حكايُة تَهَافُت..

“حكاية من وحْي الخيال.أي تشابه بين شخوصها وأحداثها وبين الواقع محض صدفة.”

يُروَى، والعهدة على الرّاوي، أن شيخا من شيوخ السلفية “الماركسية اللينينية” في المغرب الأقصى، لمّا أحسّ فجأة بخفّة “مدنية” نادرة تدبّ في أوصاله، أشبه ما تكون ب”كرامة الكرامات”، هذا ما قاله في نفسه، ونُقِلَ عن بعض مريديه أن “الأمرَ كانَ فَتْحا من فتوحاتِ شيخه”.. لذا، وبعْدَ “فترة من فترات التأمل” التي يخصّ بها نفسه بعيدا عن مجالس البلد، ارتأى أن يجمع ذويه وحاشيتَه ومريديه وثلّةً من “صقور القصور” وبعض من الذين تتمنّى عليهم نفوسهم مباهج “الحقائب الخاصّة” من السابقين واللاحقين… ليخفّف قليلا عن “قلبه” المفجوع من هوْل ما تتناقله مجاميع قوافل التجّار والسّياح شرقا وغربا عن أفول العلوم والآداب عن مدارس البلاد وعقول السّواد الأعظم من العباد. وكما عَهْدِ الناس به، توافَدَ على “دار ندوةِ” شيخنا – قُدِّسَ سرُّهُ- نفَرٌ من أهل “اليمين” ومن أهل “الشِّمال”، عربا وعجماً وبربر. قَدِموا من كلّ صوب وحدْبٍ ليشهدوا على “إشراقة” الشيخ “شمس” زمانه. بعد أن نزلوا أهلا وحلّوا سهْلا بمَضَارب “شيخ” المعجزات، بعد “ذبح” و”سلخ”  أكلوا وشربوا وتبادلوا كلمات العزاء القديمة والجديدة  حول هذا البلاء الذي يقضّ مضاجع الأمراء قبل الوزراء،ويُنذِرُ بانفضاض الفقراء قبل الفرقاء، لعنة البلاد والعباد مع العلم والمعرفة، قال أحدهم:” يا قوم، تعليمنا في الدّرك الأسفل من سُلّمِ المراتب،هذا تحصيلُ حاصلٍ يعرفه الجميع (من الشيخ حتّى الرضيع)… “،وقال آخر منْ ذوي الحُظوةِ العالية: “خمسون عاما من (السّقوط)* يا عباد الله…لذا كفى المؤمنين شرّ (التشخيص)، لا تشخيصَ يعْلو على تشخيص (مولانا الإمام)، انتهى زمن تشخيص (السّقوط) فقد تراءى لشيخنا المقدام  للتوّ (سبيل النجاح)،حيّ على النجاح !…” ، وقبل أن يُكمِلَ الضّيف “المُحَقِّقُ المتخصِّصُ” كلامه، قاطعه كبيرُ وَفْدِ العجم دون طلب الإذْن بالكلام قال: “ماذا أصابكم يا قوم وأعمى أبصارَكُم وبصائرَكم؟ بينكم وبين (النجاح) خطوات قليلات أنتم عنها غافلون: (جهويّة رزينة وناجحة ولامركزية فعلية)،(حَكَامة)،(مدارس متعاقدة)،(قابلية التشغيل وِفْقَ شرائع السّوق ثمّ نظامٌ مُؤَدّى عنه)،(تجريب التسيير المفوّض على غرار ما يجري في مصالح عمومية أخرى كالكهرباء والماء…)،(توسيع وتقوية المجتمع المدنيّ السّابح في ملكوت شيخنا الكريم “شمس”الزمان، وإطلاق العنان لأرباب المقاولات وتفتيت النقابات أي – بالواضحات – تحويلها من مجموعات تختلق النزاعات إلى تعاونيات تنظّم عمليّة (دَارتْ) بين المدرّسات والمدرّسين)”، و…حين أنهى كبير العجم كلامه، تبادل آل الشيخ وصحبه فيما بينهم نظرات توحي بكونهم “فهموا ولم يفهموا”، المهم أن هذا العجميّ الماكر المرفق بآخرين – وهم لا يتكلّمون كثيرا ويكتفون بتدخين “أعشاب البلد المتميزة- وزرع البسمات