خرجة مايسة .. ادعاءات وافتراءات حول حراك الريف وزيارتها للحسيمة

محمد المساوي

نشرت جريدة هسبريس الالكترونية حواراً مصوراً مع المدونة المشهورة مايسة سلامة الناجي، خُصّص الحوار للحديث عن التغيرات التي طرأت على مواقف المدونة، سواء مواقفها السياسية او مواقفها الدينية والحياتية والشخصية، وخلال الحوار تم التطرق لزيارتها الى الحسيمة ثلاثة اسابيع قبل بداية الاعتقالات شهر ماي السنة الماضية.

لا يهمني في هذا المقام مناقشة المواقف السياسية والشخصية لمايسة، بل ما يهمني أساساً هو مناقشة ما ورد على لسانها في ذات الحوار حول حراك الريف وزيارتها للحسيمة، وكذا لقاءها مع الزفزافي والمرتضى وباقي نشطاء الحراك.

جدير بالذكر أن زيارة مايسة إلى الحسيمة السنة الماضية كانت قد اثارت الكثير من الجدل والقيل والقال، وكان هذا الحوار مناسبة لتسرد “حكاية” زيارتها للحسيمة وما خلفته من تبعات ومن أسئلة وتشكيك، وهذا ما أود مناقشته والتفاعل معه في هذا المقال، وهذا بيان ذاك:

1- تحدثت السيدة مايسة عن زيارتها للحسيمة وعما دار بينها وبين الزفزافي؛ ماذا قال لها في الرسائل التي تبادلها معها، وبماذا ردّت عليه؟طيّب، في تقديري ما قامت به مايسة تغيب عنه المروءة، إذ أن أخلاقيا لا يصحّ وبل من العيب ومن قلة الأدب، أن تتحدث عما دار بينك وبين طرف ثانِ، وهو حديث خاص بينكما لا يعلمها غيركما، أن تفعل هذا والطرف الثاني مُغيّب، لا حول ولا قوة له، لا يملك أن يرد على ما قلته ايجابا ولا سلباً، لا يملك أن يؤكد ولا أن ينفي، أن تفعل هذا فهذا فيه  تطاول واجحاف في حق الاخر، لاأنك تنقل ما دار بينكما برواية واحدة، يتعذر على الاخر تأكيد الرواية ولا نفيها، وهذا قد يترتب عنه ظلم الاخر وتقويله ما لم يقله، أو تأويل ما قاله بغير ما قصده.

مثلا، عندما تقول مايسة أن ناصر ارسل لها رسالة بعد أن علم بخير قدومها الى الحسيمة، يرحب بها وترك لها رقم هاتفه في الرسالة، وكان هناك تواصل بينهما وهي في طريقها الى الحسيمة، اثناء هذا التواصل اقترح عليها ناصر أن يجد لها منزلا مأثثا للكراء إن أرادت: “قال لي شوفي راه بزاف ديال الناس هنا كيكريو ديور رخاص الا بغيتي نشوف لك قبل ما توصلي”، هذا ما قاله ناصر لمايسة حسب ما حكته هي بالحرف، ثم يأتي ردّ فعلها على كلام ناصر بقولها: “وانا تخلعت (مع رسم ملامح الخوف والاستغراب على وجهها) قلت لا..جا اكْرِي ليّا ..ما يكري ليّا..نمشي نشد شي اوطيل” وتضيف قائلة: “قال لي إنا أوطيل غتشدي؟ قلت فراسي منقوليهش حتى نوصل اونشد شي اوطيل على غلفة..را انا كنت خايفة”.

من خلال هذا الحوار الثنائي الذي جمع ناصر ومايسة ونقلته لنا هذه الاخيرة، يبدو كما لو أن ناصر اقترح على مايسة أن يقوم بكراء منزل لها قبل أن تصل إلى الحسيمة، رغم أن ناصر لم يقل هذا ابدا، بل هذا ما فهمته مايسة فقط ولم يقله ناصر، اذ هو قال لها: “شوفي راه بزاف ديال الناس هنا كيكريو ديور رخاص الا بغيتي نشوف لك قبل ما توصلي”، من هذه الجملة لا شيء يوحي أن ناصر يقترح أن يكتري لها منزلا كما فهمتْ هي، بل الراجح أن ناصر اقترح أن يساعدها في ايجاد منزل معدّ للكراء، حتى إذا وصلت إلى الحسيمة لن تقوم بالبحث عن المأوى، بل ستذهب مباشرة الى المنزل الذي ستكتريه. وهذا جاري به العمل بين الاصدقاء والمعارف، خاصة في المدن الساحلية، شخصيا حدث لي أكثر من مرة أن اقترحت على الاصدقاء والصديقات الذين يزورون الحسيمة أن اساعدهم في ايجاد منزل للكراء إن أرادوا، فأقول لهم بعد حديث بيننا: “را كانين ديور هنا مفرشين رخاصين الا بغيتو نشوف ليكم شي وحدة” فهل هذا يعني أنني اقترح أن أكتري لهم منزلا؟ أم أنني اقترح عليهم مساعدتهم في ايجاد منزل للكراء؟ لكن مايسة من خلال الحوار ارادت أن توصل لنا أن ناصر اقترح عليها أن يكتري لها منزلا، والحقيقة هي انه اقترح عليها أن يساعدها في ايجاد منزل للكراء.

