حي في مكان ما يا مصطفى

لن ننساك يا مصطفى..

حين بلغني خبر شهادتك شعرت بأسباخ من حديد تنغرس في صدري، لم اعرف ما أفعل..شعرت أني في حلم، شعرت بشبحك المرئي يتحرك وتتحرك الاشياء من حوالي..ويتعالى صوتك سننتصر أو نموت..

أتتذكر يا مصطفى: لم نكن نتقبل بعضنا البعض..

لطالما اختلفنا كثيرا..

أما الآن تغير الوضع يا مصطفى..

فأنت لست مرغما على سماعي..

أما أنا فمثقل بذكريات الماضي..

أتعرف يا شهيد؟؟

تغيرت أشياء كثيرة في داخلي يوم زرتك بمعية اعضاء مكتب فرع فاس سايس للجمعية المغربية لحقوق الانسان ووالدك المكلوم في المركب الاستشفائي بفاس..أتذكر محاولة وفد الجمعية بودّ طلبك أن توقف الاضراب المفتوح عن الطعام، “فأنت مناضل والشعب يحتاجك في مساره ومسيرته النضالية الشاقّة”..

وتسائلتَ في صمتك: أيوجد أنسان يصر على حتفه؟؟

كانت مطالبك يا شهيد واضحة: الحق في التعليم، الحق في ممارسة نشاطاتك النضالية النقابية والسياسية، الحق في الانتماء، ورفض تجريمك ورفاقك وتوجهك السياسي…

هذا ما أجج بداخل مصطفى رغبة التمسك بمعركته..بخيط أمل مهما كان ضعيفا، لضمان حقه وحق كل الطلاب في تعليم جيد، وممارسة حريتهم في الانتماء والانخراطفي العمل النضالي النقابي والسياسي..

أما أنا، عقد لساني ووقفت متصلبا اراقبك..

كانت عيناك تشعّان حزما على المضي قدما في معركتك..

أتذكر اني كنت ألاحظ دوما تلك النظرة المتلهفة اللامعة في عينيك لهدف منشود للتضحية..

عرفت من نظرتك هاته أنك لن تتراجع عن موقفك مهما حدث..ولن تتوانى عن تنفيذ قراراتك مهما كانت “العواقب” ومهما كانت “الخسائر”..

ألست من قال: سننتصر أو نموت؟؟

أتذكر ايضا حين أعلمناك، أن وفد الجمعية استفسر بحضور والدك عند النائب العام لدى محكمة الاستئناف، عن “وضعيتك القانونية”..واكد أنك لست في حالة اعتقال…وحاولت أن أنبهك إلى فحوى التصريح وتنبيهك، إلى أنه لم يقل أنك لست في حال متابعة. فاعتقالك مسألة وقت..

فتنهدن باسما في استهزاء، وأنت تشير إلى التطويق والحصار الذي تعيشه في الغرفة، وحال لسانك يخبرني في صمت : بأنك ملم بكل شيء، وخبرتك أكبر من أن تنطلي عليك حيلهم..

أتذكر حين تسائلت معي حول التعتيم الاعلامي المضروب على معركتك، وقلت لك في استحياء : هناك تشكيك يشوب اضرابك عن الطعام. فقلت بنبرة واثقة وعميقة: عندما يصلهم نبأ شهادتي، حينئذ سيصدقون. وتبسّمتَ..

وأمور أخرى تحدثنا عنها، ستبقى حبيسة ذكرى ثقيلة على ذاكرتي..وتواعدنا التفاعل أكثر في لقاء آخر، لكوني تعذّرتُ بتعبك ووهنك، وحالتك الصحية الحرجة..

كنت في حالة موت غير معلن..

وكأنك تقول : الموت/الشهادة قدر المناضلين..

ستبقى حيا في ذاكرة الشعب، حيا في ذاكرة رفاقك، حيا تنير درب جيل المناضلين القادم..

وتبقى كلماتك خالدة كما روحك..

يعتاقلوا لي يعتاقلوا.. ”
ويغتالوا لي يغتالوا..
ويعقدوا من مجالس ما يعقدوا..
ويفبركوا من مؤامرات ما يفبركوا..
ويديروا من الدسائس ما يديروا..
وينشروا من التسميمات ما ينشروا..
ولكن سننتصر..
سننتصر أو نموت..
سننتصر..
لأننا نسير على درب بلهواري والدريدي والمعطي..
سننتصر..
لأننا نسير على درب الجماهير..
ولأننا في وسط الجماهير..
سننتصر..
لأن الجماهير ستصنع التاريخ..
سننتصر..
لأن الجماهير ستنتصر..”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.