يُمْنة ويُسْرَة أينما حلّوا-  قد تمكّن من عقول قلوب الحاضرين برابر وعرب، وجعلهم يفكّرون بجدّية نادرة  بدورهم الضروري  في قول شيء ما للدّلو بدَلْوهم في “مناظرة” الخلاص ! …سادَ في رحاب مجلس “شيخنا” بعْضُ الصّمت لِلَحظات، ثمّ التفتَ باسما موجّها كلامَه لرئيس الوفد القادم من (اليمن عن طريق الحبشة) كما راج على أبواق البرّاحين: “وأنتم يا ابن العمّ،ما سرّ سخطِكم عن (إصلاحات ومواثيق أولي الأمر )؟ أفيدونا أفيدونا ! “،…تظاهر رئيس الوفد ببعض الشرود الفكريّ كما لو أنه كان يطاردُ فكرةً أهمّ بكثير ممّا قيل في هذا (المحفل) فيما يجوز ولا يجوز في دُور العلم حتّى الآن، لكنّ تسرّعَه في اجترار كلامه القديم فضَحَ تَظاهُرَه بالغوص إلى أعماق “القضية”،قال: ” اللّسانُ يا قوم ! ..اللّسان المتَّفَقُ عليه في ترسيخ الهوية لاَ يستقيمُ والهويّة ! اللّسان القديم مكانُه قبور الأولين منّا ومنكم، اللسان القديم لاَ يَسَعُ عقولَ اليوم كما وَسِعها أمس .. فلنجرّبْ “خلطتنا” السّحريّة هذه المرّة، (ياإِمَّا تْجِيبْ ياإِمَّا تخيبْ)،”خلطتنا” هي كلّ ما يجمعنا وإخوتَنا في الله، أَولمْ يخبرنا الله تعالى في كتابه القديم بأن (الجنة تحت أقدام الأمهات)؟ لذا “ضاعتْ أُولْقينَاها هادْ المرّة آسْيادْنا”، ألسنة أمهاتنا سوف ترسو بنا على برّ الأمان…” ، وكعادته، بَدَا “مازيغ ابن شيشناق” واثقا من قُدْرته اللاّمتناهية على الكلام في “القضية”، وفي “الأساطيرِ المُؤَسِّسَة” لتاريخ طويلٍ من (السّيف أصْدَقُ إنباءً من الكتبِ / في حدِّه الحَدّ بين الجِدّ واللّعب)،كانَ سيَزيدُهُم عِلْما لو لم يسترقْ “الشيخ الأمميّ” الجليل النَّظَر إلى عقارب ساعته السويسريّة الفاخرة ثمَّ تلاها بنظْرة ضَجَرٍ وتضايقٍ صوْب منْبَرِ صاحبه وابن عمّه الثرثار…هكذا سارعَ المخلوقُ “الأصليّ” إلى الاستغراق في صمته من جديد، متظاهرا بملاحقة أفكاره الهاربة !

ولأَنّ (العبرة بالخواتيم) كما قال فصَحَاءُ العرب، شعَر الشيخ “يسار بْنُ استقلال” أنّه من غير اللائق أن يُفَرِّطَ في الكلام المباح في مثل هذا المقام المُتاح، أولَيْسَ هو من “أقامَ الدّنيا ولم يُقْعِدْها ” بعْدُ على دُورِ “السّقوط” والخذلان؟ (تساءلَ أحدهم في قرارة نفسه )،…لذا ارتأى أن يستجمع بريق سنواته السّبعين ويتصرّف، أطْلَقَ العِنان لفنّ الكلام كأيِّ “رفيق عتيق” قَلْبُهُ مُحَمَّلٌ بأثْقالِ بَلدٍ  كسول لا يبارِحُ “السّقوط”، حدَّثَهم قال: ” أنتم تعرفونني أيها الأحبّة، سليلُ ربيع “الشُّونزيليزي” المجيد، صاحب “الكلمة” وما أدراك ما “الكلمة”، قاهر سنوات الجمر بالانصراف للتأمل حينا (وهو أضْعف الايمان)، باغتنام فرص  “الإشارات القوية” أحيانا.. أنا، صاحبكم الذي هبّ لإقراض الناس يومَ لمْ يجدوا من يُقْرِضهم، جالب الحظّ إلى “صناديق” الشّورى (بيننا) لمّا هُجِرَتْ،…هذه المرّة سوفَ أجلب لكم النّجاح…أعْلِنُ ما قيل في (ندوتي) وصايا، أرفعها لأولي الأمر منّا لينظروا  فيها وأنزلها للرأي العام منكم على سبيل الاستئناس ..