ورغم هذا، قد نذهب مع مايسة في روايتها، ونصدقها حرفا حرفاً، لكن أليس حريا بنا أن نسمع أيضا كلام ناصر لنتأكد؟ وعليه أليس من قلة الادب الحديث عما دار في حوار ثنائي بين اثنين، دون أن يكون أحدهما قادرا على التفاعل وابداء رأيه في الحديث الذي كان ثنائيا، والان خرج إلى العموم ولم يعد حديثا ثنائيا وخاصاً؟

في موضوع اخر، تقول مايسة تعليقاً على صورة “صحن السمك” المعروفة، التي خلفت ضجيجا على مواقع التواصل الاجتماعي حينها، حيث ظهرت في الصورة مايسة مع نشطاء حراك الريف خاصة ناصر الزفزافي، وهم يتناولون وجبة السمك في ميناء الحسيمة. مايسة قالت في روايتها: “طبسيل د الحوت عطاوه لينا الصيادة فرحو بيّ حيت كلشي كيعرفني تما، فرحو بيا..فابور..تصورنا معاه دكشي كان عفوي..”، مايسة من خلال روايتها تريد أن تبلغنا أن بحارة الميناء أهدووا لهم السمك مجانا، فرحا بقدومها، ولانها معروفة ومشهورة عندهم، وفي هذا ذاتية مفرطة ومنتفخة، والحقيقة أن السمك منحه البحارة لنشطاء الحراك وليس لمايسة، اذ أن السمك كان سيكون مجانا سواء كانت برفقة نشطاء الحراك مايسة او سلافة او كان برفقتهم جامع كولحسن او فيصل القاسم، وهذا ما اكده ناصر نفسه، في فيديو توضيحي حينها، بعد الضجيج الذي رافق ظهور تلك الصورة، ناصر قال أن السمك منحه البحارة لنشطاء الحراك تقدير منهم للحراك ولنشطائه وتعبيرا عن انخراطهم الكامل في الحراك. ومايسة تقول ان السمك منحه لهم البحارة تعبيرا منهم على فرحتهم  بقدومها إلى الحسيمة ولأنها مشهورة عندهم ومعروفة. اذن واضح أن ناصر حكى قصته عن السمك، ومايسة حكت قصتها ايضاً، لكن القصتين مختلفتين تماما، حدث هذا في موضوع عام تتبعه الجمهور حينها، وتفاعلوا معه، كما أن الموضوع حضره أشخاص اخرون يمكن لهم تأكيد رواية ناصر او رواية مايسة او قول روايتهم الخاصة. إذا كان الاختلاف في رواية الطرفين بصدد موضوع عام، شاركت فيه اطراف أخرى وتتبعه اشخاص اخرون، فكيف سيكون الحال عندما يتعلق الأمر بحديث ثنائي بينهما فقط؟ أكيد، ليس مستبعدا أن تزيد مايسة ما تشاء وتنقص ما تشاء وتُأَوّل ما تشاء، قد يحدث ذلك أحيانا عن حسن النية وسوء فهم، وقد يكون رغبة في اظهار الذات بمظهر البطولة، او حتى إدّعاء اشياء غير كائنة لغرض في نفسها، وهذا ما تبين بوضوح من مثال “الكراء” الذي أوردته أعلاه.

