حقوقيون وحقوقيات يقرأون أسباب ارتفاع نسب تزويج القاصر بشكل مهول من خلال الأرقام التي أعلنت عنها وزارة العدل في الذكرى العاشرة لتطبيق المدونة.

كانت بداية قصة اسمها مدونة الأسرة قد أثارت جدلا وتقاطبا لم يسبق أن عرفه أي مشروع قانون من قبل بالمغرب، وقد عجلت حينها برحيل الوزير سعيد السعدي الذي حاول تمرير مشروع قانون رفضه بشدة آنذاك الطرف الإسلامي. بعدها عُين الاستقلالي “امحمد بوستة” على رأس لجنة صياغة مدونة الأسرة، ونجح بشكل توفيقي في بلورة مدونة أسرية ترضي الطرفين، وتترك الباب مفتوحا للاتجاهين للنظر إليها وتأويله، وهو ما جعلالحركات النسائية والحقوقية لم تهدأ في الاحتجاج على بعض الثغرات والقوانين المجحفة المتضمنة لها.

بعد عشر سنوات من استصدار مدونة الأسرة، واحتفاء بالذكرى العاشرة لبداية العمل بهذه المدونة، عقدت وزارة العدل بالشراكة مع وزارة التضامن الاجتماعي ندوة بالمعهد العالي للقضاء بالرباط في موضوع: «عشر سنوات من تطبيق مدونة الأسرة: الحصيلة والآفاق ـ 2004 ـ 2014 « لعرض حصيلة 10 سنوات من مدونة الاسرة، الندوة كانت بحضور امحمد بوستة رئيس اللجنة التي كانت تكلفت بصياغة مدونة الاسرة، كما شهدت الندوة حضور العديد من جمعيات المجتمع المدني التي جاءت للاحتجاج على الوضعية المتدنية التي تعيشها المرأة رغم وجود مدونة الأسرة، و قدم وزير العدل مصطفى الرميد خلال الندوة معطيات صادمة عن ارتفاع مهول في عدد زواج القاصر، فقد ارتفع العدد من 18341 سنة 2004 إلى 35152 سنة 2013، هذه الأرقام المهولة حملنها في أنوال بريس إلى مجموعة من الحقوقيين والحقوقيات والناشطين في المجال، وحاولنا استبيان أرائهم في هذا الارتفاع المهول، ماهي الاسباب التي أدت إلى ذلك في نظرهم، وما الحلول الناجعة للحد من هذه الظاهرة الخطيرة التي تكون لها انعكاسات سلبية بعدية خطيرة…
نجيب السكاكي رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الانسان بطنجة يرى أن “أن هذه الأرقام المرتفعة تعتبر مؤشراً خطيراً على تفاقم هذه الظاهرة ،وهذا يعكس، ليس الثغرات القانونية التي جاءت بها مدونة الأسرة عام 2004 فحسب، بقدر ما تعكس أيضا مدى ترسب الثقافة الرجعية في مجتمعنا المغربي،” كما حمل السكاكي المسؤولية لمدونة الأسرة نفسها في حماية هذه الثقافة، فرغم وجود المادتين 18 و19 اللتين تحددان السن القانوني للزواج ” إلّا أن المادة 20 تراجعت عن هذا الشرط، حيث يمكن لقاضي الأسرة المكلف بالزواج بأن يأذن بالزواج دون سن الأهلية “بمقرر معلل”، وهذا ما أجهز على بعض المكاسب الجزئية التي جاءت بها المدونة ،حيث أصبح الاستثناء قاعدة، والا بماذا نفسر ارتفاع الأرقام الورادة في احصائيات وزارة العدل؟ وتزايد طلبات زواج القاصر؟ الجواب هو موافقة قاضي الأسرة” يشرح السكاكي.