عيب، والله عيب أيها الأحبة أن نترك أطفالنا عرضة لالتواءات لسان قديم يتحدّث عن جهنم !عيب، والله عيب أن يبقى المعلّم المسكينُ مسكينا،يهدّده الجوع والعراء !..وما أنا إلاّ واحد منكم أيها الناس، ما بجعبتي تعرفونه وما في خزائني تعرفونه ما خبّأْت عنكم شيئا..كفَرْت مثلكم بتلك التي كان يُفْتَرَضُ أن تكون فُصولَ نجاحٍ فأضْحتْ – بقدرة قادرٍ- فصولَ الهَدْرِ المَقيت لعنة الله عليه، لذلك هرّبْتُ أطفالي لمدارس “باريس” حين فطنتُ لأمْر الكساد العلميّ وهو ينخر أدمغة أطفال البلد السّعيد،…واعْلَموا أنّني شيوعيّ قبل الفطام ومع ذلك أقيم الصلاة في البيت (تواضعا) وليس في المعابد القديمة  وآتي الزكاةَ كما لا يأتيها غيري، أصلّي وأرقص وأزكّي…”…استرسل الشيخ أكثر ممّا فعل غيرُه من ضيوفه، كلام كثيرٌ عن أشياء كثيرة ،إلاّ أنّ الرّاوي غَفَا ولم تُعِنْهُ قدْرةُ تحَمّلِه على نقْلِ بقيّة الكلام.

مع أولى تباشير الصباح ، شاع خبر “الندوة” في ربوع المضارب. “تعاليم” الرّفيق “شمس زمانه” نزلت كالصاعقة على عمائم غلاة “السّنّة والجماعة”، كانوا أوّلَ من علموا بحُكْمِ ما عُرِفَ عنهم من الاستيقاظ باكراً ليغنَمُوا حسناتِ الفجر وطاقته، بدَا أنهم اغتاظوا غيظا شديدا من مجرّد سماع تلك الأقاويل عن “لغة الأجنّة” بدَلَ لغَةِ (الرّسالة) السماويّة، لغة أهل الجنّة. لغة العلم كلِّه. بل لغةُ النّور كلِّه. أية زندقة هذه؟ أيّة بِدْعة ! أيّة ضلالة ! ..وجريا على خُطَى عاداتهم القديمة مع ردِّ المُنْكَرات وصَدِّ كيد الكائدين، تَنادَوْا إلى معابدهم مُسرعين، حتّى أن حاجب “فضائح” سياستهم لمْ يُطِقْ الصّبر حتى تَصِلَه نسخة “الوصايا” المرسولة له حتى يتبيّن، حدَّثَ الحُشُودَ الغفيرةَ الغاضبةَ قال مُقَطِّبا جبينَه: “هؤلاء هم أعداء المضَارب أيها الناس،هؤلاء هم الذين يُحاربون الدّين،هؤلاء هم الذين (يأكلون الغِلّة ويَسُبُّون الملّة)،هؤلاء هم الذين ختَم الله على قلوبهم وبِئْس المصير !  هؤلاء مُسُوخ سيبعثهم الله يومَ الحشْر تماسيح وعفاريت ..”،على سبيل الختْم قال رافعاً قبضة يده اليمنى يُلَوِّحُ بها في الهواء رافعا سبّابَة أصابعه : “نحن أيها الإخوة لن نعلّم أبناء المضارب سوى الكتابَ ولُغتَه إلى يوم الدين ! “،انصرف الحاجب إلى بطولاته الهوائيّة تاركا المجالَ لصاحبه الذي يفهم في كل شيء ليهَدّئَ من مخاوفِ الناس عن الكتاب ولغتِه المستهدفيْن من طرف العَجَمِ و”أحفادهم” وتابعيهم.. المهمُّ أن لا الحاجب ولا صاحبه تطرّقَا في كلامهما الغزير لتفاصيل حديث كبير وفْدِ العَجمِ.. كما أنهما تحَدّثا ب”خلْطتنا” الفصيحةِ حتّى تصِل الرسالَةَ أسماعَ وعقولَ “رعايا” المضارب ! وهذا ما اسْتهجنَهُ بعضُ مُنْدَسِّي الشيخ “يسار” بين جموعِ السّلف الصالح،واعتبَرُوهُ نفاقا مُبينا لا غبار عليه.

