حكايةُ إضرابٍ عام

“لكي يُفلح الإضراب العام، من الضروري أن يحدد قادةُ المقاومة الأهدافَ السياسية للصراع تحديدًا دقيقًا وأن يتأكدوا من إمكان بلوغها فعليًّا. ويعودُ إليهم، إذن، أن يتزودوا بوسائل بسط هذه الأهداف بسْطًا واضحًا، للسكان وللسلطةِ الخصمِ على حدٍّ سواء؛ وإلاّ، فيُخشى فعلاً أن يتحول الإضرابُ العام إلى حركة تمرُّد مآلُها لا محالة إلى الإخفاق”. من “قاموس اللاعنف / الإضراب العام”.

اجتمع النقابيون، رفاقا وإخوة.استعرضوا تفاصيلَ الكَسادِ ومظالِمَ العِباد،وأعلنوها صراحةً في وجه الوزير الفقيه:”أَفْقَرْتَنا أكْثَرُ يا فقيه! سياستُكَ لَعِبُ أطفال،ومن تسحّر معك أَصبَحَ مُفطِرا.ألْهيْتَنا بما قاله الله وما قاله الرّسول وحكايات العفاريت والتماسيح،وخلسَة تسلّلت لجيوبنا ولصناديقِ أرزاقنا كفأرٍ ماكِرٍ غدّار تفسد فيها ولا تُصلح.قطعُ الأَعناق ولا قَطعُ الأَرزاق يا فقيهُ.تزيدُ في الساعة وفي شروط الطاعة وفي الضريبة وفي الأسعار وفي الدّيْنِ الخارجي وفي رؤوس وزرائك النّجباءِ المتشبّهين بالقوارض زمن البؤس.استغلال أكثر،أجرٌ أقلّ، ومَعاشٌ أعرج ! أنتَ التمساح إذن وأنت العفريت يا وزير.إنّا عنْ سياستك مُعرضون،وإنّا لَمُضرِبون”.

سرَى الخبَرُ في الجموع،تداولَه العوامّ والخواصّ في العلن وفي السّر،تبَنّاهُ السياسيون المعارضون والنقابيون الانتهازيون والدّعاةُ المحافظون.تناقلته الشاشات والصّحف والمدونات.اختلط الكلام المفيدُ بأبواق السّموم.ودُقَّتْ نواقيس الخطر وسادَ الحذر.وصار الإضراب العام حديث الأحاديث.

