حصري؛ ملف: هكذا تتحكم”مافيا المخدرات” بالشمال في تجارة السلاح والماء.

نقدم فيما يأتي الملف الذي نشرته جريدة “المساء” نهاية الأسبوع، والذي أعدّه الزميل محمد أحدّاد، ونظراً إلى أهميته وكم المعطيات التي تضمنها ارتأينا في موقع “أنوال بريس” إعادة نشره تعميما للفائدة.

أعد الملف: باب برد، الشاون، باب تازة، تطوان: محمد أحداد 

40 اتصالا هاتفيا و7 طاكسيات كبيرة و6 حافلات و5 أيام من العمل المتواصل  وغير قليل من الأخطار كانت كافية لإنجاز هذا التحقيق. كان بإمكاني أن أجلس في مكتبي بالرباط وأتصل ببعض الفاعلين المدنيين، وترتيق الشهادات والبحث عن رأي السلطة في الموضوع، لكن كنت أدرك في قراراتي أن الملف لن يخرج إلى الوجود بالطريقة التي أبتغيها. حساسية الموضوع في المخيال الجمعي لدى سكان منطقة جبال الريف وحساسيته بالنسبة لكل الأجهزة الأمنية، كانت حاضرة في ذهني وأتعامل معها بالكثير من اليقظة والحذر، والخطأ، أي خطأ، في سرد فصول التحقيق سيفضي لا مجال إلى نتائج عكسية. ولذلك، وجدتني كل مرة أقلب الجمل على أوجهها ثم أعيد صياغتها تارة لتلطيفها وتارة للبحث عن جمل دقيقة للتعبير عن المضمون الصحيح لشهادات السكان والفاعلين(المناطق المعروفة بزراعة الكيف، حرب الماء) بل ووجدتني مضطرا في الكثير من الحالات إلى الاتصال بالسكان من جديد للتأكد من سلامة الجمل التي نسبتها إليهم.

في هذا التحقيق، نتوقف عند ما يمكن أن نسميه بـ”تجارة السلاح والماء” في جبال الريف. طبعا، يمكن أن تذهب تخمينات البعض بعيدا في تفسير العنوان خاصة في شقه الأول، والحال أن الأمر يتعلق بتجارة رائجة تدر على أصحابها من الملايين من السنتيمات ويتدخل فيها وسطاء وبعض من رجال السلطة، وهي تجارة البنادق مع ما يصاحبها من توطؤات لمنح التراخيص. لقد كان الدافع وراء التفكير في إنجاز هذا التحقيق في المقام الأول هو لجوء عصابات ومافيات بل وأشخاص عاديين وفلاحين بسطاء إلى استعمال الأسلحة النارية لحسم نزاعاتهم وفي المحصلة النهائية: العودة إلى منطق وتكريس مبدأ البقاء للأقوى.

أما الشق الثاني من التحقيق، فيتوخى دراسة ظاهرة”تجارة المياه” والحروب المستعرة بشأنها في الشهور الأخيرة.  لا يمكن لأحد أن يقفز على الظاهرة ولا أن يتناولها بتحليل سطحي يرتبط بالأساس بصراعات قبلية أو حتى بين أفراد الفخذة الواحدة وإنما تتصل بمشكل أعمق هو زراعة القنب الهندي. لقد أدى انتشار نبتات مثل”الخردالة” و”لافوكا” إلى استنزاف الفرشات المائية وتجفيف الينابيع وإشعال حرب ضروس يتحكم فيها كبار المزارعين حول الحصول على المياه. ولئن كانت”الفتنة نائمة” بتعبير الفقهاء في السنوات الأخيرة لأن الأمر لم يكن وصل بعد إلى تهديد دواوير كاملة بالعطش ولم يصل كذلك إلى درجة انتشار وعي جمعي وتذويب عقدة الخوف التي كانت جاثمة على صدور السكان، فإن الأمر أصبح مختلفا الآن.

“تجارة الأسلحة” بجبال الريف..السباق نحو التسلح وتوازن الرعب

فيما يشبه اليقين يقول صديقي رشيد، مسؤول قسم التوزيع بالجيدة في منطقة الشمال، الذي ألححت أن يرافقني إلى إحدى قرى إقليم الشاون لإكمال فصول هذا التحقيق: “لا يمكن أن نواصل الرحلة مهما كانت الظروف، فالبرد وشراسة هذه الجبال وهذا الليل الموحش وغياب وسائل النقل كلها عوامل ستفشل مهمتنا”. كلام رشيد ظل يحاصرني من كل اتجاه، لكن الذي أوهمني، أول وهلة، أن اسمه عبد الغالي وأصدقاؤه ينتظرونني منذ الساعة السادسة، ورقاص الساعة الآن يقترب من العاشرة، ولا يمكن أنى كانت الظروف أن أعود بعدما بذل صديق لي جهودا كبيرا لإقناعهم بالحديث إلي.

 لا أعلم، حقا، مبعث كل التخوف الذي كان يساورني، يومئذ، فالليل الذي كنت أخشى أن يرخي سدوله منذ أن ركبت حافلة مهترئة من الرباط في اتجاه تطوان، أصبح حالكا أكثر مما تصورت و”الخطافة” الذين عولت عليهم أن يقلوني إلى منطقة إشوكان غادروا قبل ساعة. رغم أن هذه الحالة لا تسمح بتاتا بتذكر لا أسماء الكتاب ولا حتى أسماء الذين يعملون معك، فقد قفز إلى ذهني، بغير قليل من المكر، السؤال اللينيني: ما العمل إذن؟ هل سنقضي الليلة  هنا قرب هذه الطريقة الساحلية ننتظر طاكسي كبير أو أي “خطاف”، لا تهم وسيلة النقل، ما يهمنا أن نصل في وقت مبكر، بمعنى أن نصل قبل أن يستسلم أصدقاؤنا للنوم .