2- في الحوار تحدثت مايسة عما اسمته كرونولوجيا زيارتها للحسيمة، وهنا حاولت أن تجيب عن الاسئلة التي رافقت توقيت زيارتها للمدينة. تتبعتُ الحجج والمبررات التي ساقتها لتبرير توقيت زيارتها للحسيمة، ولتبرير سكوتها لما يزيد عن 7 أشهر من الحراك، فبدا لي واضحا أنها لم تقدم أجوبة مقنعة ولا حججا قوية، بل حاولت تبرير زيارتها وتوقيتها بطريقة غارقة في التبسيط وادعاء السذاجة، في حين الواقع غير ما حاولت أن توحي به مايسة.
بررت مايسة عدم تفاعلها مع الحراك، وعدم الكتابة عنه، بكونها لم تكن تفهم فيديوهات ناصر الزفزافي لانه كان يلقيها بالريفية، بهذا المبرر المضحك أرادت أن تبرّر 7 اشهر من الصمت، إلى أن استفاقت فجأة، فقررت زيارة الحسيمة والتقاء نشطاء الحراك في بداية ماي 2017، ثم الحديث عن الحراك وكتابة مقالات عنه. الحقيقة أن ناصر الزفزافي كان يُكثر الحديث في “اللايف الفايسبوكي” بالريفية، لكنه أيضا كان يخصص فيديوهات ولايفات للحديث بالدارجة والعربية الفصحى، كما كان لناصر الزفزافي حساباً فايسبوكياً بتابعه الالاف، ينشر على حائطه تدوينات بالفصحى عن الحراك وتطوراته ومطالبه وكل شيء، اضف الى ذلك أن حدث استشهاد محسن فكري فرض نفسه على المغاربة قاطبة، وبل فرض نفسه كحدث يجلب الانتباه في المحيط الاقليمي وليس وطنيا فقط، فكيف يُعقل أن نصدق مايسة بأن سرّ سكوتها عن الحراك الذي انطلق مع اسشهاد محسن فكري يوم الجمعة 28 اكتوبر ولم تنتبه له إلاّ في ماي 2017 بعد أن تلقت رسائل عتاب وتشكيك من طرف نشطاء الريف، حول عدم متابعتها لاحداث الحراك والتفاعل معها؟

بالاضافة إلى الاعتراض الذي قدمناه في الفقرة السابقة، يمكن تقويض ادعاء مايسة من عدة جهات:

أولا: لايفات ناصر لم تكن هي الوحيدة المعبرة عن الحراك، بل كانت هناك وسائل ووسائط أخرى، من بينها مثلا: تم تنظيم ندوة صحفية في الذكرى الاربعينية لاستشهاد محسن فكري يوم 10 دجنبر 2016 على منصة ساحة الشهداء، وكانت جل فقراتها بالدارجة واللغة العربية، تفاعل المجاوي وناصر وشاكر مع اسئلة الصحافين، وفعاليات هذه الندوة مازلت موجودة على اليوتوب.يعني بغض النظر عن فيديوهات ناصر  بالريفية، كانت هناك فيديوهات لناصر ونشطاء اخرين يتحدثون عن الحراك وتطورات ملفه المطلبي بالعربية والدارجة.

ثانيا: حراك الريف صاغ ملفاً مطلبياً شعبياً، بدأ النقاش فيه ميدانيا وفايسبوكيا منذ شهر نونبر 2016، وتم عرضه بشكل جماهيري للمصادقة عليه اوائل مارس 2017، حيث تلاه ناصر الزفزافي امام الجماهير بالغة العربية، ونقلته مباشرة العديد من الصفحات الفايسبوكية، كما ان الفيديو ما زال موجودا على اليوتوب. وكان مقررا أن يتم عرض الملف المطلبي يوم 5 فبراير، لكن بسبب التدخل الامني تم ارجاء ذلك الى اوائل شهر مارس، ومنذ ذلك الوقت الصيغة الورقية للملف المطلبي كانت منشورة على صفحات الفايس والمواقع الالكترونية، كان يمكن للانسة مايسة أن تستأنس بها لتفهم ما دامت لا تفهم ريفية الزفزافي في الفيديوهات.

ثالثا: كيف يقبل عقل سليم أن مايسة استنكفت عن متابعة الحراك والكتابة حوله لانها لم تكن تفهم فيديوهات الزفزافي؟ هل يمكن لشخص يقدم نفسه أنه “صوت الحق” و”صوت الشعب” ومدونة مشهورة يتابعها أزيد من مليون شخص في الفايسبوك، لكنها لم تستطع مواكبة أهم حدث ظل يهز البلد طيلة 7 اشهر، لأن زعيم هذا الحراك كان يتحدث في أغلب فيديوهاته بالريفية؟ لماذا هذا الاستبلاد؟ كان يمكن لك يا مايسة أن تبحثي أو تتواصلي مع النشطاء الذين يتحدثون بالعربية والدارجة ليطلعوك على كل كبيرة وصغيرة، ما دمت لا تفهمين ريفية الزفزافي؟ ألا ترين أن هذه الحجة المضحكة التي تقدمينها ترتدّ ضدك وليست ابدا مبررا مقنعا، هل تريدن اقناعنا أن سبب عدم مواكبتك للحراك والكتابة عنه في السبعة أشهر الاولى لانطلاقه، يرجع لسبب واحد هو أنك لا تفهمين ما يقوله الزفزافي في فيديوهاته؟ هذا انتقاص من نفسك اذ كنت تقدمين نفسك مدونة الشعب، ومع ذلك راحت عليك سبعة أشهر من الاحداث المهم، ولم تكتبي عنها حرفا، لهذا السبب؟