الوزير الفقيه لا يثق البتّة في النقابيين.يُقالُ أيْضا إنّ ربطة عنقه التاريخية التي رافقت استوزارَهُ ملطّخة بدمٍ نقابيٍّ مغدورٍ. إنهم ببساطة ثلّةٌ زائغةٌ من الشيوعيين العلمانيين الملحدين الذين يُضمرون للأمة كلّ الشّرور،يفتِنون الوطنَ ولا يُصلحون. فئةٌ ضالّةٌ مُضِلَّةٌ مُتَخَصِّصَةٌ في التّحريض على الإضراب.يأكلون النّعمة ويسبّون الملّة.قال لأحد مريديه يُنذِره:”الإضرابُ العامُّ بدعة !”.الوزير الفقيه لا يلتفتُ إلى النقابات الجاحدة المُحرّضة على فِتن الجيران،وهل النقابةُ إلاَّ رجْسٌ من أفكار ماركس اليهودي وتابعيه من المجوسِ والبهائيين والصفويّة الرافضة شرّفَ اللهُ قدْر الأمّة؟ هذا ما يؤمن به الفقيه الوزير ومن والاَهُ. قال لهم متكبّرا:”إنّي عاهدتُ اللهَ والبنكَ الدّوليّ وأخيه صندرقَ النّقدِ على تحقيقِ إصلاحِي هذا،أو أَستقيلَ دون ذلك”.تابِعُو الوزير الفقيه وتابعوهم لا يفقهون كثيرا في شروط المديونية الخارجية ولا في التسلّط المالي للمؤسسات المالية الدولية على العمال والشّعوب،ولا في موازنات فقيههم “الماكرو اقتصادية الاستراتيجية”،ولا في تاريخ الإضراب العام.إنهم ببساطة مشغولون بالعفْوِ عمّا سلَف،وبالتعريف بآداب وشروط قراءة اللّطيف على “داعش” النائمة فينا و”إيبولا” المُتربّصة بنا.وحتّى لمّا أتى الفقيهَ الوزيرَ نَبأُ الاضراب العامّ تَصَنّعَ الكثيرَ من اللاّمبالاةِ مُستهيناً بقُدْرةِ أي تمساح أو أي عفريت على زحزحةِ مكانتِهِ بين القطيع.معَ ذلك لَمْ يفُتْهُ التّذكيرُ بأنّ الأجرَ يكون بخواتمِ الأَعمال.”ومن لمْ يَعْمَلْ لا أَجْرَ لهُ ولاَ مُبَرِّرَ لإضرابه.إنّما نوَيْتُ إصْلاحاً لصناديقِكم المثقوبة،صلاحاً لأنفسِكم الأَمّارة بالإضراب.وما أنا إلاَّ واحد منكم،لفظَتْني الصناديقُ الزجاجيّة على حين غرّة لأجتهدَ في إصلاح كلّ صناديقكم،إن أصبْتُ لي أجْران،وإن أخطأْتُ فلي أجْرٌ.أمّا المُضرِبونَ فلا أَجْرَ لهمْ ولا عُذْرَ لغُلُوّهم الفتّان”.وقبل أن ينصرفَ الفقيه لخُلْوة إصلاحيّة أخرى في إحدى منتجعات المملكة السعيدة،لِيُرتِّبَ إصلاحاته الرّبانية بعيدا عن ضجيج الحسّاد المتربصين المترصّدين،بشَّرَ مُريديه وأتباعَه بنبإ عظيمٍ سيأتيهم به يوم الإضراب العام.ولم ينْسَ التعريجَ في كلامه – بصفته صديقاً لجلاّد أو قاتل قديم – على التحذيرِ من “عرقلة حرية العمل” في اليوم المشهود،و”كل ما من شأنه” تقويضَ الاستثناءِ زمن الفتنة،مُحيلاً بذلك على قانون الجنايات القديم.

طائفةُ الفقيه الوزير مُغَفّلون ومنافقون.”إنّهم كالخرفان،تراهُم يبعبعون أينما حلّوا وارتحلوا” أفصحَ صديقُ الأمير.لمّا ابتَلاهم السّلطانُ بمباهجه تنكَّروا لكلّ وعودهم بسطوع شموس العدل والنّماء.استعصى عنهم التّوحيدُ فاحترَفوا الإصلاحَ بمصابيح الأتراك وبطاريّات قطر وشيكات مغارات اللصوص المُقامرين ليل نهار بأرزاق الكادحين ودماء الشعوب. قصّة الحبّ الناشئة بين حكومة الفقيه ومؤسسات المال الدولية أَلهمت ابناً بارّا من أبناء الطائفة فنبغ في لعبة البوكر كما لم يفعل مواطن صالح قبله فغنم منها ثروة صغيرة. صاروا كالقنافذ ليس بينهم أمْلَس.”يتعلّمون الحلاقة في رؤوس اليتامى بلا سكّين ولا ماء” قيل قديما في كازابلانكا.ويتبجّحون بإنجازات ماليزية وتركيّة قطريّة لا توجد سوى في مخيّلة مذيعي قناة الجزيرة العالمة.إنهم مُشَعْوِذو الإصلاحية الجديدة.دجّالون مُحترفون يبكون مع الرّاعي ويتعشّون مع الذّئاب. لذا تراهم يستنفِرون بعضَهم بعضاً لتبخيس وتحقير كلّ ما يمتّ بالإضراب من صلة.يتاجرون في الدين وفي الوطن على حدّ سواء.هم يعرفون تماما ما هم عليه فعلاً فتراهم يتفنّنون أكثر في كلّ صنوف الدّجل في محاولة منهم لإخفاء حقيقةٍ واضحةٍ عبّر عنها رجلٌ عجوز بقوله:”إنهم يمسكون الديمقراطية من المؤخّرة بلا حشمة بلا حياء !” .