استنفذنا كل النقاشات، كونديرا ورؤيته للموت و”العاهرات الحزينات” لماركيز، بومبيدو وحكاية تأسيس المخابرات الفرنسية، أما البرد فيفعل بنا ما يشاء والسيارة لا تريد أن تأتي وصديقي رشيد ما يزال مصرا على تأجيل الزيارة إلى المنطقة. للحقيقة، لا يفهم مرافقي أن هؤلاء الذين ضربت معهم موعدا، أغلبهم مبحوثون عنهم، ورغم كل الصداقات التي كونتها معهم في ملفات سابقة، فإنهم لا ينظرون بعين الرضى إلى كل”غريب” يطأ قريتهم، لكنه يفهم شيئا واحدا ووحيدا يراه إلى حدود الساعة الثانية عشر ليلا صحيحا غير قابل للسجال وهو أننا سنقضي ما تبقى من الليل هنا.

مرت الواحدة ليلا ومرت الثانية وفي الثالثة توقفت سيارة، بدا لنا أنها ستنعطف إلى اليسار بمعنى أنها تقصد نفس وجهتنا. ولأن البرد بدأ يتسلل إلى مسامي، ولأن صديقي رشيد ما يزال مصرا على العودة، سألت صاحب السيارة: واش غادي لإشوكان، دينا معاك الله يخليك راه جينا هنا عند العائلة وملقيناش فاش نركبو؟..حدق صاحب السيارة في وجوهنا، يقينا لم يسبق له أن رآنا، لكنه وافق على الطلب. سارت السيارة في منحدرات ومرتفعات وكانت تتأرجح كل مرة. لا شيء يخبر في هذا الليل البهيم أن المنطقة دخلت عصر الحضارة، وعدا “بلاكة” صغيرة تشير إلى الأماكن المسموح فيها الصيد، لا أحد يخمن أين ستقودك طريقة غير معبدة وغير سالكة. يحاول رشيد كسر جدار الصمت الذي انتصب بيننا طيلة أكثر من ربع ساعة بمزحة خفيفة بيد أن الأسئلة التي احتشدت بذهن “منقذنا” لم تتزحزح وشعرت أنه يريد فقط أن يوصلنا إلى المكان المعلوم.

السباق نحو التسلح وتوازن الرعب

كانت السيارة قد تحملت أكثر من طاقتها للوصول إلى وسط القرية المحاصرة بالجبال من كل اتجاه، وفي المكان المعلوم كان عبد الغالي ينتظرنا في حدود الرابعة وعشرين دقيقة صباحا، ولم يلبث أن سار بنا في هضاب صغيرة تفضي إلى منزله.  قال عبد الغالي بنبرة أشبه ما تكون بالأمر”ناموا الآن، وموعدنا غدا بعد الزوال، سآتيكم بالغذاء أما موعد العمل فلن يكون قبل الثامنة”.

“نعم هنا تجارة للأسلحة، وهي التجارة المتخصصة في بيع البنادق بمختلف أنواعها تحت ذريعة ممارسة هواية القنص، وللأسف هنا أسلحة كثيرة” بمثل هذه الجملة الدقيقة يبدأ أحد أصدقاء عبد الغاني بالحديث عن مشكلة خطيرة تتهدد سكان القرى المعروفة بزراعة القنب الهندي. الأخطر في الموضوع أن الكل بات ينظر إلى المشكل بعين الريبة والقلق لكن لا أحد يستطيع أن يستأصل السكين من الجرح خشية المساهمة في تأجيج توترات اجتماعية قابلة للانفجار أصلا. كل ما في الأمر، أن غالبية سكان بعض القرى –التي نسميها بالقرى المعروفة بزراعة الكيف لإحداث نوع من الرباط بموضوع التحقيق- أن مقتل شخصين بكتامة وبعدها استعمال الأسلحة النارية في مناطق متفرقة من جبال الريف الممتدة من تطوان إلى الحسيمة أبرزها منطقة بيني أحمد بإقليم الشاون أفضت إلى طرح أسئلة حارقة: من يتوفر على السلاح الناري؟ ومن يمنح التراخيص؟ وإذا كانت الجماعات ومصالح العمالات والولايات هي المسؤولة عن قطاع القنص، كيف وصلت عشرات البنادق إلى أيادي غير آمنة؟ ثم هل تقدر السلطات الأمنية، بمختلف أجهزتها، حجم المشكل إذا لم تتدخل في الوقت المناسب؟ ومن هم الوسطاء الذين يسهلون عملية الحصول على تراخيص القنص؟ وما دور جمعيات القنص في كل هذه العملية؟

الأسئلة أعلاه يمكن أن تنطوي على مسالك أخرى قد تسعف على فهم الموضوع في شموليته. بالنسبة للمعطيات التي حصلت عليها”المساء” من مناطق مختلفة بجبال الريف، فتفيد أن عملية الحصول على الأسلحة النارية بهدف استغلالها في القنص تمر لزاما على الجماعات القروية ثم تصل إلى العمالة التي تجري بحثا حول الأشخاص الذين تقدموا بطلبات للحصول على التراخيص. ولأن الشيطان كان دائما ثاويا في التفاصيل، فإن بعض السكان “القناصة” و”الوسطاء” الذين حاورهم صحافي الجريدة يؤكدون بما لا يدع مجالا للشك أن شيئا ما لا يسير بالكيفية الصحيحة. كيف ذلك؟..يشرح مستشار جماعي بتدقيق”العملية مطبوعة بالكثير من الغموض، حيث هناك أعضاء بالمجالس الجماعية  مكلفون بهذا الملف وهم الذين يتواصلون مع العمالات بغاية إجراء بحث حول الأشخاص الذين طلبوا تراخيص لمزاولة هواية القنص لكن عملية التواصل تشوبها خروقات كثيرة يتورط فيها رجال سلطة”. يشرح نفس المستشار الجماعي ما يسميه بالتواطؤ بين بعض”الشيوخ” وأعضاء المجالس القروية”فالعمالة تشترط على الحاصلين على التراخيص أن لا يكونوا من مزارعي القنب الهندي مخافة أن يستعمل السلاح في مآرب أخرى غير الصيد، لكن الشيوخ يقدمون إفادات تكون أحيانا كاذبة، لأن موسم القنص يبدأ في فصل الشتاء، أما زراعة القنب الهندي تكون شهر مارس في الغالب”.

