خالد البكاري: حركة 20 فبراير من “الداخل” أو المونتاج غير البريء توضيحات ضرورية حول الفيديو “الوثائقي” الخاص بحركة 20 فبراير الذي أنتجه موقع “نون”.

صدمت بعد متابعتي للشريط كاملا من حجم تدخل صاحب “التحقيق” عبر حذف مقاطع من شهادات المتدخلين،و ذلك بهدف توجيه الشريط توجيها يخدم غايات معينة (شخصيا أجهلها،و لن أجهد عقلي في التفكير بها)،و قد صدق من قال:”المونتاج هو كتابة ثانية للوقائع المصورة”،،ففي عمليات البتر و الاجتزاء تكمن بعض من حقيقة الخلفية المختبئة وراء اختيار “أصحاب” الشريط التركيز على مواضيع: التمويل – التدخل الأجنبي – النواة الصلبة ….
لا أخفي أني تعاملت بسذاجة مفرطة و ثقة عمياء حين طلب مني صاحب “التحقيق” محمد سموني الإدلاء بشهادتي بخصوص المواضيع الآنفة،لعامل “الصداقة” و لإيماني بضرورة أن نروي الوقائع كما شهدناها،بدل أن تروى نيابة عنا،أو نتركها للتقادم حيث ستشوهها أعطاب الذاكرة و النسيان.
لذا أرى لزاما علي تقديم التوضيحات التالية:
1-لا أدري نية صاحب “التحقيق” من بتر شهادتي بذلك الشكل الذي جعلها مناقضة أشد التناقض لما تم تسجيله كاملا،،فمثلا أظهر في لقطة مصرحا أن تمويل الحركة كان من طرف ثلاثة من رجال الأعمال: سمير عبد المولى و كريم التازي و ميلود الشعبي،، في حين أن الجزء الذي بتر لغايات في نفس “المحقق” كان يوضح أن هذا ما يشاع فقط،و بينت أن ما قدم هؤلاء للحركة من “دعم” مادي بسيط كان أغلبه عينيا أو مساعدات لأشخاص ذاتيين، لا يوازي الضجة التي كانت له في وسائل الإعلام،و أن التمويل الأكبر لأنشطة الحركة كان يأتي من مساهمات رمزية للهيآت التي كانت تنعت نفسها بالداعمة ( وهو دعم كان قويا في محطات و ضعيفا في أخرى)،و مما كان يتم جمعه من تبرعات أثناء مسيرات الحركة،، و لإن المناسبة شرط فيمكن أن أضيف مما لم أقله أثناء التسجيل إما تغافلا أو لإكراهات الحصة الزمنية التي كانت قصيرة جدا(و رغم ذلك تعرضت لبتر كبير جدا) أن من أعطاب الحركة أساسا هو افتقادها للدعم المالي،فمواردها لم تكن كافية لتغطية المصاريف التي كانت تتطلبها أنشطتها،بل هي عديدة المقترحات التي أقبرت لعدم كفاية هذه الموارد التي يتم تضخيمها اليوم،، ناهيك عن أن أغلب مصاريف المكالمات الهاتفية و التنقلات كانت تتم من جيوب المناضلين و من التضامن فيما بينهم..