ومن جهة أخرى يضيف السكاكين أن “التنصيص في مدونة الأسرة على زواج القاصر ولو استثناء، يعد جريمة وخرقا خطيرا للاتفاقيات الدولية وكل مبادئ وقيم حقوق الإنسان، ويشجع على هذه الظاهرة، فالقاصر وخاصة الفتاة يتم تزويجها قهرا، وغالبا ما تنحدر من أسر فقيرة ومناطق مهمشة، وهذه “العلاقة الزوجية” لا تدوم لسنة أو سنتين ثم يتم الطلاق ،وتصبح امرأة بأطفال (أمهات مطلقات) حيث يتعرضون للتشريد والعنف هم أيضا ويصير وضعهم معقدا. ففي الوقت الذي تكون فيها الطفلة القاصر محتاجة للحضن والرعاية والمدرسة تصير تعسفا مسؤولة عن عائلة، الشيء الذي يعرضها للعنف بأبعاده النفسية والجسدية. ” ويضيف السكاكي اننا كحقوقيين نعتبر “زواج القاصر يتناقض مطلقا مع قيم حقوق الإنسان بمفهومها الكوني والشمولي، ونطالب كما طالبنا سابقا الى جانب الحركة الحقوقية والنسائية، وكل المدافعين عن حقوق الإنسان، بإسقاط كل القوانين والتشريعات الأساسية أو الاستثنائية التي تشرعن زواج القاصر، والنضال المستمر من أجل المساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة ومناهضة كل أشكال العنف والتمييز ضد المرأة.”

الاستاذة خديجة جنّان محامية في هيئة طنجة وناشطة حقوقية ترى أن سبب ارتفاع هذه الأرقام راجع إلى عدّة أسباب، من بينها “ان محتويات المدونة الجديدة الصادرة سنة 2004 لم يتم ايصالها لكل ربوع الوطن بما في ذلك البوادي…وهذا ايضا له دوافعه خصوصا من طرف الجمعيات النسائية المنتمية للجهة المحافظة سياسيا…وهذا يجعل غالبية ساكنة البوادي وخصوصا من يتزوجون دون اللجوء الى المحاكم اي عن طريق الفاتحة او الزواج العرفي….هذه الشريحة لا تعرف ان القانون ينص على 18سنة كسن للزواج،وان علموا فانهم اصلا لا يحتاجون للقضاء ليذكرهم بذلك أو يمنع طلبات الزواج دون السن القانونية.” كما ترى الاستاذة جنّان أن من بين الأسباب أيضا التقصير الذي يعتري عمل الحركة النسائية والحقوقية في بلدنا، إذ أن “ان الحركات النسائية لم تتجند للوصول للمناطق النائية من أجل العمل على تنوير تلك الساكنة، كما أن “الحركات التي استطاعت الوصول وهي احيانا تكون محافظة (ولها امكانيات مادية) فإنها لم تركز على عامل السن بقدر ما كانت تركز على ضرورة التوثيق فقط.”

كما تشير الاستاذة إلى عوامل أخرى ساهمت بدورها في تكريس زواج القاصر تتعلق أساساً بالثغرات القانونية التي توجد في مدونة الأسرة ” فالنص القانوني فتح للقاضي باب القرار في هذه المسالة وبالتالي يتم الضغط بطرق اخرى موازية منها:

-الجانب الاجتماعي….كون المجتمع ثومن بان مصير الفتاة الزواج..

-الفقر وهذا عامل مهم يسمح للأسر ان يزوجوا بناتهم لرجال اغنياء وميسورين

-الخوف من انحراف الفتاة

-الخوف من العنوسة كما يراها المجتمع

-القضاء غير النزيه……وهذا يكون عرضة للارتشاء من طرف ازواج يريدون الاستجابة لطلباتهم….