قد يبدو للوهلة الأولى أن عملية الحصول على تراخيص القنص لا يمكن أن تغني هذا التحقيق، لكن فيما بعد تترسخ لديك قناعة مؤداها أن تعقب خيوطها وكشف تفاصيلها يعين على فهم “تجارة” أصبحت رائجة لاسيما في الآونة الأخيرة. تخبر التفاصيل أن ما يسمى بـ”الوسطاء” يحصلون على عمولات كبيرة تتجاوز 10 ألاف درهم في بعض الأوقات مقابل تسهيل عملية الحصول على الترخيص باستعمال السلاح الناري في عملية الصيد في الغابات المجاورة غير أن الحقائق والوقائع تؤسس لشيء آخر يجاور القنص: تصفية الحسابات بعيدا  بين  تجار المخدرات ومزارعيها عن أعين السلطة.

يتكرر نفس الكلام ونفس الوقائع ونفس الاتهامات في جماعات باب برد وباب تازة والشاون وفي قرى إشوكان وأولاسن، ويعيد السكان نفس الجمل ونفس العبارات مع بعض الاختلافات الطفيفة. لكن انتشار السلاح الناري بجبال الريف لا يمكن أن نرجعه، بحسب المعطيات المتوفرة، إلى ارتفاع عدد المستفيدين من رخص القنص، بقدر ما يتشعب المشكل ويتخذ أبعاد أخرى. في البعد الأول، من يضمن لنا أن أصحاب التراخيص لا يمنحون أو لا يبيعون بنادقهم لغير ما يسميه السكان هنا بـ”المولوعين”، وهم الفئة التي تهوى القنص في الغابات. الجواب عن السؤال يقتضي معرفة المرامي التي تجعل جمعيات القنص تنظم مهرجانات دورية لتتويج أحسن قناص. في هذه المهرجانات يحرص “البزناسة” على الحضور، وتتحول إلى سوق خفي لبيع الأسلحة وتجريب مدى نجاعتها، ولا يرشح من ملابسات هذه”التجارة” سوى أن بعض مزارعي القنب الهندي أصبحوا الآن يمتلكون بنادق لإحقاق “توازن الرعب” في جبال لا تعترف بشيء عدا البقاء للأقوى.

 في البعد الثاني: ما لا يفهمه بعض الناشطين في الجمعيات هو ازدياد عدد الحاملين لبنادق الصيد، بل “إن البعض يتوفر على بنادق صيد متطورة لا يستعملونها إلا نادرا والأنكى أنها أضحت وسيلة ناجعة لتصفية الحسابات بين تجار المخدرات من جهة وبين فلاحين بسطاء من جهة أخرى” يشرح الحنفي بغير قليل من النرفزة.

في البعد الثالث، ورث الفلاحون والأبناء عشرات البنادق من أجدادهم  وهناك في بعض القرى كتاغزوت مثلا المحسوبة على قبائل صنهاجة صراير، كانت جد معروفة بصناعة البنادق التقليدية دون الحاجة إلى الحصول على تراخيص من السلطة، ولا غرابة أن نجد أن العشرات من البنادق منتشرة في بعض المناطق المجاورة لها ككتامة وبني بونصار، وهو مشكل آخر ينضاف إلى حزمة ملف معقد عجزت السلطات بمختلف أجهزتها عن إيجاد حل له.

وكي يستقيم التحقيق لا مندوحة من البحث عن الكثير من التدقيق بمعنى أن الكلام العام ربما يكون معروفا لدى ساكنة المنطقة على الأقل لكن ما ليس معروفا هو أن”تجارة الأسلحة” تدر على أصحابها أموالا طائلة والدليل يقول حنفي، وهو اسم مستعار،”في السنوات الأخيرة ازدهرت الأسلحة غير المرخص لها في هذه المناطق بشكل مهول بالرغم من كل المجهودات التي يقوم بها الدرك لمحاربة هذه الظاهرة، وهناك أشخاص ينتمون إلى دواوير معروفة يتاجرون في الأسلحة غير المرخص لها”. يردف الحنفي أن”هؤلاء متخصصون في بيع أسلحة من نوع”شكوبيك” و”السطاشية”، وغالبا ما يتم اقتناؤها من طرف البزناسة والفلاحين الكبار الذين يستحوذون على أراض شاسعة”. المعلومات تشير كذلك إلى أن”الساكنين قرب الغابة هم الأكثر اقتناء للأسلحة النارية، وعملية البيع تقع في الأسواق الأسبوعية في بعض الأحيان”.

بالنسبة للأثمنة، فهي مختلفة باختلاف أنواع البنادق: “السطاشية يتراوح ثمنها بين 3000درهم و5000درهم فيما الشكوبيط  تباع ب5000درهم إلى  7000درهم، وقد يتكلف بائعو السلاح بإيصالها ليلا إلى المشتري خوفا من الجواسيس والوشاة”. ولئن كانت هذه الأثمنة تبدو عادية بالمقارنو مع الأرباح التي يجنيها الأباطرة الكبار من زراعة القنب الهندي، فإن الحصول على الترخيص لاستعمالها في القنص هو الحلقة الأصعب في كل العملية لأنها تتطلب تدخلات ووساطات  وبالتالي، استنادا إلى شهادات، ليس بمقدور الفلاحين الصغار أن يشتروا هذه الأسلحة في السوق السوداء ثم سيدفعون أموالا كبيرة للحصول على التراخيص مما يثبت فرضية أن الأسلحة الآن أصبحت في أيادي كبار البارونات لإحقاق”توازن الرعب في جبال الريف”.

