم ديموقراطية انتقائية، المصالح الفردية فيها تشفع لقمع شريحة كبيرة من الشعب قد قالت لا للتدخل العسكري في شأن اليمن؟ وإلى متى سيظل القائد الأعلى للقوات المسلحة مترفعا عن استشارة النخب التي تحب هذا الوطن قبل المجازفة بخوض غمار حروب قد تصيبنا يوما ما بنيرانها؟ أترك الإجابة للذين لا مصلحة لهم مادية سوى رقي هذي البلاد ولا ينتمون إلا لنادٍ اسمه الوطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.