-العقلية المحافظة لبعض القضاة…”

كما تشير الاستاذة جنان أنه للحد من هذه الظاهرة المشينة “يجب تغيير الفصل 20 و21 و22 من مدونة الاسرة المتعلق بالزواجوالتصريح بشكل قطعي على سن الزواج وربطه بسن الرشد القانونية حتى لا يكون هنالك مجالا لأي عبث من طرف اي كان.” كما ايلاء الاهتمام، تضيف الاستاذة، اولا للقانون، ثانيا القضاء، ثالثاً التعليم (للفتاة)، رابعا المساواة في الفرص، خامساً الغاء كل أشكال التمييز ضدّ المرأة، سادساً تحريم كلّ أشكال العنف بما في ذلك العنف الاسري والزوجي، المعنوي والنفسي، سابعاً تنمية المناطق النائية وترشيد خدماتها، ثامنا محاربة الفقر، تاسعاً محاربة الرشوة والمجاملات بخصوص اجراءات الزواج…

أما بالنسبة إلى الناشطة الحقوقية المناضلة الزهرة قوبيع فإنها ترى أهم عوامل ارتفاع نسبة زواج القاصر ترجع بالدرجة الأولى إلى “الثغرات القانونية المتضمنة للمدونة، إضافة إلى انتشار الخطاب الديني وتأثير الفضائيات، وغياب سياسة تعليمية صارمة تقر إجبارية التعليم حتى السادسة عشرة ووضع آليات لتنفيذها، وكذا برامج موازية للتكوين والتعليم، أما التحجج بالظروف الاقتصادية والاجتماعية فأعتقد أنها حجج يقدمها البعض، وخصوصا القضاة، للإشراف على بيع أجساد الفتيات الصغيرات لمن يملك أكثر مما يملكه الأب، واعتقد مبرر ان عائلة الفتاة فقيرة هو مبرر واهي، باعتبار أنه في أغلب الأحيان تكون تلك الفتاة هي من يساهم في ما تقتات به الأسرة سواء عبر القيام بالأعمال الفلاحية، أو الرعي أو العمل في البيوت. وتؤكد الوقائع الاجتماعية أن أغلب القاصرات يغادرن بيت الزوجية باكرا ليبدأ مسلسل الطلاق وينضاف إلى عبء العائلة عبء المحامي وربما الطفل أو الأطفال…”

كما لفتت الانتباه الناشطة الزهرة قوبيع أيضاً إلى العراقيل التي تعتري عمل الجمعيات الجادة العاملة فعلا على ترسيخ القيم الكونية لحقوق الانسان وذلك غالبا نتيجة الحصار الذي تُعاني منه ولصعوبة الاشتغال وتغطية عملها بشكل أفقي على مجمل مناطق الوطن فهي ” لا تملك من وسائل التأثير إلا القليل، كما أن العديد من الجمعيات النسائية التقدمية تبقى متمركزة بالرباط والبيضاء وهي المدن التي سجلت فيها اقل نسبة لزواج القاصرات وذلك راجع أيضا لدور القضاة في الأمر فرغم توارد طلبات تزويج القاصرات على محاكم البيضاء مثلا، غالب ما يتم رفض الطلبات”، كما ترى من جهة أخرى أن العديد من الجمعيات النسائية على مستوى الأقاليم والجهات “يبقى خطابها غامض في هذا المجال أو حتى إن كان واضحا فهي قليلا ما تعطي الأهمية لهذا الموضوع بل هناك جمعيات تدعي أنها تدافع عن المرأة وهي من تشجع على تزويج القاصرات وفي مناسبات احتفالية، والجمعيات الحقوقية والنسائية التي تتبنى ثقافة حقوقية يكون تأثيرها محدودا لمحدودية ولوجها إلى أماكن التوعية والتحسيس في وجود قنوات تلفزية ليل صباح تشجع على تزويج القاصرات وتقدم شبح العنوسة كظاهرة تهدد النساء، إضافة إلى الموروث الثقافي الذي يرى في الفتاة مشروع زوجة لا أقل ولا أكثر وخصوصا بالبادية حيث تنقطع الفتاة باكرا عن الدراسة وفي غياب الأنشطة الفلاحية التي كانت تمارسها من قبل نتيجة سياسة تحقير النشاط الفلاحي التقليدي وتوجيه الفلاح لاستهلاك منتوج الضيعات الكبرى يظل أفق الفتاة وعائلتها هو البحث عن زوج المستقبل وخصوصا إذا كان قادما من أوربا أو من أصحاب “الثروة”لأنه في أغلب الأحيان وفق ما نلاحظه هي الفئة التي يتم قبولها من الأهل لتزويج القاصر”.

