حسن أوريد: أيها الأستاذ إلى أين؟…

لم ألتق بالأستاذ حسن أوريد إلا مرة واحدة وذلك في إطار ملتقى ثقافي بجامعة محمد الأول بوجدة وذلك في سنة 2003، وقد كان يومئذ ناطقا رسميا بالقصر الملكي، ولكننا وجهنا له دعوة لحضور الملتقى الوطني الأول للأدب الأمازيغي لا بصفته الرسمية ولكن بصفته مدير مركز طارق للأبحاث والدراسات، وقد لقيت كلمته في جلسة الافتتاح صدى طيبا لدى الحاضرين (وكلمته منشورة في جريدة تاويزا)، ولكن حينما حضر في لقاء آخر بمدينة بني ملال قال كلاما آخر، ومع ذلك ما فتئت أتابع ما يكتبه وكذا “خرجاته الإعلامية كما يقال اليوم”، بل كنت أقترح على بعض طلبتي إنجاز البحوث حول عمل من أعماله الروائية، وهناك تفاصيل أخرى قد تدفع المرء إلى الاعتقاد بأن المثقف في بيئة ملوثة لا يمكن أن يكتسب هذه الصفة طالما أن مظهرنا حداثي ولكن مخبرنا “بدوي”، وطالما أن هذا المثقف يتوهم أنه يتعالى بل قد يتعاظم بما اكتسبه من “علم” و “معرفة” فيبيح لنفسه أن يصل إلى الأحكام بكل وثوقية دون ثرو نظري أو معرفي كما يوحي بذلك عنوان كتابه “أفول الغرب”، وغير ذلك من المواقف التي تبعدنا تراسخ عن الاطمئنان إلى ما يدون أو يكتب خاصة إذا اقترن اسم ما بدوائر تهيل عليه صفات يتوخى من ورائها الإعلاء والتضخيم كوضع عناوين كتب في الواجهة واعتبارها الأكثر مبيعا! ولم أكن لأرضى لأي مثقف يروم الحداثة أن تتصدر صورته المدخل لمكتبة رئيسية في الشارع الرئيسي بالرباط، لأن المثقف الحقيقي لا يحتاج إلى كل هذه البهرجة الإعلامية ولا داعي لتصنيف المؤلفات على أساس المبيعات لأن ذلك لا علاقة له لا بجودة المؤلف ولا بنزاهة المثقف، وإلا فإننا سنسيء إلى كرامة المثقف الحقيقي وإلى الثقافة النزيهة التي يصبو الإنسان من خلالها إلى التحرر من كافة الأغلال وأصناف العبودية.

ولقد راودني سؤال حقيقي حينما قرأت مقالة الأستاذ حسن أوريد حول “محمد الفاسي” في العدد الأخير من مجلة zamane العدد 90 مايو 2018، هل الكتابة أصبحت تقايض نفسها بنفحة من الرضا من لدن أهل هذه الشخصية وتنظيمه السياسي الذي بصم تاريخ المغرب الحديث منذ الثلاثينات من القرن الماضي بالطريقة المعروفة في مجالي السياسة والتعليم، ويمكن أن نطرح السؤال بطريقة أخرى ولكن يرتبط جدليا بسابقه: هل هناك غاية سياسية من وراء المقالة خاصة وأن صدورها أياما قبل 16 مايو ليس صدفة لأن القوم في الماضي القريب كانوا يعرفون حناجرهم كلما حلت ذكرى الظهير المعروف للصدع بأسطورتهم التي خلقوها وخلقوا وجودهم السياسي والثقافي بفضلها، ولكن لاحظت أن أصواتهم خفتت بعد أن أدركوا أن حبل الكذب قصير وأن الأيام دول وأن اللغط الذي مارسوه أزيد من ستة عقود تلاشى هباء وغبارا! إلا أن ما يسترعي الانتباه هو الخلفية الغامضة من وراء كيل المديح لمحمد الفاسي وكأنه هبة من السماء، ولا يفهم من كلامي هذا أنني أتبنى الموقف العدواني تجاه هذه الشخصية، بل إن ما أرفضه على نحو مطلق هو محاولة نفخ الحياة في الرمم التاريخية وتكريس عبودية الأصنام الذهنية والسياسية.