محمد، ابن باب برد، الذي كلما قرأ خبرا يتصل بمنطقته، يبعث رسالة طويلة إلى الجريدة” يشرح فيها كل المشاكل التي تعاني منه المداشر والقرى المجاروة”. يقول محمد إن ظاهرة انتشار الأسلحة غير المرخص لها تنتشر بشكل مكثف بمنطقة باب برد والقرى المحاذية بها والسبب وراء ذلك في اعتقاده هو أن السلطة”لم تعد تمنح التراخيص للفلاحين الصغار وهواة القنص كما كان من قبل، بل يظفر بها البزناسة الكبار بعد التواطؤ مع جهات في السلطة”.

لا يستبعد شريف أدرداك، الناشط الجمعوي بمنطقة صنهاجة سراير أن تكون “هناك لوبيات إلى جانب أنها تتحكم في الاتجار بالمخدرات فإن تهرب الأسلحة وتبيعها ولا أدل على ذلك ما حدث من تصفيات جسدية بين شبكات التهريب الدولية للمخدرات ما أعرفه هو أن شبكات الاتجار في المخدرات تمارس تجارة الأسلحة كذلك لأنها تدر عليها مبالغ طائلة، و هذا النوع من التجارة يكون دوليا و ليس محليا أي مرتبطا بشبكات دولية لها خبرة في هذا المجال. و ما أعرفه كذلك هو أن بعض رجال المخزن لا يخافون من تجار المخدرات لأنهم يدرون عليه أموالا طائلة تقدر بملايير الدراهم لا تدخل في الدائرة الاقتصادية للدولة” مؤكدا في نفس الصدد أنه”  يتم تبييض هذه الأموال في مشاريع عقارية غير منتجة يملكها أصحاب نفوذ داخل الدولة، لكنه يخاف من تجار المخدرات الذين يتاجرون في الأسلحة و هو الأمر الذي يهدد استقرار النظام مما يجعله يتدخل بمجرد علمه بالأمر لإلقاء القبض على أفراد هذا النوع من الشبكات. و خير دليل على ذلك هو قصة أحد بارونات المخدرات بمنطقة صنهاجة الريف الذي لمع اسمه في المنطقة، فبالرغم من كونه قد كان معروفا لدى الجميع بكونه بارون مخدرات إلا أن المخزن لم يلق القبض عليه إلا عندما بدأ في التعامل مع شبكة للاتجار في المخدرات و الأسلحة معا”. وهي نفس الخلاصة التي ينتهي إليها ناشط جمعوي آخر حينما يؤكد أن”بعض المهربين يأتون بالبنادق من الناظور”.

السلطة لها رأي آخر في الموضوع يقوم على التعاطي مع المعضلة بمقاربة “تدريجية”، فبحسب مسؤول بوزارة الداخلية، فضل عدم الإفصاح عن اسمه فإن”مشكلة الأسلحلة غير المرخص لها قائم لكن ليس بالطريقة التي يريد أن يروج لها البعض” موضحا أن”كل الأجهزة الأمنية تحاول أن تجد حلا جذريا لكن دون أن يؤدي ذلك إلى توترات اجتماعية، صحيح أن ما حدث مؤخرا يمكن أن يدق ناقوس الخطر لكن ثمة عمل جاد ومجهود جبار نقوم به لسد الطريق أمام كل من يسعى إلى تحويل المنطقة إلى بؤرة توتر”.

بالمجمل، الأسلحة النارية سواء المرخص أو غير المرخص لها، يمتلكها حاليا بارونات المخدرات والفلاحون الكبار وبعض الفلاحين البسطاء الذين ورثوها عن أجدادهم. إلى هنا تبدو الحكاية عادية بيد أن تتحول هذه الأسلحة إلى صراع عنيف يشبه الصراع بين القطب الأمريكي والسوفياتي نحو سباق التسلح الشهير، وأن تستعمل في تصفية حسابات تجار المخدرات وفي تهديد أمن المواطنين وسلب ممتلكاتهم، فهذا أمر يستدعي التوقف ليس بغرض كشف خباياه وفسخ خيوطه بل من أجل أن لا تتحول المنطقة إلى فضاء واسع يسود فيه منطق الغاب في مغرب القرن الواحد والعشرين. كل اللذين التقيناهم، وأصخنا السمع لشهادتهم يجمعون على حقيقة واحدة: “انتشار السلاح في جبال الريف أصبح حقيقة لا مفر منها”.

إن تكرار سيناريو المواجهات المسلحة بالشاون والريف يعطي إشارات واضحة أن الأمر لم يعد يتعلق بحوادث معزولة، بقدر ما تجاوز بذلك بكثير، ليصير في نهاية المطاف نوعا من التباهي بالقوة، والقوة في جبال الريف لا يصنعها الجاه ولا المعرفة ولا شبكة العلاقات الواسعة..ومن لا كيف له لا قوة له.

حرب المياه تنذر مواجهات دموية في العشرات من الدواوير

حرب الماء

حرب الماء أكثر ضراوة من حرب السلاح، لسبب بسيط هو أن شح مياه في جبال الريف والحاجة الماسة لسقي نبتة الكيف التي تسمى ب”السقوية” يشعل الكثير من الصراعات، تصل حد استعمال الأسلحة النارية والدخول في حروب طويلة الأمد بعدما انهار النظام التقليدي القائم على توزيع المياه بالتساوي بين القبائل من جهة وبين أفخاذها من جهة أخرى. في الشاون، وبالضبط في قرية أشداد، وحدهم الأقوياء يتوفرون على المياه بحيلة بسيطة: يصعدون إلى الجبل ويحولون اتجاه المنابع إلى سدود صغيرة تستنزف كل الفرشات المائية أما باقي السكان فيدخلون في حروب طاحنة من أجل الحصول على لترات قليلة من المساء.

