خاص: سعيد العمراني في حوار مع “أنوال بريس” حول كتابه الذي سيصدر قريبا..”انتفاضة الريف 58/59 بالريف/كما رواها لي أبي”

قريبا سيعزز كتاب ” انتفاضة الريف 58/59 بالريف/كما رواها لي أبي ” خزانة الكتب التي تناولت إحدى أهم اللحظات التاريخية بالريف، انتفاضة 58/59 أو (عام إقبان) . الكتاب لمؤلفه سعيد العمراني الناشط الحقوقي والسياسي بالمهجر، يسرد فيه على لسان والده -كأحد الفاعلين الميدانيين في انتفاضة 58/59- تفاصيل الإنتفاضة بإحدى أهم القبائل الريفية؛ آيت يطفت بقيادة المقاوم “أمجهاذ أمقران” موح نحدوش. كما يتضمن الكتاب، الذي قام بتقديمه محمد أمزيان نجل قائد الإنتفاضة “ميس نرحاج سلام”، ملاحق ومعطيات مهمة حول قبيلة آيتي يطفت، وقد أهدانا المؤلف، مشكورا، نسخة من كتابه قبل صدوره الرسمي للاطلاع عليه، ولتقريب القراء والمهتمين بالموضوع إلى محتويات الكتاب، ولماذا اصداره الآن، كان لنا هذا الحوار مع الاستاذ سعيد العمراني:
حاوره عبد المنعم المساوي.

– متى سيرى النور كتاب “انتفاضة الريف 58/59 بالريف/كما رواها لي أبي” ؟

قريبا جدا. الكتاب موجود الآن في المطبعة و سيرى النور بالتأكيد في النصف الأول من هذا الشهر.

– كيف جاءت فكرة تجميع هذه الشهادة حول انتفاضة الريف بآيت يطفت ضمن هذا الكتاب؟

كمهتم بتاريخ المنطقة و بقضاياها، اتضح لي إن هناك رغبة جارفة عند الريفيين و خاصة الشباب منهم لمعرفة ما جرى في تاريخ الريف المعاصر سواء تعلق الأمر بالثورة الخطابية أو في انتفاضة 58/59، أو انتفاضة 1984.

لكن ما ألاحظه للأسف كأننا كلنا نعيش في “قاعة انتظار” ننتظر جميعنا نشر مذكرات محمد بن عبد الكريم الخطابي أو ميسن ن الحاج سلام زعيم انتفاضة 58/59، لكن هذه المذكرات قد تنشر أو لا تنشر نظرا لتواجد عدة متدخلين (و خاصة فيما يتعلق بمذكرات محمد بن عبد الكريم الخطابي)، مما جعل من الصعوبة بمكان التكهن بمكان و زمان نشرها. هذا يحدث في الوقت  نحن “النخبة المثقفة من أبناء الريف” نتفرج أو نشاهد كنوزا من المعلومات تندثر أمامنا عندما نفقد يوميا أولائك الذين عاشوا أو عايشوا تلك المرحلة بآلامهم و أحلامهم و آمالهم، بل هناك من كان فاعلا في صنع تلك الأحداث و توجيهها و خاصة القادة الميدانيين منهم.

منذ نعومة أظافري و أنا اسمع من اقرب الناس إلي عن حكايات مرعبة و خطيرة و معطيات لم يتكلم عليها إلى يومنا هذا أي باحث أو مؤرخ رغم مرور 55 سنة عن تلك الأحداث المؤلمة.

 و قلت مع نفسي لابد لأحد منا أن يأخذ المبادرة ليجمع شهادة و شهادات شفوية ، و نبحث ما قالته الصحافة الدولية و الوطنية حول تلك الأحداث و نشرها و هذا ما قمت به بالضبط و أتمنى أن تستفز (بالشكل الايجابي) المبادرة الآخرين ليحركوا أقلامهم و يكملون شهادة أبي كقائد لمجموعة الثلاثين بقبيلة آيث يطفت إبان فترة انتفاضة 58/59.

يتضح من خلال هذه الشهادة أنه لا تزال هناك العديد من الجوانب المظلمة حول انتفاضة الريف، كيف ترى ذلك؟ ولماذا؟

أولا يجب أن نقر أن هناك عوامل موضوعية تتمثل بالقمع و التنكيل و الحصار و التهميش المقصود الذي عرفته المنطقة، فالنظام لم يعتقل و يقتل فقط، بل سرق كل الدلائل و الأرشيف الذي يمكن أن يعتمد عليها الباحثون لانجاز بحث تاريخي بمقاييسه العلمية أي الاعتماد على الوثيقة و النصوص و الأرشيف.

ثانيا المخزن إلى يومنا هذا لم ينشئ لا ثانوية و لا إعدادية و حتى المدارس الابتدائية تقريبا ضلت هي نفسها التي كانت في عهد الاستعمار الاسباني في قبيلة آيت يطفت مما أدى إلى تجهيل ممنهج  لأبناء المنطقة و جعلهم يعيشون دائما تحت عتبة الفقر و الخوف و التجهيل و التهديد.

ثالثا يكمن في عامل إفراغ  المنطقة من أصحابها و الهجرة التي عرفتها المنطقة مما جعل الناس تهتم بمتاعب الحياة الجديدة بعيدين عن منطقتهم و يعتبرون  ما وقع من مجازر و قمع مجرد “ثانفوس/ خرافة” أو حادثة سير  عابرة و انتهت بقمعها و إخضاع أهلها، علما أن آثار التعذيب و التنكيل لا زال الناس يعانون منها إلى يومنا هذا.