تعالَتْ أصواتُ الشّجْبِ والسّبِّ في كلِّ صوْبٍ وحَدْبٍ من الربوع. واسْتُنفِرَتِ المنابرُ والحناجر والشّاشات. كَبُرَ الشِّقاقُ. انبرى الخطباء على منصّاتِهم يَتَحاجّوُن في وصيّة “ندوة” (النجاح) التي تنصحُ العَامَّة بالتّخَفُّفِ من أثقالِ اللّغة والدّين في كتاتيبهم ومدارسهم العقيمة!  اتّضحَ للرّاوي – في لحظة يأس – أنه من غير المعْقول أن تمرّ كلمات “كبير العجم” مرور الكِرام، تلك الكلمات الغامضة من قبيل “التسييرالمُفَوَّض”  و”اللامركزية” و “قانون السّوق” و”المقاولات”…أيُعْقَلُ أن يتغاضى الدّعاةُ عن كلّ هذا الشّرور المندَسّ بين سطور ندوة شيخ الرّفاق وأصحابه من عرب وعجم وبربر؟..

ثمّ ظهر إدْريس مرّة أخرى.هذه المرّة قرّر إدريس أن يتحرّرَ قليلا من متاهات “أوراقه” وتجاربه الذّهنية الملفوفة بالصرامة والغموض.(خرج إدريس من مقبعه) أكثّرَ خِفّةً أكثر نشاطا أكثر حكمة . إدريس الذي  “فضّل الخمول على الظهور حتى ظن البعض أنه مات وهو مازال يُرزَق″ لا يضيِّعُ وقته الثّمين في تصفُّحِ “كلمات” شيخ الرّفاق ولا فصول مسرحيّاته المبكّرة الفاشلة..وحتّى لمّا أهداهُ الشيخ “كُنّاش” وصاياه أمام الناظرين أوقف إدريس “الهديّة المسمومة” بقِواه الخفيّة في الهواء ورمى بها بعيدا عن متناول يده، (ما أثار ذهول الرّوي ودهشته). إدريس لا وقت له في خلواته لِمثلِ هذه “الوصايا” الكسولة. إدريس ضمّنَ أوراقَهُ كلّ ما قلّ ودَلَّ فيما يتخاصَمُ فيه السّلَفُ والخَلَفُ لكنّ أوراقَهُ لم يقرأها أحدٌ،خصوصا مع اشتداد وباء “الهدْر ” اللّعين على أدمغة العباد.معظم أوراق إدريس تبعثَرتْ وانتهى الكثيرُ منها في دكاكين “البقّالين الذين أحرقوها أو غلّفوا بها الحمّص”. لذا قرّر إدريس هذه المرّة أن يُخاطِب عموم الناس وخاصّتهم على مرأى ومسمع منهم،في حضْرة شيخ الرّفاق “شمس الشموس” بلحمه ودمه. صمتَتِ الجموع فاسحَةً له مجال الكلام فقال: ” كبيرُ العجَمِ يُضْمِرُ في “الوصايا” تقويضَ وحدتكم جريا على الأساس القديم (فَرِّقْ تَسُدْ) . تجّارُ العبيد يضيقون عِرْضا بِسلْعة تفهم في الأدب الرفيع وفي الفلسفة والماركسية وعلوم التاريخ.. يريدون “عبيدا” على المقاس، ولغة “الأمّ” تكفي في سوق النخاسة للأعوام المئة القادمة. أيها الشّعب، البيت بيت والمدرسة مدرسة. للماضي إشراقاتُه التي لاَ يجِبُ التنكّر لفضْلها على الحاضر.ولنا حقّ على ملايين من جيراننا في الذين تقاسمنا وإياهم السّراء والضّرّاء لقرون، وهل يخرج عن الجماعة إلاّ الشيطان؟ ..”الندوة” أيها الناس إما (نافلة) أو درِّ رمادٍ في العيون..، أما “خبراء” ندوتك يا شيخ الرّفاق فهم حفنة من ذوي (الميولات الايديولوجية) من الباحثين عن عمل لأنفسهم”.بهذه الكلمات حسَمَ إدريسُ الجِدال.وانصرف إلى تفاصيل خلوته الثقيلة.أمّا شيخ الرفاق فقد آثَرَ التقليلَ من الكلام ولو إلى حين،مخافةَ أن يُفسِدَ عن إدريس خلوته،فيعود مرّة أخرى لتأديبه أمام أعين الناظرين. خصوصا لمّا أخبرَه بعض “خبرائه” بالرِّضى الكبير الذي لاقاه كلام إدريس في خواطر وعقول الجموع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.