حفيظ صاحب مقهى بإحدى جماعات الشاون، لا يجد تفسيرا واحدا لما يسميه يصفه بالسيطرة على المياه من طرف أشخاص معروفين بنفوذهم” فكيف يعقل مثلا أن أتوفر على مقهى وأدفع الضرائب بشكل سنوي لكن لا أتوفر على المياه اللازمة للقيام بالأشغال التي تستلزمها المقهى” متسائلا بنبرة لا تخلو من استنكار”ما يجري حاليا ينذر بحرب طاحنة على ينابيع المياه ولا أحد يتوقع كيف ستكون الأيام المقبلة خاصة مع اقتراب موسم زرع القنب الهندي الذي يحتاج إلى كمية كبيرة من المياه”.

النظام الاجتماعي الذي أشرنا إليه سلفا، كان في السابق يشكل صمام آمان ضد كل توتر اجتماعي يمكن أن ينتج عن شح المياه، والمشكلة تكمن بالأساس في أن المناطق التي يزرع فيها الكيف هي قبل كل شيء تعتمد على الزراعة المعيشية، ومن ثم فإن المياه هي عصب الحياة بالنسبة للسكان العاديين وحتى لمزارعي القنب الهندي. في كتامة والنواحي، كانت هناك أعراف أمازيغية قديمة قوامها توزيع المياه بالتساوي من خلال الاعتماد على نظام”أكرمام”، واستمر هذا النظام لمدة طويلة في المنطقة لكن مع ظهور صنف جديد من “زريعة” الكيف من قبيل”لافوكا” و”الخردالة” التي تحتاج إلى سقي متواصل وكميات كبيرة من المياه، انهار هذه النظام وبدأت تظهر الكثير من المشاحنات ومن الصراعات كان آخرها استعمال العصي والحجارة والدخول في مواجهات مباشرة أفضت إلى حدوث إصابات.

السيطرة على الينابيع هو محور”حرب الماء” الدائرة في جبال الريف ليس لأن من يستحوذ عليها يمكن أن ينال حصة كبيرة من الماء بل لأنه هو وحده يستطيع أن ينتج محصولا كبيرا من القنب الهندي. لا يخفي أحد الناشطين الجمعويين أن “تجار الماء” ابتكروا طرقا جديدة لاستنزاف الفرشات المائية والسيطرة على الينابيع في قمم الجبال وبيان ذلك أنهم يستعملون أنابيب متطورة تثبت تحت الأرض وقرب الينابيع لضخ الماء في غفلة من السكان ومن السلطة كذلك. على سبيل المثال، يؤكد نفس المتحدث، لم يكتف “تجار الماء” باستخدام الأنابيب والأدوات التقليدية المعروفة وإنما اشتروا مضخات ضخمة بملايين السنتيمات لضخ المياه، لذلك يعمدون في الكثير من الأحيان إلى إحراق الغابات المجاورة للأودية لتسهيل عملية”سرقة” المياه مع ما يترتب عن ذلك من آثار بيئية أولا ثم على استنزاف المياه ثانيا”.

لا حديث يعلو في بني سدات وكتامة على حديث المياه لاسيما مع اقتراب موسم زرع القنب الهندي. في السابق كان الهاجس الأول هو سقي نبتة الكيف المصدر الأول لآلاف العائلات في جبال الريف، بيد أن الحديث بدأ يكتسي لبوسا آخر يرتبط بمدى قدرتهم على توفير المياه الصالحة للشرب أولا. شيء واحد يمكن أن يفسر الصراع بين أفراد العائلة الواحدة في قبائل موغلة في المحافظة  هي المياه بعد أن كان الصراع قبل عقود يشتعل بين القبائل.

يشدد السكان على فكرة أساسية مؤداها أن بارونات المخدرات هم من يوعزون إلى أتباعهم بالسيطرة على منابيع المياه، الشيء الذي حدث في أكثر من منطقة غير أن المشكلة على تعبير بعض السكان تتجلى في كون أنهم لا يقدرون على مواجهة هؤلاء والدخول معهم في احتكاك مباشر لأنهم”بكل سهولة يلجؤون إلى التصفية الجسدية وتهديد السكان، وتستمر عقدة الخوف التي ورثناها منذ أن بدأنا نزرع الكيف”

الماء مقابل المخدرات

على غرار النفط مقابل الغذاء الذي أقرته الأمم المتحدة ضد نظام صدام حسين بعد حرب الخليج الثانية، أسس بعض من يصفهم السكان بـ”البارونات” و”البزناسة” لنظام قائم الذات يسمى”الماء مقابل المخدرات”. بتبسيط أوضح، عليك أن تحرث أرضي وتنصاع لأوامري وتزرع أرضي لكي تستفيد من حصتك من المياه. إنها قاعدة بدأت تنسحب على عشرات القرى تحت يافطة البقاء للممتلك للماء. على هذا المنطلق، يشرح ناشط جمعوي يتفصيل ممل ما يحدث”في البداية كان الفلاحون الكبار الذين يسيطرون على المياه يطالبون من الفلاحين الصغار تخصيص كمية معينة من غلة الكيف للحصول على المياه اللازمة لقي حقولهم ثم ازداد جشعهم وصاروا يطالبون بحرث أرضهم مقابل الاستفادة من حصة صغيرة من المياه، وبعد ذلك”القضية ولات فيها لفلوس”: إذا كنت راغبا في الحصول على الماء عليك أن تدفع.

بعد أحداث تارجيست، كان لافتا أن بعض شباب كتامة يعتزمون الخروج إلى الشارع لكسر عقدة الخوف والمطالبة بتحسين الأوضاع والحال أن بعض المصادر أكدت للجريدة أن هذه الحركة هي بمثابة الإنذار المبكر حول عمق مشكلة المياه بالمنطقة خاصة وأنه بين الفينة والأخرى تندلع مواجهات دامية بين السكان وتتغذى النزعة الانتقامية”وذلك ما يخشاه السكان، لأن مواجهة السلطة في محاربتها لزراعة القنب الهندي لا يمكن أن تتم بجهود فردية”.