كيف ذلك؟ استعراض فتوحات محمد الفاسي تهم ذات الشخصية فهو أول حاصل على شهادة البكالوريا بالمملكة وأول وزير للتعليم بعد “الاستقلال” الشكلي، وهو أب التعريب ورائد الدبلوماسية الثقافية ووطني منذ وقت مبكر ومثقف وموظف عالمي ورجل دولة، علاوة على علاقاته بالشخصيات الهامة مثل طه حسين ومحمد مندور وشكيب أرسلان وكبار المستشرقين مثل ليفى بروفنسال وجاك بيرك…إلخ، إضافة إلى … إضافة إلى…إضافة وهذه هي المفارقة اتقانه اللغة الفرنسية والعربية والدفاع عن هذه الأخيرة واتقانه اللغة الأمازيغية والدفاع عنها (!!!). وبعد هذه اللوحة الكرنفالية لم ينس الأستاذ حسن اوريد الولوج إلى مطبخ محمد الفاسي وتوثيق ذلك عن طريق التاريخ الدقيق وتحديدا ذكر سنة 1935 حيث اقترن م الفاسي ب: “لا لا مليكة”!! ولقد قال لرئيس وزراء الصين شوانلاي أن الأمم العظيمة هي التي تملك فن الطبخ مثل الأمة الصينية والفرنسية والمغربية! ولا يتورع محمد الفاسي عن إعلان “وطنيته” المفرطة وذلك حينما أشار إلى أن الطفل المغربي يمكن أن يكون أكثر ذكاء من كل أطفال العالم (وقد قال هذا حينما كان وزيرا للتعليم وليس طفلا مدللا في أزقة فاس!!) كما أنه اعتبر مدينته فاس هي المدينة الأكثر سحرا من مدن العالم ولا تضاهيها غير مدينة باريس!!

فعلا نحن هنا إزاء طباخين ولكن ليس ماهرين: وهما محمد الفاسي وحسن أوريد وقد وافق شن شنا!!

ولا شك أن القارئ يعلم من هو حسن أوريد ولا يمكن أن ينكر مؤهلاته العلمية غير أن هذه المؤهلات ربما أدركها الهرم ولربما الخرف، خاصة وإننا لا نلزم الحذر في مجال زنة الشخصيات التي يجب أن تخضع لميزان العقل وعلم التاريخ، لا لمزاجية الثقافة الديبلوماسية التي تتزيا ب “الماسك”  بالمعنى اليونجي للكلمة، وإذا كان الأستاذ حسن أوريد قد احتل ذات يوم منصبا مهما وهو مؤرخ المملكة، فلا أعتقد أنه يجهل دور المثقفين في أوربا شرقها وغربها ووسطها وكذا الطبقة البورجوازية ذات النسغ الوطني في صنع دول جديدة وبهوياتها الحقيقية الثقافية والسياسية على الرغم من أنها كانت ترزح تحت الإمبراطوريات كما سأشير إلى ذلك لاحقا.

 ولكن، بما أن التاريخ على مر العصور التي مرت بها القوافل البشرية، لم يكن إلا تاريخا رسميا ينطلق بداءة من التزييف لتحقيق مآرب سياسية، فإنني مجبر على الهمس في الآذان هذه الكلمات الرائعة التي خططتها مفكرة رصينة أعني بها  Arendt   Hannah:

“إن الخداع والتزييف المتعمد والكذب الصراخ mensonge pur وتوظيف المستخدمين البسطاء باعتبارهم أدوات مشروعة لتحقيق أهداف سياسة – كل ذلك يعتبر جزء من التاريخ الموغل في القدم. إن الصدق لم يكن أبدا من الفضائل السياسية، بل إن الكذب اعتبر دوما أداة ناجعة ومبردة في ميدان الأمور السياسية…”

مشيرة إلى أن فكرنا السياسي والفلسفي التقليدي لم يعر الأهمية لميلنا نحو تشويه ما يمثل حدثا حقيقيا، وذلك عن طريق الفكر والكلمة، وهذه القدرة الفعالة والعدوانية أيضا تختلف عن ميلنا السلبي نحو الخطأ والوهم…إلخ وإن كل نفي متعمد للواقع، وإمكانية تغيير الوقائع التاريخية مرتبطان ويمتحان من مصدر واحد: “الوهم الخيالي” .

(Du mensonge à la violence ed : Calmann- lévy, 1972 p 8-9).

