“حساين مامون” و التراكم السلبي

 

عندما تزحف البلادة في شقوق نسيجنا الثقافي ويسفه الذوق ، نشعر بالغثيان فنبكي داخليا كمزنة باغتها المخاض فوق قمم الجبال ،لينسال منا سيل من الجنائز الرسمية معنون بنكسة الثقافة والمثاقفة ، وحتى إذا وصل الألم إلى منتهاه اجتاحتنا شهوة الكتابة وانتابتنا غواية الحرف والحلم كتعبير عن هذا الإنكسار ،وربما هذا اكبر فعلنا ومبلغ علمنا في أطيب الأحوال..

الداعي إلى هكذا كلام هو ان كثير من مدّعي الثقافة ودّوا أن يخوضوا في مجالات شتى منها ، ليضعوا لهم قدما تحت شمس الإبداع ،ولو بأبخس الطرائق (السرقة نموذجا) ليتفاخروا ويتنافخوا أمام الملأ حتى تحمرّ أنوفهم، فرحين بما اقترفت أنفسهم البهيمية الغارقة في درانة الحسد، والمحصلة أن بضاعتهم خردة فاسدة المعنى والمبنى لاتصمد عند أبسط اختبار فتتطاير تطاير فراخ الحجل عندما يتملكها الفزع، فيزج بتلك الخردة في دائرة التحاليل المهزوزة لتصير زبدا جفاء ،لأن ماينفع الناس أكيد أنه يمكت في الأرض …

ياسادة بعيدا عن لغة الإشارة والترميز ،وعملا بمبدء ضرب الحديد وهم حام أخبركم أن المكنّى “حساين مامون” واحد من أصناف هذه الخلائق الآدمية السّارقةالمنتحلة ،وحتى لا أكون مما يرجمون الناس بالغيب ويقولون كذبا فيأتون شيئا إمرا ..

أحيلكم على زمان ومكان ارتكاب كبيرة السرقة ،فالرجل قام بإعادة نشر بحثنا الجامعي للإجازة الذي ألبسناه عنوان “سوسيولوجيا التربية لدى بيير بورديو ” على أحد المواقع الإلكترونية المختصة بشؤون الثقافة والفكر(مجلة دليل الكاتب قسم دراسات وأبحات)، دون الإحالة على أصحابه الحقيقيين بل جعل إسمه بالعنوان العريض فوق المقال، مرفوقا بعبارة أستاذ باحث في السوسيولوجيا…

الغريب في الأمر أن البحث على بساطته عندما يشدني الحنين وأعود إلى تقليب صفحاته كأول مولود إبداعي لنا رفقة الزميل” بنشريف مولادي إدريس “، شخصيا لا أرى فيه إلا قيمة أرشيفية مع كثير من النّدم على الجسارة الغير محسوبة العواقب. لأنه ما الذي يمكن لطالبين في السنة الرابعة من الجامعة أن يقولاه عن بيير بورديو ومشاريعه السوسيولوجية.

اليوم أخذ هذا التساؤل بلبنا زمنا غير قصير، ففكر الرجل يحتاج لموسوعية حتى يتحدث عنه إن تلخيصا أو تفسيرا أو نقدا، ولا يخفى أن طالبا مبتدئا أبعد ما يكون عن تحصيل هذه الموسوعية التي تتعدى الفكر السوسيولوجي لتشمل الفلسفة والفن والأدب وباقي مكونات الثقافة بمعناها الخاص… لسنا نبتغي تهويل قدر الرجل، أو رفعه فوق هضبة تزلق أخمص المتسنمين.

لكننا نتحدث عن واقع يصعب رفعه، فحتى الذين تصدوا لنقده، أو الذين ابتغوا تلخيص مذاهبه، كثيرا ما يظلمونه ظلما شديدا وذلك بفعل صعوبة الفهم. إن باهتمام الأولين بما حصله من نتائج يستغلون غرابتها للتشكيك فيها بالمألوف وصرف ما يسندها من أدلة يصعب ردها في الغالب، أو بانصراف الأخيرين إلى أنماط من تركيز المضامين يخالف طريقة المؤلف غير المعهودة في المجال التداولي السوسيولوجي، فيُضَيِّعُون بذلك روحها التجديدي. اليوم نقول هذا الكلام ،وقد تبين الرشد من الغي في حقيقة ما اقترفناه من ادعاء فهم بورديو وإمكانية تلخيصه وتقريبه من القارئ، وعزاءنا في ذلك أن من أخطأ في الإجتهاد له أجر واحد. لكن مايحير ألبابنا، هو كيف يتجرأ أستاذ لمادة الفلسفة وحامل لشهادة الماستر ـــ وامصيبتاه ــــ على سرقة هذا المنتوج البسيط بكل تفاصيله (العنوان الفصول الخاتمة علامات الترقيم..)، وهو لا يعد ان يكون مجرد بحيت أو كتيب في مرحلة مراهقة فكرية ؟ هل جفت قريحة “حساين المامون” الفكرية إلى هذا الحد؟ أليست هذه مهمة في غاية اليسر والصبيانية؟ ثم أخلاقيا قبل علميا هل تجوز السرقة، أليس من الخزي والعار ممارسة هكذا سلوك ؟ إن هذا لعمري ليعكس تعطل استئناف القول ،سواء كان فلسفيا أو ادبيا…

قبل كتابة هذه الأسطر، استحسنا الظن بصاحبنا، وقلنا أن ماوقع قد يكون مجرد تلاقي واصطدام معجمي ــــ بين ماكتبنا وكتب الرجل ـــــ لا أقل ولا أكثر .وقد يصل هذا الإصطدام إلى دراجة التقاطع بنسبة مائة بالمائة ولاضرر، ومن أجل تبين الأمر اتصل به الزميل “إدريس” فتلعتم في كلامه ،وبكثير من الخبث ودناءة القصد أطفأ هاتفه، فعلمنا أن الرجل وقع في المحظور.. حتى لا يظن أننا نضع انفسنا مقام العصمة وأننا نروم التششهير بصاحبنا( فلا الرغبة ولا الوسائل يسعفاننا في هذا المقصد)، وأن ماكتبناه نحن بدورنا في بحثنا كان قد أوحي لنا به، كلاّ ثم كلاّ فقد استعرنا بمصادر ومراجع ووثائق، لكن من باب الفضيلة العلمية والخلقية (بلغة ابن رشد) واعترافا منا بجهود من سبقنا أحلنا على أسماء أصحابها. اما “حساين مامون” ــــ غفر الله له ــــ والذي انطلاقا من إسمه كنا نظن انه قد جمع الحسنين، حلم ونزاهة “الحسين بن علي” وحب الحكمة لدى “المأمون بن هارون الرشيد”، لكن الرجل أتى على الأخضر واليابس ولم يترك لنا “لاسلة ولاعنب” كما يقول المثل المغربي الدارج، فإن لم تستح فاصنع ما شئت يا “حساين” ، فأنت والله لست جديرا بالإنتماء إلى جامعة القاضي عياض ولا إلى طلبتها الأفداد المستنرين..ومادمت مغرما باقتناص أبحاث الطلبة الجامعيين، وحتى تستفيد أكثر، نحيلك على بحث جامعي مائز لــ “علي بلوش” ألبسه عنوان “إشكالية الإبداع الفلسفي في الفكر العربي المعاصر” إقرأه وخده بقوة ، لعله يكون بلسما لك من مرضك العضال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.