نقلنا هذه المخاوف إلى أكثر من مسؤول، لكن حساسية الموضوع كانت تنتصب كل مرة أمام الظفر بمعلومات بمقدورها على الأقل أن تسعف في فهم تعامل السلطات مع المشكل. مع ذلك، كان شتات الأجوبة كافيا لصياغة تصور عام حول رؤية الدولة لما يجري ولما قد يجري: “نحن نعرف أن هناك لوبيات حقيقية تتحكم في المياه ونعرف كذلك أن بعض الفلاحين الصغار كذلك يتحكمون في ينابيع المياه وأكثر من ذلك ثمة نزعات انتقامية بين أفراد العائلات وحسابات قديمة بين القبائل، كل ذلك نعرفه ونتعامل معه بطريقة نراها مناسبة، لقد تدخلنا غير ما مرة لفض من المشاكل وتوصلنا بعشرات الشكايات، وهناك مجموعة منها وصلت إلى القضاء، لكنه من المستحيل أن ننهج مقاربة أمنية بحتة، بطبيعة الحال لن نسمح لأي أحد أن يقوض الاستقرار لكننا نتدخل في الحالات التي نقدر أنها تستحق التدخل أما إذا استفرغت كل وقتك لهذا المشكل فإنك لن تنتهي حتى يرث الله ومن عليها”.

بالنسبة لشريف أدرداك، رئيس جمعية صنهاجة سراير وأحد أبرز الوجوه الجمعوية بجبال الريف، فالسلطة ما تزال تتعامل مع هذه المشكلة  مع المشكل بمنطق المسكنات فقط، “فهي لا يهمها حل المشكل بقدر ما يهمها أن تبقى الأوضاع هادئة. فدورها يقتصر على مصالحة المتخاصمين أو معاقبة أحدهم خصوصا إذا كان الطرف الآخر ذو نفوذ في المنطقة. أما وزارة الفلاحة فآخر شيء يمكن أن تفكر فيه هو مشكل الري بالمناطق المنتجة للكيف، فأغلب السواقي المنتشرة بالمنطقة هي من إنجاز السكان أو الجماعة المحلية”.

الشكايات التي تحدث عنها المسؤولون كثيرة وبأوجه متعددة تارة بسبب الاعتداء على الفلاحين الصغار واستعمال الأسلحة البيضاء في المواجهات الدموية على المياه ثم الشكايات الكيدية التي يرفعها مجهولون ضد فلاحين بسطاء كورقة للمقايضة والابتزاز بمعنى: أستولي على الماء واسكت. بهذا المنطق تجري الأمور في جبال الريف، فيما عقدة الخوف والتوجس من تدخل السلطة لإحراق حقول الكيف يجعل السكان ينكفؤون على ذواتهم. على كل حال، أثبت ما أصبح يعرف بـ”أحداث كتامة” أن بارونات المخدرات يتمتعون بالقوة ما يجعلهم يقلبون الحقائق لاسيما بعد اعتقال فاعل جمعوي احتج بقوة على سيطرة جهات بعينها على المياه.

السلطة تدرك جيدا أن مشكلة المياه لن تبقى كما هي الآن في ظل وجود تساقطات مطرية مهمة “تسكن” التوترات الاجتماعية وتضمن بعض التوازنات التي ظلت قائمة طوال عقود، لكنها تدرك جيدا أنه”إذا قدر الله أن عاشت المناطق فترات جفاف فسيتحول الأمر إلى حرب أهلية حقيقة لا أحد يستطيع أن يتكهن بعواقبها على الجميع” يقول أحد السكان.

حل مشكلة المياه بجبال الريف يرتبط بشكل عضوي بملف زراعة القنب الهندي. ورغم أن شبح العطش بات يخيم على عشرات القرى بجبال الريف، فإن سقي حقول الكيف خاصة نبتتي”الخردالة” و”لافوكا”. وإذا أرادت الدولة حقا أن تحافظ على السلم الاجتماعي في المناطق المعروفة بزراعة المخدرات، مع كل العوائد التي ورثتها من الماضي، ينبغي عليها أن تنظر إلى مشكلة شح المياه بصرامة أكبر، حتى تتجنب توترات اجتماعية كما حدث ببني أحمد وكتامة.

مؤطر

كتامة، الشاون، باب تازة..حروب داحس  والغبراء حول المياه والحصيلة دموية

قبل أسابيع فقط من الآن، لم تجد السلطة بدا من اعتقال ناشط جمعوي بعد أن احتج على احتكار المياه من طرف بعض مزارعي الكيف. وفي تفاصيل الحادثة، ضاق سكان دوار”مازوز” من تجفيف منابع المياه وعدم وصولها إلى الدوار مما أدى إلى اندلاع مواجهات بعدما انبرى السكان للدفاع عن الناشط الجمعوي واستمرت المواجهات خاصة إثر تقديم المعتقل أمام القضاء بتهمة الاعتداء على أحد المزارعين . وقبلها بأيام، شهدت مناطق “إيمكزن” و”إسنسون نتفاح” نفس الأحداث، إذ لم يستسغ السكان شراء مضخات كبيرة من طرف الدوار الأخر، حيث انتهت المواجهات الكلامية بصدام خطير بالأسلحة البيضاء والحجارة.

النبتة السقوية التي تحتاج إلى كمية كبيرة من المياه، هي مصدر كل هذه الصراعات، حيث كشفت بعض المصادر أن النبتة أثبتت نجاعتها في أفغانستان قبل أن يتم استقدامها إلى المغرب دون أن يعير المزارعون أدنى أهمية لمشكلة المياه، التي تطورت لتصير بؤرة توتر كبيرة ومهددة المئات من السكان بالعطش خاصة إذا قلت الأمطار في الشهور القادمة.

ووفق المعطيات التي توصلت إليها”المساء”فإن الكيف الأفغاني  أصبح مطلوبا في السوق الدولية بشكل كبير بالنظر إلى جودته العالية، الشيء الذي جعل السكان يتهافتون على زراعته ما ما يتطلبه من كميات كبيرة من المياه. ليس هذا فقط، فمزارعو نبتة”الخردالة” يجتثون الغابات ويخلفون آثار بيئية كارثية منها اجتثات شجر الأرز المتواجد بكثرة بالمنطقة.