2-في لقطة ثانية أظهر في الشريط متحدثا عن السفارات التي قامت باتصالات مع نشطاء من الحركة،، و كالمرة الأولى تم بتر بقية الشهادة التي توضح أن قبول اللقاء بهذه السفارات كان محط خلاف داخل الجموع العامة للحركة،و التي رفضت في أغلبها الاستجابة لهذه الدعوات،،كما أوضحت أن اللقاءات القليلة جدا التي تمت كانت عادية جدا،و لم تخرج عن نطاق تبادل الرؤى و طلب توضيحات،،و أنه لم تكن هناك ثمة توجيهات أو أجندات خارجية معلنة أو مستترة،فعديدة هي اللقاءات التي تعقدها سفارات دول معينة مع ممثلي الهيآت و المنظمات الفاعلة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار،، و أضيف أن السفريات و التكوينات التي خضع لها بعض النشطاء إما باقتراح من هذه السفارات أو باقتراح من منظمات دولية لها ارتبطات سواء بحكومات معينة أو أحزاب كبرى تخص هؤلاء النشطاء بذواتهم و ليس لها أي ارتباط بالحركة،،و مثل هذه التكوينات و الندوات و الأيام الدراسية و المؤتمرات التي نظمت بالخارج كانت قبل الحراك و أثناءه و بعده،و تدخل في إطار برامج معروفة و معلنة،و ليس في الأمر سرا خارقا،،و تعمد غالبا أنظمتنا إلى توظيف مثل هذه المشاركات العادية للإيهام بوجود مخطط خارجي يستهدف زعزعة الأمن الداخلي مستفيدة من تفشي فكر المؤامرة وسط المجتمع و بين نخبه للأسف…
3-تم عنونة الشريط ب”حركة 20 فبراير من الداخل”،فيما الشريط كله يركز على تجربة الدار البيضاء المختلفة بشكل كبير عن تجارب باقي المواقع،،و حتى ما سمي ب”النواة الصلبة” بالدار البيضاء لم تكن هي الآلية المتبعة لكبح جماح أي “انفلاتات” غير متحكم فيها داخل الجموع العامة في التجارب الأخرى( طنجة نموذجا)، بل حتى التنسيق بين الهيآت “الداعمة” كان يختلف من منطقة لأخرى و يصل حد غيابه في مواقع معينة…
4-لم تكن عملية المونتاج بريئة،إذ فيما تم اجتزاء كبير و متعمد لشهادات:عبد الله أبعقيل و حسن ظفير و خالد البكاري و نزار بنماط،،كان الاحتفاء كبيرا بمداخلات أبو عمار تفنوت التي كانت انفعالية،و كانت تخدم بوعي أو بدونه استراتيجية أصحاب التحقيق،، قد يكون أبو عمار يتحدث عن حسن نية،، و لكن ما قاله كان يخدم ما يروم الشريط الإيهام به من أن الحركة لم تكن بريئة و كانت تخدم أجندات خارجية و كانت تمول من طرف رجال الأعمال و لم تكن لها استقلالية في قراراتها،و أن العدل و الإحسان كانت المتحكم في الحركة،،و هو ما يفسر المساحات الزمنية الوافرة التي أفردت للقيادي في جماعة العدل و الإحسان “الشولادي” سواء في شهاداته المصورة لموقع نون أو مداخلاته داخل جموع الحركة ،،طبعا ذكاء المتحكم في المونتاج جعل القيادي في العدل و الإحسان يبدو متفوقا و منسجما و منطقيا قياسا للآخرين الذين بترت شهاداتهم،،لقد وصل الأمر حد إتاحة الفرصة أمام “الشولادي” لتوضيح موقف الجماعة من الدولة المدنية و من رؤيتها للتحالفات،،فهل الأمر يعود لتعاطف غير معلن مع الجماعة؟ أم تكريس للصورة التي كان يحاول البعض تقديم الحركة بها كواجهة للتيارات الراديكالية فقط….
5-تم تغييب الوجوه النسائية من “التحقيق” بشكل مستغرب،فبدت الحركة ذكورية،حتى إن بعض المناضلات التي تم التعريض بهن ضمنيا في بعض الشهادات لم تتح لهن فرص الرد ( غ.ب / و.م/ه.س..)فهل تغييب الحركة بالمؤنث لصالح الحركة بالمذكر كان مقصودا لهدف ما، أو كان عفويا يحتاج البحث عن خلفياته الحفر في اللاوعي.
