“خدام” الدولة و”رعية” الدولة.. أو حينما تصير المواطنة والوطنية درجات وخدمات

محمد زاهد

لعل تلاميذ المدارس العمومية من جيل الستينيات والسبعينيات ممن درسوا في المقررات الدراسية القديمة في مرحلة الطور الابتدائي، لازالوا بالتأكيد يتذكرون عن ظهر قلب، مقولة- شعار: “المغرب لنا لا لغيرنا”، بعد أن كنا نشحن به من لدن معلمين ونحن أطفال ببراءة أكبر من حجم وقدرة استعابنا آنذاك لما كنا نتلقاه من “شحنات” الوطنية، أو حتى البيت الشعري الذي كان يلقن خلال السنة الاولى ابتدائي للتلاميذ، والذي مطلعه: ” وطني الغالي.. لك إجلالي.. أنت في قلبي.. أنت في دمي…”. لكن، ومع توالي السنين ونضج العقل الطفولي أكثر، كانت حقيقة هذه الشعارات تتهاوى، وكأنها كانت خدعة، رغم أن عشق الوطن لا يقاس ب “الكلامية”، بقدر ما هو قيمة ومبدأ فطري ومقدس، أغلى من كل شيء آخر. وقديما قال الشاعر: “بلادي وإن جرت علي عزيزة.. وأهلي إن ظنوا عني كرام”.

ومثلما خدعنا في لعبة “الوطنية” ونحن صغار، كانت نفس اللعبة قد انطوت على أباءنا وأجدادنا وهم كبار، إذ منذ عقود من الزمان كان إيقاع “الوطنيتين”؛ أي وطنية الخدام الأوفياء من الوطنيين، ووطنية المواطنين من الدرجة الثانية، كان يرسم مزيد من متسع المساحات والمسافات الفاصلة بين حدود هذين الصنفين، وهو واقع يشبه واقعا آخرا ظل يحكم سيرورة مغرب “الدولة الحديثة”. يتعلق الأمر بثنائية:المغرب النافع#المغرب غير النافع، أو المنتفع به. وهكذا صارت “الوطنية” في كثير من تجلياتها درجات. أما وأنها قد أصبحت درجات وخدمات، فإن للحكاية بداية.

بدأ كل شيء هذه المرة، كما في مرات سابقة ولاحقة، حينما انتشرت أخبار، وفيما بعد تأكيدات، عن استفادة عبد الوافي لفتيت، والي جهة الرباط، سلا، القنيطرة، عامل عمالة الرباط، من بقعة أرضية مساحتها 3755 متر مربع بأحد أرقى أحياء الرباط بثمن 350 درهم للمتر من طرف مديرية أملاك الدولة، في حين أن الجدول الذي وضعته إدارة الضرائب للاحتكام إليه في تحديد المبلغ الواجب أداؤه على بيع الارض، يحدد الثمن للمتر المربع في هذه المنطقة في حدود 5000 درهم، تبعا لما أكدته جهات متتبعة للملف. ما أن دوت هذه “الفضيحة” وبدأت نيرانها تشتغل، حتى كان بلاغ وزارتي الداخلية والمالية بمثابة الإطفائي الذي جاء للسيطرة على شظايا الملف، وهو البلاغ الذي أشار إلى أن “ثمن وشروط اقتناء القطع الأرضية التابعة لهذه التجزئة، يحددها بتدقيق مرسوم للوزير الأول صادر بتاريخ 26 كانون الاول/ ديسمبر1995.
وقال ذات البلاغ إن الأمر يتعلق بـ “شراء قطعة أرضية تابعة للملك العمومي، وأن هذه القطعة الأرضية جزء من تجزئة سكنية، مخصصة لموظفي وخدام الدولة، مند عهد الملك الحسن الثاني”. وهنا كثيرة هي التساؤلات والاستغراب الذي تناسل بعد ذلك، وما يزال الموضوع مفتوح، بعد أن تواردت أسماء وأسماء من المستفدين، ممن صنفوا في خانة “خدام الدولة”، بل ويبدو أن صيف هذا الملف سيكون على صفيح ساخن.

بعيدا عن تفاصيل هذا الملف، الذي ذكرنا بملف “تعويضات” وزير المالية السابق في إطار ما يعرف ب “تعويضات مزوار وبنسودة”، واختلالات واختلاسات “السياش” في وقت سابق…، وفضائح مالية أخرى مست العديد من المؤسسات، وربما القادم أسوأ لو تمت تعرية كل الزوايا المعتمة ل “الفساد المالي والإداري”، بعيدا عن هذا، وداء العطب قديم كما يقال، وجزء من بنية قائمة، يبدو أن الأمر يتجاوز حدود تفويتات أو تسهيلات أو امتيازات أو مكافأة ل “خدام” أو ممن كان يطلق على أمثالهم في الرسائل السلطانية خلال القرن 19 ب “المحب الأرضى”، لأن البعد الجوهري والفلسفة التي تقوم عليه هذه العملية، تتعلق بآلية ممأسسة وضاربة الجذور في أعماق بنية النظام السياسي القائم على “العطايا” و”الهبات” و “الامتيازات”…

إلا أن الأهم في هذا الأمر، هو الشق المحدد والمؤسس، من خلال هذه الممارسات والسلوكات والأدوات المستعملة كآليات سلطوية، لمفاهيم المواطن، والمواطنة، والوطن، والوطنية، بما تعنيه من مساواة وعدالة وشفافية وتقاسم عادل للثروات والقيم، كما أنه يساءل مفاهيم “الخدام” و”الرعية”، ولربما “الوفاء” في مقابل “الخيانة”. بمعنى آخر، والواقع أن لا أحدا له الحق في الطعن أو التشكيك في وطنية الأخر، وحتى لو كانت هذه الوطنية درجات، فلا شيء يبرر تكريس مقولة: “إفقار الفقير، وإغناء الغني”. وإذا كان الأمر يتعلق بخدام الدولة وموظفيها، فلا ينبغي أن يقتصر ذلك على أسماء لفتيت، لشكر، بوسعيد، حصاد، حجيرة، تغوان… إذ كم من موظف وخادم من المغاربة أمضى حياته وفيا باحثا عن لقمة سائغة وحد أدنى من الشروط الاجتماعية لعيش كريم، لم يسبق لهم أن عرفوا لكرم “أملاك الدولة” سبيلا، وكم من مرارة ابتلعها هؤلاء في صمت، لأن الانتماء للوطن عندم أكبر من أي شيء آخر، رغم أنهم خدعوا في مقولة: الوطن يتسع للجميع. نتقاسم الوطن فلنتقاسم خيراته… واكتشفوا أن ضمير “نحن” يعود على ضمير “هم”، وليس نحن-كلنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.