الصراع في كتامة والمناطق المجاورة، أصبح السمة الرئيسة في الشهور الأخيرة بسبب ندرة المياه، فما إن تخمد المواجهات حتى تشتعل في منطقة أخرى. غير أن الصراع ليس مقتصرا فقط على منطقة كتامة لوحدها، حيث انتقلت العدوى إلى الأقاليم المجاورة، إذ شهد إقليم الشاون في ظرف سنة واحدة، حسب مصادرنا، أكثر من ستة صراعات، كان أخطرها ما حدث في دواوير قريبة من منطقة  باب برد بعدما أصيب أكثر من عشرة أشخاص بجروح خطيرة جراء مواجهات دموية. في هذه المناطق، غالبا ما تستمر المواجهات شهورا بكاملها مل لم تتدخل السلطات المحلية لنزع الفتيل بين المتخاصمين سوءا بشكل ودي أو اعتقالهم وإحالتهم على القضاء.

في باب تازة، نفس الصورة، ونفس الصراع ونفس المشاكل، فلم يجد السكان سبيلا لحل مشكلة المياه إلا باللجوء إلى استعمال العنف والدخول في صراع طاحن قبل شهور من الآن.

شريف أدرداك: رئيس “جمعية أمازيغ صنهاجة الريف”

قال إن السلطة تكتفي بدور”المسكن” ولم تسع إلى حل مشكل يمكن أن يؤدي إلى توترات اجتماعية

أدرداك: شبكات المخدرات تتاجر بالأسلحة وملف الحرب على الماء لن يحل بمعزل عن زراعة القنب الهندي

 

–  بالنسبة لمشكلة المياه، هناك حديث عن سيطرة بارونات مخدرات كبار على منابع المياه، إلى أي مدى يمكن أن يكون ذلك صحيحا؟

طبعا، فهناك بارونات مخدرات يمتلكون أراضي شاسعة لزراعة الكيف مقارنة مع الفلاح البسيط خصوصا بقبيلة كتامة الصنهاجية و دوار تماديت بقبيلة بني بونصار الصنهاجية. فهم بحكم نفوذهم المالي يترامون على أجود الأراضي الغابوية التي تكون خصبة و قريبة من منابع المياه أو الأنهار بأعلى الجبل، أما الفلاح البسيط فلا يمكنه الترامي على مساحة كبيرة من الملك الغابوي بحكم خوفه من الاعتقال و الذعائر المالية التي ستثقل كاهله.

فجولة وحيدة بغابة كتامة ستجعلك تكتشف هكتارات من الأراضي التي كانت غابة بالأمس القريب قد تم قطع أشجارها لتحول إلى ضيعة للكيف يملكها بارونات مخدرات معروفون بالمنطقة وسط صمت السلطات المحلية و المياه و الغابات التي تتواطأ مع هؤلاء المفسدين في تدمير الموروث الغابوي المحلي لصنهاجة الريف. كما أن زيارة لغابة الأرز ببني بونصار، ستجعلك أيضا تكتشف ضيعات للكيف وسط الغابة قرب عيون المياه أو جداول الأنهار، مما يجعل مالك الضيعة يتحكم في مياه الجماعة (اجماعت) كاسرا الأعراف الامازيغية السائدة بمنطقة صنهاجة اسراير منذ القدم و التي على ضوئها يتم اعتبار عيون المياه و الأحواض المائية (إﯕـلمامن ن وامان) و السدود التقليدية (إﯕوﯕن) و الأنهار ملكا جماعيا يقسم بالتناوب على العائلات (إفاسن) حسب نظام الدور (انوبت)، و ضاربا عرض الحائط حديث رسول الله (ص) الذي يقول فيه: “الناس شركاء في ثلاث: الماء، الكلأ و النار”، لتبدأ المشاكل و المواجهات بين العائلات داخل المنطقة.

– هلي يمكن أن يؤدي مشكل المياه ّإلى توترات اجتماعية في المنطقة؟

لقد عرفت منطقة صنهاجة الريف خلال السنوات الأخيرة مواجهات دامية بين السكان خصوصا في قبيلة كتامة، أما القبائل الأخرى فالنزاع فيها يكون عبارة عن مشادات كلامية تنتهي بتدخل شيوخ القبيلة أو رجال السلطة المحلية أو تنتهي في دهاليز المحاكم في أغلب الأحيان. و لعل أبرز هذه المواجهات تلك التي حدثت في يونيو 2012 بكتامة و تدخل فيها الدرك باستعمال الطائرات.

إن التوترات الاجتماعية بالمنطقة مردها في المقام الأول للصراع حول الأراضي الغابوية التي تكون عرضة للترامي عليها من طرف لوبيات المنطقة بتواطؤ مع السلطات من أجل استغلالها في زراعة الكيف، الشيء الذي يرفضه السكان لاعتبراهم أن الغابة ملك للجماعة حسب العرف الأمازيغي المحلي و أنها مصدر حطب التدفئة و مكان رعي مواشيهم و منبع مياههم، فهم إما أن يقتسموا تلك الأرض جماعة أو يتركوها دون مساس، و أي واحد يتجرأ للاقتراب منها دون أخذ موافقة شيوخ المدشر (اجماعت) يعتبر خارجا عن القانون وجب التصدي له و مواجهته.