نعم إن هناك خداعا وتزييفا للحقائق التاريخية، وهذا الخداع مشترك بين الحركة التاريخية التي نشأت في الثلاثينات من القرن الماضي والموسومة ب “الوطنية”، ومن يحاول ترميم “شرعيتها” بعد هذه العقود الطويلة من الاستقلال الشكلي، وإن أشير إلى أنني لست في معرض ذكر كل التفاصيل المتصلة بهذه الحركة فإنني سأركز فكري على عناوين وردت في مقالة الأستاذ المذكور هنا.

العنوان الأول يشير إلى كون محمد الفاسي وطنيا – ومنذ وقت مبكر، ضمن الحركة المشار إليها آنفا وإذا كان من المفروض أن لا يشكك المرء في وطنية أي كان، فإن من المفروض أيضا التزام الحذر الموضوعي خاصة حينما يجنح المرء إلى إصدار أحكام القيمة لأنه في هذه الحالة قد يكون خاضعا للعقلية الأمارة بالتزييف، فما هي الوطنية ومن هو الوطني فعلا؟

إذا رجعت إلى أي قاموس فرنسي ستجد أن الأمة Nation مفهوم سياسي قائم على انتماء مجموعة بشرية إلى أمة يجمع بين أفرادها الوعي بهويتها التاريخية والسياسية، وقد تكون لغوية أو دينية أو هما معا، غير أنه من الناحية التاريخية قد يختلف هذا المفهوم من أمة إلى أخرى، فتصور الفرنسيين –مثلا- يختلف عن تصور الألمان وذلك نتيجة اختلاف في السيرورات التاريخية ومهما يكن من اختلاف في تصور السبل لتحقيق الهوية أي الانتماء إلى الأمة فإن هناك شيئا واحدا لا خلاف حوله وهو الانتماء إلى وطن يحدد جغرافيا وثقافيا.

ووطننا المحدد جغرافيا وثقافيا أريد له أن يكون مفصلا وفق الفكر الناقص لأفراد ما بات يعرف ب “الحركة الوطنية” وهكذا خططوا للوطن مستقبلا لا علاقة له بماضيه الحضاري الموغل في القدم، وعلى الرغم من الغزوات التي أتته من الشمال الإيبيري بعد سقوط غرناطة سنة 1492 والضعف السياسي الداخلي، فإنه مع ذلك لم تفرض عليه هوية “من الخارج”، وحدها الحركة الوطنية الغارقة في الأوهام السياسية أرادت أن يكون المغرب أحاديا في هويته: أحادية الدين وأحادية اللغة. إن هذه الحركة مثلها مثل الحركات السياسية التي تبحث عن شرعية افتقدتها فتلجأ إلى اختلاق الخرافات، فالمرينيون لم يوطدوا ملكهم إلا اعتمادا على أسطورة اكتشاف هيكل إدريس الثاني من جهة، وعلى أوهام الشرفاء والنسب الشريف من جهة أخرى، ولغتنا اليومية تعج بألفاظ مضحة مثل لا لا و سيدي، و مولاي، وسيدي بن سيدي مما يدل على أن أوهام السياسة المرينية المزيفة لا زالت مقيمة بكل أسى في مخيلتنا المريضة، وهذا عينه ما فعلته الحركة الوطنية بدء من الثلاثينات، فظهير 16 مايو وظف سياسيا كما وظفت جثة إدريس II ولكن الأستاذ حسن أوريد مر على هذا كما فعل في مكان آخر من مقالته مرور إهمال وتكتم، وكأنه يخشى على خدش عذرية أسطورة الحركة الوطنية، وطنيون وهبوا ملكة وحيدة لا تضاهى وهي الميل إلى التزييف الذي يقود حتما إلى الهيمنة سياسيا واقتصاديا وفكريا، أما ملكة الكاريزمية والرؤية الاستراتيجية لمغرب الحال والمآل فمن المستحيلات الأربع هذا على الرغم من أن ما كان يحدث في جوارهم الأوربي كان حريا أن يحثهم على إدراك معنى الوطن ومعنى الوطنية. لنستطرد قليلا حتى تتضح لنا الأشياء.