رابعا و لأسباب ثقافية، فالناس و حفظا لكرامتهم لا يريدون أن يتحدثوا عن ما أصابهم من عقاب و اغتصاب و اعتداءات عليهم و على أطفالهم و نسائهم. و أن هناك  أشخاص عاشوا طوال حياتهم في صمت و عانوا في كآبة دائمة و توفوا و هم يحملون معاناتهم و أسرار ما وقع لهم إلى الأبد (هناك شهادة مؤثرة لشخص من آيث حديقة (بن صديق) أدلى بها في جلسات هيئة الإنصاف و المصالحة المنعقدة بالحسيمة).

صحيح أن شهادة أبي يعبر عن جزء ضئيل جدا عن معانات الناس نساءً و رجالا في تلك المنطقة، و إنني على يقين أن ما مورس في قبيلة آيث ورياغل (القلب النابض للانتفاضة) كان أفضع من ما يمكن أن يتصوره أي إنسان. و أن أفعالها الإجرامية تدخل بالتأكيد ضمن الجرائم ضد الإنسانية التي يعاقب عليها القانون الدولي.

– كيف يمكن العمل من أجل إماطة اللثام عن جميع حيثيات انتفاضة 58/59 وكل الأحداث المتعلقة بالريف التي لا تزال مغيبة في الخطاب الرسمي والبحث الأكاديمي؟

أولا يجب أن تكون هناك إرادة سياسية حقيقية لمعالجة أثار تلك الأحداث و هذا لم نراه بعد إلى يومنا هذا ماعدا بعض القشور و الخطوات التي تهدف إلى احتواء النخبة الريفية الجديدة و انجاز مصالحة مغشوشة، بدل إنصاف حقيقي للمتضررين و عائلاتهم و للريف كله. لان ما تلا 58/59 ، لا تقل فظاعة من الأحداث نفسها، بحيث سادت سياسات الرعب و القهر والتهميش و الإقصاء و التهجير طوال نصف قرن من الزمن.

أما على مستوى البحث العلمي، فقد آن الأوان ليتوجه أبناء المنطقة في الداخل و الخارج لانجاز بحوث علمية في كل الميادين و على رأسها الأسباب السياسية و الاقتصادية التي أدت إلى اندلاع انتفاضة الريف و النتائج التي أسفرت عنها  و الطريقة التي جوبهت بها مطالب الريفيين و عومل بها أهلها…الخ.

– من خلال إقدامك على جمع هذه الشهادة وعزمك على إصدارها في كتاب، هل ثمة من رسائل تريد توجيهها؟ إن كان الجواب بنعم، فما فحوى هذه الرسائل، ولمن توجهها؟

طبعا لكل مقال أو كتاب يهدف صاحبه إرسال رسائل إلى من يهمهم الأمر. فمن الطبيعي أن أخاطب رجال و نساء المستقبل من خلال قراءة الماضي. فبالنسبة لي لدي ثلاثة رسائل:

أو لها موجهة إلى الريفيين: بحيث يقول المثل “ما حك جلدك إلا ظفرك”. فإذا لم نهتم نحن بتاريخنا فمن المؤكد أن المخزن سيلقن لنا تاريخه. و بما أن أهل المنطقة إبان فترة الانتفاضة لم يكن لديهم الإمكانيات لتدوين ما حدث، ناهيك  أن القوات القمعية أحرقت الأرض و الأشجار و الأرشيف، لذلك تبقى أهمية تدوين الروايات الشفوية و خاصة السماع لأولئك  الذين عاشوا أو عايشوا أو ساهموا بطريقة أو بأخرى في صنع تلك الملحمة أمر ليس ضروري فحسب بل واجب أخلاقي و نضالي و علمي.

 الرسالة ثانية موجهة إلى المثقفين: و بالمناسبة، فبالرغم من احترامنا الكبير لهم، ندعوهم إلى النزول من برجهم العالي و عدم الاعتماد فقط على ما هو جاهز. اعتقد أن أهمية البحث العلمي و تطوير البحث و تشجيعه يقتضي امتلاك الشجاعة في دراسة الأحداث المؤلمة في تاريخ مغرب العزيز. إذ لا يمكن في أي حال من الأحوال إنصاف الملضومين إلا عندما تدون مذكراتهم و يحفظ ذاكرتهم و تصان كرامتهم و يعاد لهم الاعتبار.

الرسالة الثالثة موجهة إلى الحكم: كون أبناء و أحفاد المنطقة مهما مرت الأعوام و السنين لا يمكن أن ينسوا أو يتناسوا ما وقع لآبائهم و أجدادهم، نضرا للجرح الغائر في أجسادهم و الظلم الموشوم في ذاكرتهم. و عليه فان أي مصالحة مغشوشة و سطحية  قد لا تؤدي إلا إلى نتائج عكسية و تكرار نفس الأخطاء. و ما أحدات آيث بوعياش لسنة 2011  ،  التي جوبهت بنفس الطرق و الحصار المفروض إلى يومنا هذا على المنطقة  و منع كل التجمعات السلمية لخير دليل على فشل تدبير المخزن للمنطقة و معالجة الماضي المؤلم الذي عانوا منه أبنائها.

تعليق 1
  1. Ayoub يقول

    كملاحطة فقط : رابعا و لأسباب ثقافية . بل لاسباب لها علاقة بالشرف .

    انني متشوق لهذا الكتاب و امل ان يكون محتواه غنيا . و شكرا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.