ليأتي مشكل توزيع المياه في المقام الثاني، حيث تشهد المنطقة ما بين شهر ماي و شتنبر مواجهات حادة بين السكان بسبب شح المياه خلال هذه الفترة التي يتم فيها سقي الكيف الذي يغرس في شهر أبريل و يحصد في غشت و شتنبر. فبعد ظهور بذور هجينة للكيف تعطي محصولا وفيرا بالمقارنة مع البذور العادية لكنها تتطلب كميات وفيرة من الماء، بدأ سكان المنطقة يتنافسون في إدخال أحدث تقنيات الري إلى منطقة صنهاجة الريف. فبعد انتشار الأنابيب البلاستيكية التي تزين سماء و أرض المنطقة و التي تمتد لكيلومترات من أجل مد الماء من منابع المياه التي يتم الاستيلاء عليها و الأنهار إلى رشاشات المياه التي تنتشر بجميع الحقول، تم التسابق نحو حفر الآبار التي تهدد الفرشة المائية بالمنطقة، و الآن تم إدخال مضخات المياه التي تعمل على ضخ المياه من الأنهار إلى الحقول مما يؤثر على حصة مياه سكان مداشر السفح، كما أن تقنية الري بالتنقيط قد وجدت طريقها مؤخرا نحو كتامة في انتظار أن تكتسح باقي القبائل الصنهاجية المجاورة.

إن عملية توزيع المياه بالمنطقة كانت تخضع للعرف الأمازيغي الذي كان يؤطر هذه القبائل ذات البنية الاجتماعية الاشتراكية ، فبعد تخلي السكان عن هذا العرف و تراجع نسبة التدين لديهم بسبب الجشع و حب الاغتناء بسرعة دون التفكير في الآخر انتشرت المشاكل الاجتماعية في المنطقة، حيث تشكل نسبة الدعاوي المعروضة بمحاكم الحسيمة خير دليل فأغلب المتداعيين ينحدرون من منطقة صنهاجة الريف.

– كيف تقيم دور السلطات في التعاطي مه معضلة شج المياه؟

السلطات المحلية في المنطقة تتعامل مع المشكل بمنطق المسكنات فقط، فهي لا يهمها حل المشكل بقدر ما يهمها أن تبقى الأوضاع هادئة. فدورها يقتصر على مصالحة المتخاصمين أو معاقبة أحدهم خصوصا إذا كان الطرف الآخر ذو نفوذ في المنطقة. أما وزارة الفلاحة فآخر شيء يمكن أن تفكر فيه هو مشكل الري بالمناطق المنتجة للكيف، فأغلب السواقي المنتشرة بالمنطقة هي من إنجاز السكان أو الجماعة المحلية.

إن مشكل شح المياه بالمنطقة لا يمكن أن يحل بمنأى عن مشكل الكيف، فهما مترابطين، لذا على الدولة أن تفكر في تقنين زراعة القنب الهندي و السماح للفلاح بزراعة الكيف دون متابعة قضائية لكن في إطار قانوني يحدد واجبات و حقوق الفلاح و الدولة معا، فالفلاح عليه أن يلتزم باحترام الملك الغابوي و توزيع المياه و الدولة عليها تجهيز المنطقة بوسائل الري عن طريق إنشاء السدود التلية و قنوات الري و إنشاء مصانع لاستغلال الكيف في الإنتاج الصناعي يشتغل فيها أبناء الفلاحين و تخصيص حصة من مداخيل الانتاج لتنمية المنطقة.

حاليا، مصالح الدولة الحيوية غائبة عن المنطقة باستثناء المخزن الذي يكثف من تضييق الخناق على السكان مستغلا انتشار زراعة الكيف و النقل غير المرخص للتضييق على الفلاحين.

– يطرح مشكل بيع البنادق بطريقة غير قانونية، بودنا لو تحدثتا قليلا عن هذا الموضوع؟ 

إن منطقة صنهاجة الريف هي منطقة جبلية و غابوية بامتياز مما يسمح بانتشار الوحيش البري بها، الشيء الذي جعل منها قبلة لهواة الصيد البري من السكان المحليين و الأجانب. فبالنسبة للصنهاجيين فهم منذ القدم يمارسون القنص باستعمال البنادق التقليدية (بوحبة مثلا) المصنعة بقبيلة تاغزوت الصنهاجية عاصمة الصناعة التقليدية بالريف، و هم كانوا لا يحتاجون لأي ترخيص لممارسة القنص الذي كان يدخل ضمن نطاق حياتهم السوسيو اقتصادية. لكن بعد الأحداث الارهابية التي شهدها المغرب تم تضييق الخناق على استعمال أسلحة الصيد مما حذا بأغلبيتهم للتخلي عن ممارسة القنص باستثناء الذين استخرجوا رخصا لذلك.

بحسب علمي، فإن الفلاح البسيط لا يملك أي سلاح و غن وجد فإنه يكون تقليديا في الغالب أو مرخصا لممارسة القنص. أما بارونات المخدرات فهم يملكون أسلحة نارية يستعملونها في عملهم من أجل الدفاع عن النفس أو تصفية الحسابات، وهي بطبيعة الحال غير مرخصة و يتم اقتنائها بطريقة غير قانونية عبر وسطاء لتفادي الشبهة و المتابعة القانونية.

– هل هناك تجارة قائمة الذات  لهذا النوع من الاسلحة؟

ما أعرفه هو أن شبكات الاتجار في المخدرات تمارس تجارة الأسلحة كذلك لأنها تدر عليها مبالغ طائلة، و هذا النوع من التجارة يكون دوليا و ليس محليا أي مرتبطا بشبكات دولية لها خبرة في هذا المجال.  وأعرف كذلك أنه يتم تبييض هذه الأموال في مشاريع عقارية غير منتجة يملكها أصحاب النفوذ، لكن بعض رجال السلطة يخافون من تجار المخدرات الذين يتاجرون في الأسلحة و هو الأمر الذي يهدد الاستقرارمما يجعله يتدخل بمجرد علمه بالأمر لإلقاء القبض على أفراد هذا النوع من الشبكات. و خير دليل على ذلك هو قصة أحد بارونات المخدرات بمنطقة صنهاجة الريف الذي لمع اسمه في المنطقة، فبالرغم من كونه قد كان معروفا لدى الجميع بكونه بارون مخدرات إلا ان المخزن لم يلقي القبض عليه إلا عندما بدأ في التعامل مع شبكة للاتجار في المخدرات و الأسلحة معا.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.