إن كلا من فرنسا وإنجلترا قد خرجتا من حرب المائة عام وقد تعززت خصوصيتهما الوطنية، ويرجع الفضل إلى مارتن لوثر في انبثاق المنزع الوطني وذلك حينما ترجم العهد القديم Bible إلى لغة الشعب (الألمانية)، كما أن دولا وطنية جديدة انبثقت من رحم الإمبراطورية العثمانية مثل صربيا ورومانيا وبولغاريا، وأما إقليم “كاتالانيا” فقد عرف منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر انطلاق التصنيع الذي أتاح لسكان القرى من الحدود البيرينية في الشمال إلى مدينة فالنس Valence في الجنوب، التوجه إلى مدينة “برسلونا” حيث أحسوا أثناء استقرارهم بها بوجود لغة منطوقة جامعة، وهكذا حلت الهوية “الكاتالانية” محل الهوية الأصلية التي كانت مستمدة من القرية، وقد أسهمت التنظيمات الوطنية السياسية في النهوض بها بكل حمية. وفي هذا الوضع فإنه حتى المهاجرون إلى “كاتالانيا” القادمين من أقاليم إسبانيا الأخرى انخرطوا في هذا الوعي بالخصوصية الكاتالانيا. (أنظر: Alain Dieckhoff : La nation dans tous ses Etats, Flammarion, 2012 pp : 27-35.)

إن الأمثلة المختصرة التي أتينا على ذكرها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، تؤكد قاعدة ثابتة وهي أن المجتمعات الإنسانية هي “مجتمعات الثقافة”، (م. س، ص 37) هذه الثقافة المستمدة من الأرض ومن إنسان هذا الأرض ومن تاريخ الإنسان والأرض معا، وحينما تستبدل هذه الثقافة –على سبيل الإكراه- بثقافة خارجية، فمعنى ذلك شرعنة العنف المادي والرمزي، وأعتقد أن محمد الفاسي ورهطه من النخب البورجوازية حينما عمدوا إلى تزييف الحقائق باختلاق أسطورة “الظهير البربري” الذي وصفه الراحل محمد منيب بأكبر أسطورة كاذبة في التاريخ – لم يراعوا أبسط شروط الوطنية وهي الإحساس بالهوية (أو الثقافة) الجامعة، بل اعتبروا التمسك بجزء – أقول جزء- من ثقافة هذه الأرض (وهي الأعراف الأمازيغية) خروجا عن الدين بل مؤامرة وخيانة للوطن، وقد ظلت هذه التهمة حاضرة دوما توجه للحركة الأمازيغية. فلا غرو إن قلت أن أمازيغوفوبيا ولدت مع ميلاد ما يسمى “الحركة الوطنية”، ومن المفارقة أن فردا من هذا الرهط النخبوي تنصر دون أن يثيروا الضوضاء حوله، في حين لا نجد أمازيغيا واحدا قد تنصر، وإن كان من تمام القول أن الدين المسحي إلى جانب الديانة اليهودية كانا جزء من حضارة البلد منذ القدم، وهذه النظرة الأحادية العمياء من لدن هذه الحركة هي التي أدت إلى هجرة آلاف اليهود المغاربة إلى الكيان الإسرائيلي، فهل الوطنية التي دثر بها حسن أوريد محمد الفاسي تقتضي الإقصاء الديني، ثم الإقصاء اللغوي والثقافي وهذا جانب من معضلة بلدنا التي لا زالت تعاني منها إلى حد الساعة والمسؤولية تقع على وطنية السلفية الموسومة قطعا بالإخوانية، أو لم يحرروا ما أسموه مطالب الشعب المغربي بالفرنسية لتطبع بمطبعة الإخوان المسلمين؟ (أنظر: أبو بكر القادري: مذكراتي في الحركة الوطنية المغربية ص: 297).

إن مقتل “الحركة الوطنية” كان في اختزالها التاريخ المغربي في قدوم عساكر الأمويين إلى شمال إفريقيا، وبذلك تم تأسيس مرحلة تاريخية جديدة أصبح المغرب في ضوئها يولي وجهه قبل الفجر الأسود وعموم الشرق المختزل بدوره في الإثنية العربية دون ذكر للحضارات العظيمة التي ازدهرت فيما بين النهرين والشام مثل الكلدانيين والأشوريين والسوريان والبابيليين…إلخ، وهذا الاختزال بدوره جر الويلات على الشرق الموسوم بالإثنية العربية وحده التي لا دليل عليها علميا وتاريخيا، بمعنى أن بلدنا لازالت منخرطة من صالونات الجامعة العربية هي عملية تعتبر امتدادا لبيئة مصابة بأمراض الطائفية وداء القومية العروبية التي دمرت، ولا زالت – شعوب الشرق وتاريخها العظيم!

