حكومة “تعلم الحسانة فريوس ليتامى”

محمد المساوي

خرج الناطق باسم الحكومة السيد مصطفى الخلفي في ندوة صحفية بعد الاجتماع الاسبوعي للمجلس الحكومي يومه الخميس 31 ماي، أعلن فيه أن الحكومة واعية بمشكل اسعار المحروقات، وأنها عازمة على اتخاذ حلول عملية.

وأضاف الخلفي أن طبيعة هذه الحلول تعمل الوزارة الوصية على استقائها من التجارب المقارنة لمجموعة من الدول في هذا الجانب، وستعمل الحكومة على اتخاذ القرار المناسب. كما تحدث عن توجه الحكومة الى مراجعة قانون حرية الاسعار والمنافسة.
تصريح الخلفي جاء بعد 41 يوما من المقاطعة الشعبية للمنتوجات الثلاثة، أي بعد أن تأكدت الحكومة أن المقاطعة متجذرة بين المواطنين، وليست مجرد سحابة صيف عابرة كما كانت تأمل أن تكون، بعد هذا حاولت الحكومة التحرك لمعالجة هذا الموضوع، من خلال مراقبة أسعار المحروقات، ومن خلال تسقيف هذه الاسعار أو تحديد هامش الربح المسموح به، حتى لا تتغول هذه الشركات وتفعل ما تشاء.
جميل جدا أن نسمع هذا الخبر من الحكومة، لكن هذا الجمال يندثر عندما نجد أن الحكومة لم تُقدم على هذا إلاّ بعد أن اشتعل الشارع، وفرضت المقاطعة نفسها، وصمدت أمام كل التهديدات والوعيد والتصريحات المستفزة والمستهترة، التي اتت من وزراء في الحكومة، ومن مسؤولين في الشركات الثلاث المعنية بالمقاطعة.

لو كنا أمام حكومة تشعر فعلا أنها مدينة لمن صوت عليها ولمن اختارها، لكانت أقدمت على هذه الاجراءات لحماية المواطنين من غارات لصوص الشركات الجشعة، كان عليها أن تقدم على هذا انساجما مع موقعها ومع وعودها الانتخابية، لكن للاسف الحكومة لم تتحرك ولم تفكر في هذه الاجراءات إلاّ بعد أن وصلت المقاطعة إلى يومها الواحد والاربعين، مما يعني أنها حكومة لا يعنيها المواطن في شيء، لا تأبه إلا بعد أن تتأكد أن الشارع يغلي.

وثالثة الاثافي كما يُقال هو أن تُقدم حكومة بنكيران على تحرير اسعار المحروقات دون أن تفكر في هذه الاجراءات، ودون أن تفكر في جيوب المواطنين، اكتفت بتحرير اسعار المحروقات وأطلقت أيدي مصاصي الدماء ليعيثوا سرقة ونهبا لجيوب المواطنين.

المنطق الاصلاحي وبل حتى المنطق السياسي العادي، يفترض أمام قرار كهذا أن تُسارع الحكومة إلى دراسة الموضوع وتنزيل اجراءات استباقية ووقائية لقوت البسطاء والفقراء، انذاك يمكن أن تُقدم على قرار تحرير اسعار المحروقات، لكن للاسف حكومة بنكيران لم تفعل شيئا من هذا، لم تُرفق هذا القرار بأي اجراء احترازي، وبدون أية مراقبة، والنتيجة هي تسمين ارصدة اللصوص وتفقير الفقراء، النتيجة هي 17 مليار دون وجه حق انتقلت من جيوب الفقراء وضُخّت في حسابات اخنوش المستحوذ على سوق توزيع الوقود في هذا البلد.

لو كان بنكيران اصلاحيا في الصف الابتدائي لمدرسة الاصلاح، لما استعجل قرار التحرير الاسعار دون أن يأبه لحال الفقراء، لكن لأن لبُ اصلاح بنكيران لا يهمه جيوب المغاربة، بقدر ما كان جوهره وشغله الشاغل دائما هو كسب ود الملك والتقرب اليه، لازاحة الهمة من حوله وتقريب بنكيران واخوته اليه، انذاك سينصحون الملك، وسيبعدونه عن بطانة السوء، وسيعم الخير البلاد. هذه هي معادلة الاصلاح التي يدافع عنها بنكيران، ومن حقه أن يفهم الاصلاح هكذا، ذاك شأنه.