رابعا: مايسة تحدثت في حوار هسبريس عن كونها ذهبت لزيارة الحسيمة بعد أن تعالت رسائل العتاب والتويبخ من طرف متابعيها المنحدرين من الريف حول عدم كتابتها عن الحراك واحداثه، بمعنى أن مايسة في هذا الحوار تؤكد أن سبب زيارتها كان بغرض الكتابة عن الحراك وفهم احداثه وتطوراته، لكن ليس هذا ما قالته السنة الماضية حين أعلنت عبر صفحتها الفايسبوكية عن زيارتها للحسيمة، حينها تحدثت مايسة أنها ذاهبة إلى الحسيمة للبحث عن حل وسط، هذا ما قالته بالحرف في تدوينة لها حينئذ، وتحدثت أيضا عن تقريب وجهات النظر بين المحتجين والدولة، لكنها الان تعود وتقول أنها ذهبت الى الحسيمة بغرض التعرف على الحراك والنشطاء عن قرب لفهم ما حدث. كان على الصحفي أن يطرح عليها هذا السؤال: كيف تقولين الان انك ذهبت للتعرف على الحراك وفهم ما يحدث، بينما السنة الماضية قلت انا ذاهبة الى الحسيمة للبحث عن حل وسط؟ إِذْ أنّ بين الامرين بون شاسع (أي: بين الذهاب الى الحسيمة بحثا عن حل وسط حسب ما قالته السنة الماضية، وبين الذهاب الى الحسيمة للتعرف عن الحراك وفهم احداثه كما قالت في هذا الحوار)، لكن ربما لأن الصحفي الذي حاورها لم يكن متتبعا بشكل دقيقة لهذه الزيارة، لذلك فاته أن يطرح هذا السؤال. ونحن نعيد هنا طرح السؤال من جديد على الانسة مايسة: “هل كانت زيارتك الى الحسيمة في بداية ماي 2017 بهدف البحث مع النشطاء عن حل وسط، والبحث عن تقريب وجهات النظر بين المحتجين والدولة كما قلت حينها على صفحتك الفايسبوكية، أم أنك ذهبت لزيارة الحسيمة بحثا عن المعطيات ولقاء النشطاء لفهم حراك الريف جيدا والكتابة عنه كما قلت في حوارك الاخير؟”

أخيراً، هذا المقال لا يروم اثبات تهمة ولا إصدار حكم قيمة، بل يروم أولا وأخيرا نشدان الموضوعية والتفاعل مع ما قالته مايسة في الحوار بطرح الأسئلة وايراد المعطيات الغائبة أو المغيّبة عن الحوار، لأن حديث مايسة في حوارها عن حراك الريف تعتريه العديد من مناطق الظّل، ولم تقدم أجوبة مقنعة حول سر توقيت زيارتها للريف، وسر سكوتها لمدة 7 أشهر من الحراك الذي عرف احداثاً عديدة، منها المسيرة الاربعينية في دجنبر 2016، واعتصام ساحة الشهداء يوم 5 يناير 2017 الذي شهد تدخلاً امنيا ليلاً، ثم منع مسيرة 5 فبراير والتدخل بقوة لمنع المتظاهرين من الوصول الى ساحة “كلابونيطا” بعدما تم حصار ساحة الشهداء بالمعرض المعلوم، ثم احداث امزورن والحريق الذي شب في منزل كان تقطنه عناصر أمنية اواخر شهر مارس 2017… كل هذه الاحداث لم تلفت انتباه مايسة؟ أو بالاحرى فيديوهات ناصر بالريفية وضعت حجاباً بين مايسة وبين متابعتها لهذه الأحداث؟؟

يمكن لك يا انسة مايسة سلامة الناجي، أن تقولي ما تشائين عن حياتك الشخصية، ولك الحق أن تغيري مواقفك كما تشائين، لكن ليس من حقك الكذب على حراك الريف، وليس نبلا أن تُخرجي للعموم محادثاتك مع شخص معتقل، لا يستطيع الآن تأكيد ولا نفي ادعاءاتك.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.