من هنا فإني حينما أرى بعض المثقفين، بل حتى بعض الزعماء السياسيين المتياسرين يعتبرون ميلاد “الحركة الوطنية” بمثابة الانفجار العظيم، إذ معها فقط تعلمنا أسماء الوطنية الحسنى – أزداد يقينا بأننا نفتقر إلى انتلجنسيا  صادقة من صنف تلك التي ازدهرت في أوربا على سبيل المثال في القرن التاسع عشر، فهذه الشريحة (أو الطبقة) هي التي أناطت بالثقافة وظيفة استراتيجية في المعارضة وأصالة الحقيقة وهي التي قامت بالتنظير بل المحرك الأساسي للمطالب الوطنية، ولا غرو فهذه الإنتليجنسيا هي نتيجة لنظام تعليمي أكثر انفتاحا في مرحلة كان المجتمع فيها يمر من مرحلة زراعية / فيودالية إلى مجتمع صناعي/ وطني، وقد واجهت في أيامها من جملة ما واجهته نخبا تقليدية، مما جعل منها عاملا مثاليا لنقل الحداثة modernité إلى لغة الشعب، (أنظر: Dieckhoff  Alain  م السابق ص: 48-49)، وأما صفي الأستاذ حسن أوريد ومحمد الفاسي ورهطة فإنه على الرغم من ألقابه الجامعية لا يمكن أن يرقى إلى مستوى المفكرين العظام الذين تركوا بصمات واضحة في تاريخ بلدانهم، وأما اختصار الإنسية المغربية” بتعبير أحدهم في العربية والإسلام وفوق أرض أنتجت شخصيات من العلم والفكر واللاهوت لا زالت في حاجة إلى من يقربها من الإنسان المغربي حتى يكف عن استلابه شرقا وغربا – أقول إن ذلك يعبر عن فكر لدى أناس غير مؤهلين لرسم استراتيجي للبلد ومستقبله، وهنا أطرح سؤالا على الأستاذ حسن أوريد: ما هو الإنجاز الباهر والحقيقي الذي فاض على المغاربة حينما تولى حزب الاستقلال وزارة التعليم بدءا بمحمد الفاسي وانتهاء بعز الدين العراقي. ليس من النباهة لا ولا من نبل المثقف المفروض فيه أنه ينتج الفكر الباني وممارسة الفكر النقدي أن يذكر بعض الأعمال التي قام بها شخص وكأنها انجازات، وأنا أعتبر ذلك ضربا من الاستهتار، مع أن المقام يقتضي ذكر واحد من أعمال محمد الفاسي التي كانت وبالا على تطورنا الفكري والحضاري، أعني ذكر “مأساة” التعريب، ومن الخطأ الاعتقاد بأن حسن أوريد لا يدرك حجم الضرر الذي لحق بالمدرسة المغربية نتيجة تعريب موادها العلمية وبعض المواد الأدبية، وكلنا نعرف الضرر الذي نجم عن تعريب الفلسفة بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس وإغلاق معهد العلوم الاجتماعية الذي كان يديره الراحل عبد الكبير الخطيبي، وذلك خوفا من امتداد لهبي الحركة الطلابية بفرنسا التي انطلقت أساس من معهد العلوم الاجتماعية، ولم يقف النظام المخزني عند حد إغلاق معهد العلوم الاجتماعية والإسهام في سياسة التعريب، بل خلق شعب بكليات الآداب ومدارس عليا أخرى لخدمة فكر معروف لمواجهة ما يسمى المد اليساري، وما هي نتيجة سياسة التعريب وتكوين هذه المدارس، ليس المقام هو الخوض في هذه التفاصيل ولكن يكفي الإشارة إلى المأزق الذي وصل إليه تعليمنا، وإلى هذه الجحافل من الظلاميين الذين جعلونا نستاء من هذا الواقع الآسن، بل نوجد في حالة أسوء من بطل سارتر في رائعته “الغثيان”، من هنا أقول إنه كان لا بد للمغرب أن يعيش واقعا أفضل بدون نخبة بورجوازية نظرها كان محصورا بين أزقة سلا وفاس، ولا يحق لنا أن نمجد من تنكر لهوية بلده على أساس رفض تاريخه العريق واعتباره بمثابة علبة بانودر الأسطورية وكان منتظرا من الأستاذ حسن أوريد أن يساعدنا على فتح علبه بانودر للحركة الوطنية لا أن نحكم إغلاقها بشكل سطحي لا هو بتاريخ ولا بنقد ولا هم يحزنون.

د.موسى أغربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.