بيد أن الغريب والمفجع، ان يتداعى من يدّعون انهم ديموقراطيون ويساريون وحداثيون وشبه مثقفون ليدافعوا عن اصلاح بنكيران، فيما يشبه نحيبا جماعيا، رغم أن بنكيران لا يصلح شيئا، ولن يصلح شيئا، هو فقط يناضل من أجل اقناع الملك ليتخلص من محيطه، ويعوضه بمحيط بنكيران، وهؤلاء يصطفون وراء هذه المعادلة المخبولة، وهو ما يعكس درجة الانحطاط التي وصلت اليه هذه النخبة، حتى صارت ترضع قطرات الاصلاح من غيوم تودد بنكيران للملك، وإلا كان على هؤلاء أن يصرخوا ملء افواههم عندما اقدم بنكيران على تحرير اسعار المحروقات دون أن يرفق ذلك باجراءات وتدابير تحمي جيوب الفقراء، لأن ما أقدم عليه هو ضرب للاصلاح وتمييع له، عندما اختار رئيس الحكومة اتخاذ قرار لصالح مصاصي الدماء دون أن يرفق ذلك بأي اجراء لحماية جيوب المواطنين.

قد تكون مبررات هؤلاء معقولة لو تأكد أن الملك او المخزن بلغتهم الملطفة قد منع بنكيران لاتخاذ اجراءات مصاحبة لقرار تحرير الاسعار، وهنا سنكون أمام منطق اخر، هنا سنكون أما “عصابة” تريد الاغتناء على ظهر المواطنين عنوة، وهنا كان على بنكيران أن يرفض تحرير اسعار المحروقات دون ارفاقه باجراءات لمتابعة اثار قرار التحرير وانعكاسه على القدرة الشرائية للمواطنين، كان عليه أن يفعل هذا باسم الاصلاح نفسه، فليس ثمة اصلاح يفتي باصدار قرارات احادية تعمل على سرقة جيوب المواطنين دون وجه حق ودون أبسط حماية لهؤلاء المواطنين.

الان تبين أن مثل هذه الاجراءات الموازية لقرار التحرير كانت بين يدي الحكومة، لا يتطلب الامر تغيير الدستور ولا ممارسة صلاحيات عنترية ولا شيء، فقط يلزمه قليل من الصدق وقليل من الحنو والعطف على الفقراء، وفي حاجة إلى ألف باء ممارسة سياسة الاصلاح الحقيقي، لا الاصلاح المفترى عليه كما عند بنكيران واصدقاؤنا من شيعته.

الان يتبين أن حكومة بنكيران عندما سارعت إلى تحرير اسعار المحروقات دون ارفاقه بالاجراءات الكفيلة بحماية جيوب المواطنين، لم تفعل ذلك لأن التماسيح والعفاريت منعتها، بل لأن بنكيران في اطار منظوره للاصلاح لا تهمه جيوب المواطنين، وباقي القرارات التي اتخذها تزكي ذلك، بنكيران اولا واخيرا، وانسجاما مع فهمه للاصلاح كان “يناضل” ليل نهار ليتقرّب الى الملك ويتودّد إليه، ويربح مساحة تقربه أكثر منه، وتُبعد فؤاد عالي الهمة وبطانة السوء، هذا هو برنامج بنكيران الاصلاحي، ومن أجل هذا البرنامج أقدم على اتخاذ قرارات تصفويةأغلبها كانت تنتظر على الرف منذ عقد أو عقدين من الزمن، ولم تتجرأ الحكومات السابقة على تنزيلها لأنها كان تخاف من الهبات الشعبية، بنكيران امتلك جرأة الاقدام على تنزيل هذه القرارات التصفوية، حبا في التقرب إلى الملك، لانه يعتبر أن طريق الاصلاح يمرّ عبر بوابة ازاحة الهمة وشلته من الدائرة المحيطة بالملك.
طبعا، الذين يديرون دفة الحكم بالمغرب، كانوا واعوون جدا بهذه المعادلة البنكيرانية، فتم استعلال هذا التلهف للتقرب الى الملك، فاستغلوا الرجل واستغلوا شعبيته، ليقوموا من خلاله تنزيل جل القرارات التصفوية التي ظلت على الرف خلال الحكومات السابقة، وبعد أن “خدموا” به جيّدا، ونزّلوا عبره كل القرارات، تمت احالته على الهامش، طُرد من رئاسة الحكومة، لانهم يعرفون رهانهم الاصلاحي جيدا، ولم يكتفوا بطرده من الحكومة فقط، بل أبعدوه حتى من الحزب، وانتهى البرنامج الاصلاحي لبنكيران باثقال كاهل الفقراء بقرارات تصفوية، وبتقوية دور الهمة، وانتهاء بنكيران حبيسا في منزله يتلقى زيارات “مريديه” والمعجبين به، وفيما يُستقبل من الايام سنشهد العديد من الاحتقانات الاجتماعية بسبب هذه القرارات التصفوية.

صحيح الاصلاح يتطلب طول النفس، والصبر والقدرة على المناورة، لكنه لا يتطلب الانبطاح والخضوع، لا اصلاح قائم على الانبطاح، الاصلاح إما أن يكون أو لا يكون…

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.