كما تشير المناضلة الزهرة قوبيع إلى أن الارقام المعلنة هي بالنسبة إليها هي هي، “فقط في بعض الأحيان يتم التصريح بها وفي سنوات أخرى يتم التحفظ عليها، واعتقد انه فعلا ليس هناك عمل في هذا الاتجاه، أي التحسيس ضعيف جدا سواء على مستوى برامج الجمعيات أو على مستوى الإعلام والبرامج الحكومية التي تنعدم في هذا المجال باستثناء بعض المزايدات في النقاشات العمومية التي يريد منها استعراض المواقف ليس إلا.”

أما الاستاذة سميرة أشهبار محامية في هيئة تطوان وناشطة حقوقية، بدورها ترى أن الأرقام التي وردت في تصريح وزير العدل تعكس “القصور القانوني في مواجهة ظاهرة مستفحلة كهذه لكون المادة القانونية قد أعطت السلطة التقديرية للقاضي في تزويج القاصر وهنا مربط الفرس والثغرة القانونية التي جعلت المادة التي تحدد الزواج في 18 سنة وكأنها غير موجودة و أصبح الاستثماء الذي هو زواج القاصر هو الأصل.” وترى الاستاذة سميرة أشهبار أنه بإزاء هذه الأمور “يجب أن يتدخل القانون لأن ثغرة كهذه تجعل المجتمع عوض أن يضع حلولا للهدر المدرسي يزوج القاصر، فالمكان الطبيعي للقاصر هو المدرسة وليس بيت الزوجية،” وفي رأيي المتواضع؛ تضيف سميرة” يجب أن يتدخل القانون حتى لا نسقط في إعادة إنتاج التخلف والأمية والجهل ودونية المرأة”، و كذلك ضرورة الوقوف على أن المجتمع هنا لا يتحمل مسؤولية معاكسة انتظارات الحقوقيون في النضال من أجل مجتمع تُحترم فيه القيم الكونية لحقوق الانسان، بقدر ما يتحملها ” المثقفون لأنهم هم المعنيون بقيادة القاطرة ولكن للأسف المثقفون والحقوقيون تنازلوا عن القيادة و تركوها لمن لا يعنيهم الأمر.” تضيف الاستاذة سميرة أشهبار.

أما مصطفى الغشاوي عن جمعية مائة في المائة أمهات فأنه يرى أن ارتفاع نسب تزويج القاصر “كون أن دينامية جميع المجتمعات تتجه نحو التقدم والمستقبل، لكن الأنظمة الطبقية والرأسمالية المتوحشة تكرس الأيديولوجيات المحافظة للسيطرة على الانسان واستغلاله، وهدا ما يفسر هيمنة الدولة على الخطاب الديني، والتوافق مع الكثير من الحركات الاصولية” فمدونة الاسرة مثلا؛ يضيف مصطفى” تتضمن ما سمي بحق أريد به باطل، أوكما قال المثل المغربي ” طلع تخرف،هبط شكون قاللك “، اعطت للنساء حقوقا بالشمال وسحبتها منهن باليمين،” ويرى أنه للحدّ من هذه الظاهرة، “لا بديل عن تطبيق المقتضبات الحقوقية الكونية، واعتبار القاصر ذكرا او انثي هما ما دون الثامنة عشرة ولن يتأتى ذلك الا بتحرير المجال الديني من هيمنة الدولة وتسييس القوى الاصولية، والانسجام مع مبدأ سمو المواثيق الدولية على القوانين المحلية، ورفع الحجر على العلاقات العاطفية بين الجنسين ضمن الضوابط الانسانية.”

ويضيف مصطفى الغشاوي “أن هذه المعركة التاريخية تستلزم من القوى التقدمية مدنية وسياسية بلورة رؤيا واضحة لحركة شاملة للتنوير والعمل الى جانب الفئات المسحوقة وجعل الشأن الحقوقي خطابا عموميا يتجاوز الطابوهات السياسية والدينية فالحقيقة دائما ثورية.”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.