6- تزامن خروج هذا الشريط في الذكرى الثالثة لانطلاق الحركة مع سلسلة من حلقات تكتب في جريدة “الأحداث المغربية” على طريقة تقارير المخابرات،،و المشترك بين الشريط و بين حلقات “الأحداث المغربية” هو تركيزهما على موقع “الدار البيضاء” و على موضوعي: التمويل و الذمة المالية من جهة و النواة الصلبة و استقلالية القرار من جهة أخرى،،فهل الأمر محض مصادفة؟؟ على أي، ربما مصادفة غير بريئة،،،
7- ليس مرادي تبرئة الحركة و مناضليها،،فطبعا لسنا ملائكة و قطعا لسنا شياطين،، نعم ثمة أشخاص تسلقوا على ظهر الحركة،و ثمة من خضع لضغوط كانت أقوى من قدرته على المقاومة،،و ثمة من انساق وراء بريق الشهرة أو إغراء التقرب من أصحاب مال أو نفوذ،و ثمة من كان انتماؤه الحزبي يغلب انتماءه لروح الحركة،،لكن الأكيد أن الروحية العامة للحركة لم تتأثر بهذه النتوءات و ظلت محافظة على مبدئيتها،،بدليل أن رجال الأعمال المشار إليهم آنفا سرعان ما انسحبوا من ساحات الاحتجاج و الدعم المحتشم إما بعد خطاب 9 مارس الملكي أو بعد موقف الحركة الرافض لمشروع الدستور،،وبدليل أن الهيآت “الداعمة” بدأت تنسحب الواحدة تلو الأخرى أو يقل انخراطها في الحركة بعد أن أيقنت صعوبة تمرير مخططاتها من داخل الحركة سواء لجهة التصعيد مع النظام أو لجهة التفاوض معه،،،و بدليل أن الحركة ظلت بمنأى عن أي دعم خارجي سواء ماليا أو سياسيا أو إعلاميا،،و الجميع يعلم كيف تحركت الآلة الإعلامية لإسناد الحركات الاحتجاجية في مصر و سوريا و ليبيا و اليمن، و كيف كان يتم التعتيم على حركة 20 فبراير،إذ لم يكن واردا في أجندة القوى الدولية إحداث أي تغيير في المغرب لصالح الديموقراطية.
8-إذا كان ما يكتبه ” عبدالواحد بنعضرا” في “الأحداث المغربية” غير مؤثر على صورة الحركة،باعتبار أنه من السهولة ملاحظة أن ما يخطه غير بريئ للغته العدوانية التي ترشح تصفية لحسابات ذاتوية، دون انتباه منه و هو أستاذ التاريخ أنه يعتمد تقنية في الكتابة أشبه بطريقة كتابة المحاضر و التقارير الأمنية،،فإن شريط موقع “نون” يبقى تأثيره في تزييف الحقائق أكثر وقعا،،لقد تعمد “المحقق” عدم التدخل بالتعليق،ليبدو محايدا،و ترك “الفاعلين” يروون “حكاياتهم”،و لكنه في المونتاج و بذكاء يحسد عليه عمد إلى القطع و البتر و الاجتزاء ليجعل ما يتم تقديمه على لسان أصحاب الشهادات موافقا لما يريد الترويج له قبلا،،فصاحب “التحقيق” الذي كان يحضر الجموعات العامة للحركة و أنشطتها و اجتماعاتها،مرة بوصفه صحافيا و مرات بوصفه يعد أطروحة دكتوراه حول الحركة،و لاحقا أصبح صديقا “حميما” لمجموعة لا يستهان بها من الوجوه الفاعلة في الحراك و من مختلف الأطياف،، عرف كيف يستغل صفات: الصحفي و الباحث و الصديق ليبعد عنه أي تهمة بالانحياز أو التشويه المتعمد…
حقيقة لا أعرف خلفيات إخراج الشريط بتلك الحمولة غير البريئة،فهل الأمر مجرد أخطاء مهنية غلبت الإثارة على الموضوعية؟أم هو سعي متعمد و بأساليب غير مهنية لإثبات وجهة نظر قبلية عند صاحب التحقيق يروم الدفاع عنها و الترويج لها؟أم هناك ما أجهله/نجهله
في الختام: شكرا أيها “المحقق”،،،كنت أذكى من سذاجتنا،،،أعترف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.