حكاية معلم كاد أن يكون رسولا

كاد المعلم أن يكون رسولا، مثل متداول وشائع، مؤخرا أصبح يستعمل في الاتجاهين، لكنه دل في أصله على نبل رسالة المدرس، وفضله على الأجيال المتعلمة بتلقينهم مفاتيح ولوج عالم العلم والمعرفة.
ساهم المعلم في خلخلة وضع كانت تسوده الأمية والخرافة بإدخاله قيم وأفكار جديدة، زاحم مكانة الفقيه بما لهذا الأخير من رمزية دينية.
عند المحاولات الأولى لتعميم التعليم، تمت الاستعانة بحفاظ القرآن لسد الخصاص، فانتقل الكثير منهم من “المسيد” لفضاء القسم على عجل من دون أي تأطير أوتكوين مسبق. وحافظوا على كل مقوماتهم السابقة في التلقين ب” المسيد” التي تعتمد على الحفظ والقسوة في التأديب لدرجة السادية أحيانا.
غادرت إحدى أخواتي المدرسة عند القسم الثالث بسبب معلم فقيه في الأصل، كان يجبر الصغار على فتح أفواههم و”البصق” فيها كوسيلة عقاب وتأديب. الصغيرة لم تحتمل المشهد المقزز، فأبت أن لا تعود للمدرسة قبل أن يقف الدور عليها وتلقى نفس عقاب ما تعرض له زملائها التلاميذ بالقسم من طرف معلمهم.
جيل أصبح الآن كهلا أتقاسم معهم مسقط الرأس، كلما سنحت فرصة اللقاء فيما بينهم يتذكرون أيام المدرسة الشقية، ومدى قسوة المعلم، الذي دفعهم للفرار، وتفضيل شقاء الحقل وأتعاب الكبار على الاستمرار بالمدرسة الذي ارتبطت عندهم بحصص تعذيب يومي.
مصطفى زميلي التلميذ بالابتدائية تعرض يوما لحصة عقاب قاسي من طرف معلم، فقرر على إثرها مغادرة القسم والبلدة، غاب مصطفى لسنوات طوال، وعاد مجنونا للبلدة بلباس أفغاني، كلما صادفته بالبلدة يذكرني بأيام الدراسة وبعض مدرسينا الموشومين بالذاكرة.
مستقبل أختي الدراسي هدر بسبب قسوة المعلم السادي المذكور، وكان يمكن أن يكون لها شأن ومستقبل آخر، غير زوجة مهاجر بالديار الفرنسية، وكذالك الأمر مع الكثيرين ممن تسربوا من المدرسة عندما لم تعد تحتمل أجسادهم الصغيرة حصص عقاب من قبل مدرسيهم كان بمثابة وجبة يومية.
بفرنسا النموذج المحتذى لكن بشكل ممسوخ، يتم تخصيص رحلات للتلاميذ من أجل الاطلاع على مدارسهم العتيقة، واكتشاف طرق التلقين التي كانت تعتمد العقاب والإهانات بهذه المدارس التي أصبحت من الماضي.
نظريا يحظر التعنيف من داخل مدرستنا العمومية، لكن واقع الحال يكشف وجود هذه الممارسات وغيرها عبر وسائط أصبحت تساهم في فضح بعض منها.
ما قام به المعلم صاحب “فيديو رقم 5” النادم على فعله، عندما قام بتصوير التلميذة نادية وهي تخط رقم 5 بشكل خاطئ على الصبورة، محرضا زملائها على السخرية من خطئها، والصغيرة نادية محاصرة أمام الصبورة تتلقى سخرية زملائها ومعهم مدرسها هو جرم أخلاقي وتربوي لا يغتفر، يكشف عبثية كل ما سوق من شعارات وبرامج صرف من أجلها المال الكثير. لكن الموضوع يجب أن لا يقتصر عند حدود معقابة المدرس المعلوم، بل وجب أن يرقى لمسائلة منظومتنا التعليمية ككل.
من جانب آخر يظل واقع نساء ورجال التعليم بقرانا وحتى مدننا يدعو للتضامن والمساندة، لشروط عملهم وظروف حياتهم الصعبة (عدم توفر شروط العمل من اكتظاظ وتعدد المستويات بقسم واحد خلال حصة زمنية واحدة…)، لكن ذالك لا يعفي المعلم من القيام برسالته على أكمل وجه.
رجال ونساء تعليمنا السابقين كانوا مؤمنين برسالتهم التي يمكن أن تساهم في بناء مغرب آخر كانوا يحلمون بتحققه من خلال الناشئة. كانوا قساة أحيانا، وافتقدوا الطرق المنهجية والبيداغوجية في التدريس لكنهم كانوا صادقين في مهنتهم. بينما جيل المدرسين الحاليين انعكست انكساراتهم وإحباطاتهم على تحصيل أجيال مبتدئة لا مسؤولية لها على وضعهم.
تنويه: لا نقصد تعميم كل هذه المؤاخذات على جميع أساتذتنا وكان للكثير منهم الفضل على توجيهنا ومسارنا التعليمي، لهم كل التقدير والتحية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.