الوزير الفقيهُ الصّغير النّاطق الرّسمي باسم الإصلاحات وَبوقُها الوفيّ.يبدو أنه تلقى ما يكفي من دروس واختبارات “الثبات الانفعالي” في مختبرات المخزن السرّية.صار يدافع عن الشيء ونقيضِه دون خجل.”الإضراب حقٌّ وإضرابكم باطل !” قال.لوْ لمْ يتمَّ استوزارُ هذا الكائن الغريب لكان انقرض.يقول:”الأجر مقابل العمل !”،وماذا عن السبتِ والأحدِ والأعيادِ والإجازات يا وزير؟ لاَ يردُّ الوزيرُ وقدْ يكون في الأمر إصلاحٌ جديدٌ قادِم قاعِدتُهُ الأَجرُ مقابلَ العمَلِ وقدْ جرى تتْميمُه وتعْميمُهُ ونشْرُهُ في الجريدة الرسمية.الوزير الناطقُ لم يَفهَم ولم يتفهّم دواعي الإضراب العام فاعتبره مناوشة سياسية رخيصة لا يُعَوّل عليها.وبصفته فقيها في الاتصال،فقد اتّصل فعلا بكلّ مُريدي الحركة الإصلاحية يحثهم على إخراج ما دَفَنوا بقلوبهم من أحقاد عن النقابات الكافرة المُلْحدة المقامِرةِ بالسّلْم الاجتماعي وأمن الوطن.تعالى التكْبيرُ على صفحات التجديد وتعالى صياح التهديد والوعيد.وفاحت روائحُ كريهة تزكم الأنوف عبر صفحات النّت تُصَفّي حساباتٍ ضيّقة جدّا على حساب “الإضراب العام” الذي يبدو أنّه ما دام صنَع المعجزات في تونس لا يجب أن تقوم له قائمة في المملكة المحروسة.أحدهم استفاق بعد الظهر وخرج يتجسّس على أنشطة بائعي الكيف والعاهرات ليتأكّد بأمّ عينه من نجاح الإضراب العام.فنجاحه من عدمه مرهون بإضراب هؤلاء كما بدا من مخيّلته المغرورة.لم يصله صدى “الأجر مقابل العمل” فساوى الإضرابَ بيم عطلة في القطاع العام لا أكثر ونصَحَ الإِصلاحَ بالإسراع بخوصصة التعليم والصّحة،وفعلا جاءت الاستجابة مُسرعة إذْ ثمّن الوزير الفقيه نصيحَتَه وتبنّاها في مؤتمر دوليّ حول سُبُل التنمية المستدامة والحكامة الجيّدة في الدول السائرة في فلْك النموّ…وأخرى اختلطَت على أنفها الكبير روائح كريستيان ديور وعنبر سائقي الطاكسيات الملتحين الراغبين في الزواج على السنّة النبوية الإلهية بما يكفي دِماغَها للشّروع في التّخصّص في تسويق ماركوتينغ النضال المُضاد بأنواعه وأشكاله وألوانه،ولِتصنّع تذمُّرٍ طفولي سخيف من جرّاء ما يَنْتُجُ عن الإضراب من توقّف للخدمة العموميّة.وآخَرُ يدعو من منبره الصّالِح بضرورة خوض إضراب عام مضاد للإضراب العام المُعلَن.من نُصدّق إذن؟ حكومة سلفيّة مصابة برُهاب التماسيح والعفاريت تقول إن الإضراب لا يُخاضُ أم مدوّنِين مثقوبي الذّاكرةَ معطوبِي الشخصيّة يقولون إنّ الإضرابَ يخاضُ لكنّهُ مجرد فزّاعَةٍ بيروقراطيّةٍ وتعبيرٌ بدائيٌّ عن الثورة كما يجب أن تكون؟

