حين يذهب الطالب إلى الجامعة ممتطيا سيارة الوزير

أكيد أن لا أحد من المغاربة قد نسي بعد تلك الزوبعة التي أثارها الحبيب الشوباني الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، حين تم قبوله في سلك الدكتوراة بكلية العلوم القانونية بجامعة محمد الخامس بالرباط، مع ما رافق ذلك من شبهات فساد واضحة، خصوصا حين تأكد خبر اجتياز “الطالب” الوزير للاختبار الشفوي أمام لجنة أعدت على مقاس سعادته، من بين أعضائها زميله في حزب العدالة والتنمية عبد العالي حامي الدين، نائب رئيس المجلس الوطني للحزب المذكور وعضو أمانته العامة، حتى لا يتم ترك أي شيء للصدفة، وحتى يكون القبول والنجاح من نصيبه دون جهد أو عناء.

وقبل أن يمحي الزمن تفاصيل تلك الفضيحة المدوية، ها هو الشوباني يفاجؤنا مرة أخرى، بفضيحة ثانية حين لاحظ طلبة كلية الحقوق بكلية العلوم القانونية بجامعة محمد الخامس بالرباط لمرات عديدة، حضور “الطالب” الوزير الحبيب الشوباني إلى الحرم الجامعي على متن سيارة الوزارة، حيث ظل يعمد إلى ركنها دائما قرب سيارة العميد قبل أن يذهب لملاقاة الأستاذ الذي يؤطره في شهادة الدكتوراه، وهي الفضيحة الجديدة التي تم توثيقها بصورة تناقلتها مختلف المنابر الإعلامية الوطنية.

وللتاريخ فقط فهذه ليست أول مرة يستعمل فيها الشوباني سيارة الوزارة من أجل قضاء أغراضه الشخصية، فقد سبق وأن فضحه شباب 20 فبراير بمدينة وزان، بداية شهر يونيو سنة 2012، حين اكتشفوا حضوره إلى مدينتهم على متن سيارة الوزارة لحضور نشاط لحزب العدالة والتنمية، حيث استنكرت حركة 20 فبراير حينها ذلك التصرف المسيء واعتبرته تبذيرا للمال العام، وتكريسا للفساد الذي رفع بنكيران شعار محاربته لاستمالة الناخبين وإقناعهم بالتصويت لحزبه في الانتخابات البرلمانية التي أجريت يوم 25 نونبر 2011.

الأمر ليس بالبساطة التي قد يتصورها البعض، ففي المغرب هناك 115.000 سيارة موضوعة رهن إشارة موظفي الدولة ومسؤوليها، وهي أرقام أوردتها أسبوعية (لافي إيكو) في أحد تقاريرها نهاية سنة 2014، فلكم أن تتخيلوا حجم الأموال المهدرة التي ستتكبدها خزينة الدولة، إذا كان الشوباني قدوة لباقي المسؤولين والموظفين، وقاموا باستغلال هذا الأسطول الضخم من السيارات لقضاء مصالحهم الشخصية، مع ما يترتب على ذلك، من تضخم لفاتورة الوقود، وتزايد مهول في ميزانيات الصيانة والتجديد بسبب تهالك الأسطول بسرعة نتيجة كثرة الاستعمال.

إن نظرة متفحصة على تقرير (لافي إيكو) تجعل المرء يصاب بالصدمة والذهول، ففي الوقت الذي يوفر فيه المغرب 115.000 سيارة لموظفيه ومسؤوليه البالغ عددهم قرابة المليون، نجد أن فرنسا لا توفر لأطر إدارتها سوى 75.000 سيارة رغم أن عدد موظفيها يفوق عدد موظفي المغرب بستة أضعاف تقريبا حيث يصل العدد إلى 5.7 مليون شخص، في حين أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تضع رهن إشارة جيش من الموظفين يشتغلون في إدارتها بتعداد يبلغ 21 مليون شخصا سوى 72.000 سيارة، أما في كندا فمقابل 3.6 مليون موظف توجد فقط 26.000 سيارة… وهذه الأرقام المقارنة على قدر ما هي مستفزة، فإنها تفضح حجم الفساد الذي تغرق فيه الإدارة المغربية، والتي تجعل أنماطا من مثل هذه السلوكات الفاسدة، التي يقوم بها وزير مثل الشوباني، بعيدة عن كل محاسبة أو مساءلة، طالما أننا أمام حكومة عوض أن تحارب الفساد، كرسته وتناغمت معه وصار أعضاؤها جزءا من منظومته العنكبوتية. وإلا فلماذا لا يلجأ بنكيران إلى اعتماد قرار شبيه بذلك الذي اعتمده رئيس الحكومة اليونانية الجديدة، “أليكسيس تسيبراس” زعيم اتحاد اليسار الديمقراطية (سيريزا)، حين بدأ ولايته ببيع سيارات كبار المسؤولين في الوزارات والمؤسسات العمومية، حتى يقتنع الشعب بأن الحكومة جادة في محاربة الفساد ومصرة على تحقيق العدالة الاجتماعية؟

وعوض أن تنتفض قواعد حزب العدالة والتنمية، في وجه قيادة حزبها حتى يعودوا إلى جادة الصواب، نجدهم يشجعونهم على الظلم، ويصفقون لهم نظير سكوتهم عن الحق ومشاركتهم في الفساد، ويدافعون عنهم بالباطل، متناسين أن الرسول (ص) حين قال: “أنصر أخاك ظالما أو مظلوما“، سأله أحد الصحابة مستغربا: “ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟” فأجابه (ص): “تنهاه عن الظلم، فذلك نصرك إياه“. بل إن الأمر وصل بأحد هؤلاء المغيبين أن كفر كل من ينتقد وزراء العدالة والتنمية، وارتقى بهم إلى صفوف المعصومين عن الخطأ وكأنهم أنبياء، حيث كتب على صفحته على الفايسبوك بمنتهى الجهل والجهالة: “يا أصدقائي الكل يعرف أن وزراء العدالة والتنمية بل وحكومة بنكيران من أطهر خلق الله. لهذا أدعو كل كافر و زنديق انتخابات يتحدث بسوء عن وزرائنا المعصومين مراجعة أفكاره. و إلا فجهنم هي المصير. يحيا الشوباني، تابع دراستك واستغل منصبك نحن معك إلى الأمام“.

وأحسن ما يمكن به ختم هذا المقال، هذه الحكاية لعلها تكون درسا لكل ذي قلب سليم… وصل الرئيس البوسني “علي عزت بيجوفيتش” إلى صلاة الجمعة وهو متأخر. وكان قد اعتاد الصلاة في الصفّوف الأمامية، ففتح له الناس الطريق إلى أن وصل الصف الأول،  فاستدار للمصلين بغضبٍ وقال مقولته الشهيرة: “هكذا تصنعون طواغيتكم”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.