حين يخرج رشيد نيني عن السياق

خصص رشيد نيني ركنه “في سياق الحدث” من جريدة الأخبار ليوم الإثنين 26 مارس 2018 لشن هجوما منحطا مهنيا وأخلاقيا على المناضل والمعتقل السياسي ناصر الزفزافي والريف. بدأه بلغة ساقطة تنم عن عجرفة مرضية وإحتقار للآخر، حيث نعت ناصر بالفيدور للحط من قيمته وتبخيسها. وهو أمر لا يصدر إلا عن عقلية متعالية وغير سوية، وإلا ما معنى التهجم على شخص بنعته بالفيدور أو أو بالحارس أو بأي شيء آخر، ما دام أن مزاولة الإنسان لأي عمل قانوني لا تلغي كرامته وإنسانيته وحقوقه، بل تعززها، ولا تكون أبدا مبررا لإحتقاره وإزدرائه؟
بعد ذلك سيسخر نيني من ناصر الزفزافي ويحاول النيل منه بسبب مستواه الدراسي الذي حده في الثانوي إعدادي. وهو ما يعد سقطة أخرى لنيني في بركة ركنه الملوثة بالكراهية. وهذا الكلام لا يصدر أيضا إلا عن ذات متعجرفة وهي تتوهم الضلوع في المعرفة والعلم ناسية أن المعرفة هي في الأصل قيم وأخلاق وتواضع. وإذا ما كان ناصر الزفزافي قد إضطر للإنقطاع عن الدراسة، كغيره من أولاد الشعب، في مرحلة التعليم الثانوي التأهيلي فإن تكوينه الذاتي لم ينقطع وهو ما تشهد عليه سيرته وخطاباته. كما أنه لم يسبق لناصر أن أخفى مساره المهني والدراسي ولا يشكل له ذلك أية عقدة. وفوق هذا وذاك فإن ناصر والحراك الشعبي بالريف أصبحا موضوعا لأطروحات جامعية في مختلف الكليات والتخصصات عبر العالم. وإنه لشرف ما بعده شرف أن يكون المنقطع عن الدراسة والحراك الذي إرتبط به إسمه موضوعا للدراسات الأكاديمية ولنيل الشواهد الجامعية العليا.واللهم أكثر من أمثاله.
لكن قد يكون ناصر الزفزافي إشتغل حارسا في لحظة عابرة من حياته، قد يكون إنقطع عن الدراسة، وقد يكون أي شيء إلا أن يكون دمية في يد أي أحد وخاصة في يد إلياس العماري.
وإدعاء نيني ذلك ينزع عن كلامه المصداقية بالمرة ويضعه، من حيث يدري أو لا يدري، في صف الجهات التي طبخت التهم الواهية التي على أساسها يحاكم ناصر وغيره من معتقلي حراك الريف السياسيين، كما ينم ذلك عن جهل مطبق بما حدث ويحدث بالريف. فما حرك ناصر وباقي نشطاء الحراك وسكّان الريف هو أولا مشهد طحن مواطن في حاوية الأزبال، وهو، ثانيا، تراكمات عقود من التهميش والتفقير والتهجير التي عرفها الريف، وهو، ثالثا، تلك الصورة الوردية الخادعة التي تم تسويقها حول الريف منذ زلزال الحسيمة لسنة 2004، وهي المرحلة التي كان فيها إلياس العماري الفاعل الأساس. إن حراك الريف قد قطع مع تلك المرحلة بقدرما كشف عن فشلها الذريع. وبالتالي كيف يتحالف النقيضان للتآمر على الدولة، مع أن أحدهما هو جزء من تلك الدولة؟ وكيف تتآمر الدولة على نفسها؟
إن الريف الذي كان مسرحا للحراك الشعبي السلمي والإبداعي كان مجالا للصراع بين ريف إلياس العماري والمخزن وبين ريف ناصر الزفزافي وكافة الأحرار والحرائر الذين إنخرطوا في الحراك وخرجوا في مسيراته بمائات الآلاف. وإدعاء نيني بأن ناصر كان دمية إلياسية لتصفية حسابات ضيقة بين أجنحة السلطة وتفويت صفقات مشبوهة هو ليس إساءة لناصر الزفزافي فقط وإنما هو إساءة لكل تلك الآلاف المؤلفة من أحرار وحرائر الريف الذين واللواتي إأتلفت قلوبهم وتوحدت إرادتهم حول الحراك ومطالبه، فأنارت بصائرهم وتضحياتهم ملاحمه وبصمت أحداثه بسلميتها وإبداعيتها وبقيمها الحضارية والإنسانية، كما هو إساءة لكل من تعاطف ولا يزال مع حراك الريف ومعتقليه السياسيين وطنيا ودوليا وما أكثرهم وأروعهم. فحراك الريف كان ولا يزال حراكا إحتجاجيا سلميا مواطنا في غاية الشفافية والوضوح في مطالبه ونضالات، ولا مجال فيه للتآمر على أيّ كان وبالأحرى التآمر على الدولة.
ولم يقف نيني عند هذا الحد من التجني على ناصر الزفزافي وحراك الريف، بل تمادى في السفاهة المطرزة بلغة التشفي وتشويه الحقائق، فاعتبر، وهو الصحافي الألمعي، أن الحياة بالريف عادت إلى طبيعتها بعد إعتقال ناصر ورفاقه، وبعد هجرة الباقي إلى أوروبا!!! فهل كان نيني يعرف ما يقوله حين كتب هذا الكلام؟ فأية طبيعة عادت إليها الحياة بالريف بعد أن أصبح هناك أكثر من خمس مائة أسرة لكل واحدة منها معتقلا سياسيا واحدا على الأقل في السجن، وعدد المعتقلين في تصاعد متواتر؟ وبعد أن إضطر خيرة شباب الريف للهجرة إلى أوروبا بالمائات، إلى جانب إضطرار نسبة كبيرة من أهل الريف للهجرة داخليا؟ أي طبيعة عادت إليها الحياة بالريف وقلوب أهله مكلومة وحزينة وشلل إقتصادي كارثي يعم المنطقة كما يعمها القمع والحصار ؟
وبالتالي لا يدّعي بأن الحياة عادت إلى طبيعتها بالريف إلا كاذبا متحاملا وحقودا. وإنه لمن المؤسف جدا أن تكون تلك هي الصورة التي ظهر عليها رشيد نيني في ركنه “في سياق الحدث” الذي كان بالفعل خارج السياق ولا يليق أن يصدر عن أحد أبرز صحافيي البلد.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.