حلّ يوم الإضراب العام،نُفِّذَ بتفاوتٍ هنا وهناك.استعرتْ حرب الأرقامِ بين النقابيين والفقهاء والسياسيين والمدوّنين الحالمين.احتفل المناضلون بإضرابهم الناجح فرادى وجماعات وأَعلَنوا تشبّثهم بمكتسباتهم وحقوقهم رغْمَ أنوف و لِحِيِّ الإصلاح المنافق الجارف.شمتَ الشّامتون في الإضراب الفاشل وأَعلنوا تشبّثَهم بإصلاحهم الثّاقب.أضْربَ الموظفون والعمّال والتّجار والسّائقون والأطباء والمهندسون والصّيادون والصحفيون والطلبة…ولم يُضرب العبيدُ والخائفون والانتهازيون والمغفلون والبخلاءُ وأرباب الأعمال وأعضاء حزب العدالة والتنمية والسّلفيون المتعاطفون على أساس “انصُرْ أخاكَ ظالما ومظلوما”…أمّا النقاباتُ فقد استفاقَتْ من سباتِها العميقِ على ما يبدو.بَعْدَ غيابٍ مُضْنٍ كلّفَ اختطافَ الوَطن من لدُن عصابات البنك وصندوق النّقد الدّوليين والشّركات العابرة للقارّات.

النقابات باتت تَعي وَتُدْرِكُ دَورَها التّاريخي في قيادة الشّعوب إلى الانعتاق والتّحرّر من الاستغلال في هذه المرحلة الحَرجة من تاريخها في ظلّ عولمة اقتصادية تأتي على الأخضر واليابس تزيدُ الفَقيرَ فقْراً والغنيَّ غِنىً ،وحينَ تصطدِمُ بالإضرابات العامّة تقمعُ وتَختطفُ وتقتُلُ وتشنّ الحروب بطائرات من دون طيار وعصابات “المطر الأسود” وتُموِّلُ ثُواراً يعلنون التّوبةَ والدَّولةَ الشرعيّةَ منذ تسلُّمِ أوّلِ شحنة سلاحٍ نوعيّ،وشحنات السلاح الأخرى ستسقط عليها لاحقا من السماء خطأً بسبب شدّة هبوب الرّياح.وفي تجربة تونس والدور التاريخي لنقابة الاتحاد العام في حماية الشعب التونسي من مصير كان يمكن أن يكون مجهولا عِبرة للوزير الفقيه كما للنقابيين وللمُزايدينَ على إضرابهم الواضِحة أهدافه.لا لثالوث : عمل أكثر،وأَجْرٌ أَقَلّ،ومَعاشٌ أعْرج.لا لإِملاءات المؤسسات المالية الدّولية.

الوزير النّاطق باسم الإصلاح لم يتأَخّر في زَفِّ بشرى الفقيه الوزير للشعب السّعيد.وبصفته فقيه اتّصال،لا يَصْعبُ على أمثاله إيجادَ الزمن والوسيلة المناسبيْن.”خصّصت الحكومة ألف درهم شهريا للمطلقات”،”الأرامِلُ لم نُقَرِّر في شأنهنّ شيء،قلتُ المطلقات”.الإصلاحية الجديدة ترأف لحال المطلّقات! “ولكن،لِمَ لا يُوفّرون عملا لهؤلاء المطلّقات فَيَهْنَأُ السّوق؟”علّقَ أَحدُهم.قالَ آخَرُ بنيّةِ أجدادِه:” أخاف أن تطالبني زوجتي بأوراق طلاقها من أجلٍ مبلغ الإعانة !”،قبل أن يستطردَ ضاحكا:” قدْ يكون ذلك أفضلُ للأطفال.سوف يضمنون على الأقلّ أجرا دونَ عمل يقيهم من التشرّد ما دُمتُ عاطلاً !”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.