خديجة السويدي.. عنوان بؤس هذا الوطن

محمد المساوي

قبل ثلاثة أسابيع أقدمتا أختان على الانتحار بمدينة امزورن اقليم الحسيمة، في حيثيات الفاجعة، قيل إن الراحلتين ضاقتا ذرعا بتسلط والد جلف قاس وزوجة الاب، لم تتحمل الأختان العيش في مثل هذه الظروف القاسية والظالمة فقررتا توديع الحياة بشنق نفسيهما على جذع شجرة في نهار يوم صائف..

كان الحبل وكانت جذوع الشجرة بالنسبة إليهما أرحم من قسوة الحياة…
هكذا قررت الصغيرتان اللتان لا يتعدى سنهما 20 سنة وضع حد لمعاناتهما بعدما لم يأبه لهما المجتمع ولا الدولة ولا يد حنونة امتدت اليهما، كان الحبل هو طوق النجاة من حياة صارت كالجحيم، بالنسبة إلى فتاتين تعيشان شظف العيش في احدى قرى الوطن المهمشة، بالاضافة الى انهما فتاتان في مجتمع ذكوري قاسِ، ينسب كل افعال البطولة إلى الرجل، وكل الفواحش والشر إلى المرأة…

بعد أن وقع الذي وقع، استدعت السلطات المختصة أب الطفلتين وتم التحقيق معه، لكن ماذا سيُفيد التحقيق مع الاب؟ وماذا سيفيد سجنه ولا حتى اعدامه؟ بعد أن فقدنا فتاتين في عمر الزهور، كان ذنبهما الوحيد أنهما ولدتا في مجتمع لا يرحم، وتحت سلطة دولة لا تتدخل إلا عندما تسيل الدماء…
قبل أسبوع، وفي ضواحي منطقة الرحامنة على تخوم مدينة بنجرير أقدمت خديجة السويدي على الانتحار باحراق ذاتها، خديجة؛ الفتاة القاصرـ تعرضت لاغتصاب جماعي من طرف ثمانية ذئاب بشرية، تناوبوا على اغتصابها وتعذيبها لمدة 48 ساعة وقاموا بتوثيق عمليات الاغتصاب بهواتفهم الخاصة، كانوا مزهويين بهذه الحفلة السادية على جسد فتاة عزلاء، ذنبها الوحيد أنها وُلدت أنثى في مجتمع ذكوري لا يرحم..
بعد ذلك تم اعتقال المعتدين الثمانية، لكن لم يلبثوا قليلا تحت الحراسة النظرية حتى اطلق سراحهم، تقول والدة خديجة “أنهم استفادوا من تدخلات واكتفوا بإمضاء الفترة الزمنية القصيرة التي قضوها في السجن على ذمة التحقيق”
بعد ذلك تم اخلاء سبيلهم وعاد البعض من هذه الذئاب الى ابتزاز خديجة، خيّروها بين الرضوخ لنزواتهم او التشهير بها من خلال نشر فيديوهات اغتصابها…
خديجة طرقت كل الابواب لكن لا من مجيب،  تقول والدتها في تصريح لموقع “اليوم 24″بأن ابنتها  كانت عاجزة عن تأمين الأتعاب المادية لمحام كي يؤازرها في قضيتها، و”ظلت تصر أمام الدرك الملكي وقاضي التحقيق بأن واقعة الاعتداء الجنسي الجماعي عليها كانت مقرونة بظرف تشديد يتعلق بتصويرها في أوضاع خليعة وهي تتعرض للاغتصاب الجماعي، مطالبة بإجراء معاينة لهواتف بعض المتهمين وتفريغ هذه الفيديوهات وتحمليها في قرص مدمج وتقديمها للنيّابة العامة كأدلة تدين مغتصبيها، غير أنها استطردت بأن مطالب الضحية لم تتم الاستجابة لها، وسرعان ما تحولت الفيديوهات التي كان مفترضا أن تكون قرائن في مواجهة المتهمين إلى وسائل للابتزاز والانتقام ضد الضحية نفسها.”

نتيجة هذه الحكرة المزدوجة؛ حكرة الاغتصاب الجماعي، وحكرة لامبالاة السلطات المختصة وعدم قدرة الراحلة على الولوج الى العدالة بسبب عجزها عن تأدية متاعب المحامي الذي سيترافع عن قضيتها، قبل ثلاثة أسابيع حاولت خديجة الانتحار أمام عجلات القطار، قبل أن يتدخل حراس السكة لانقاذها من انتحار محقق، فشلت خديجة في وضع حد لحياتها تحت عجلات القطار، لكن بعد ثلاثة اسابيع من هذه المحاولة، أعادت الكرّة مرة ثانية، هذه المرة اشترت قنينة مادة مشتعلة، وقصدت احدى ساحات المدينة، افرغت محتوى القنينة على نفسها وأشعلت النار بواسطة ولاعة كانت معها، ووضعت حدا لمرارة الحكرة التي عاشتها..
بعد أن اشتعلت النيران في جسدها البض، وصلت عناصر الامن الى مكان الحادث، وتم نقلها في سيارة الاسعاف الى المستشفى، بينما هي كانت تردّد: “لم تأخذوا لي حقي من المعتدين عليّ..لم تنصفوني فأخذته بنفسي ومن نفسي…”، بعد 36 ساعة من المكوث في المستشفى، غادرت خديجة الحياة في قلبها غصّة حكرة مزدوجة، لم تجد سندا ولا عونا ولا يدا حنونة تكفكف آلامها وجراحاتها…
المجرمون في هذه المأساة، ليسوا هم الذئاب الثمانية الذين اغتصبوها فقط، بل أيضا كل الذين لم يأخذوا بيد خديجة، كل الذين طرقت أبوابهم ولم ينصتوا إليها. كيف يُعقل: فتاة تقدم على الانتحار في مكان عام (السكة الحديدية) ولم ينقذها من الموت إلا حراس السكة، كيف يُعقل أن لا تُخضع هذه الفتاة لمتابعة طبية وامنية حفاظا على سلامتها…ولماذا لم يأخذ رجال الدرك وقاضي التحقيق بتوسلاتها حول التحقيق في توثيق الجريمة بهواتف الجناة؟
إن مأساة كل من فتاتي امزورن وخديجة ترجع في جزء كبير منها الى صعوبة الولوج إلى القضاء، كان بامكان الاختين أن تلجآ إلى القضاء للتخلّص من قسوة الأب، كما كان من المفترض أن ينصف القضاء خديجة، حتى وإن كانت لا تملك ما تدفعه كأتعاب للمحامي. في اسبانيا، مثلا، ثمة محامي يسمى “محامي الشعب” تقوم الدولة بأداء التعويض عن اتعابه مقابل تقديم خدماته للفئات المعوزة غير القادرة على تأمين اتعاب المحامي.

خديجة والاختان ضحايا دولة تنتصر للقوي ولا تأبه بالضعيف، ضحايا مجتمع ذكوري غارق في الجهل، ضحايا نظام حكم عليهن بالبؤس والعذاب…
ثمة شيء فاسد في هذا الوطن، علينا أن نقولها بصراحة، نحن في حاجة إلى ثورة مزدوجة، ثورة تكنس هذا النظام المسؤول عن البؤس والفقر واللامساواة وغياب العدالة الاجتماعية، وثورة تخلخل بنية المجتمع الغارق في الجهل والرازح تحت سطوة الذكورية البليدة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.