حركة 20 فبراير لم تفشل

هناك ثلاثة فئات تروج لفشل حركة 20 فبراير، وهي تعود لبث سمومها في كل مرة يكثر فيها الحديث عن الحركة، خصوصا حين يتعلق الأمر بتخليد ذكرى ميلادها، حيث تجدهم على شبكات التواصل الاجتماعي يجتهدون دون كلل أو ملل، من أجل الحط من شأنها، ووصفها بعديمة الجدوى والتأثير، ووصمها بأقبح النعوت والصفات.

الفئة الأولى تتمثل في مافيات الفساد والاستبداد، وهؤلاء أعداء مباشرون لحركة 20 فبراير، فالحركة استهدفت مصالحهم مباشرة عبر سعيها إلى تأسيس نظام ديمقراطي والقضاء على اقتصاد الريع. وهذه الفئة حين تروج لفشل الحركة فإنها تفعل ذلك لرغبتها في الانتقام، ومحاولة منها لإعادة عقارب ساعة الدولة والمجتمع إلى ما قبل 20 فبراير 2011.

الفئة الثانية تتمثل في المتطرفين والأصوليين، وهؤلاء لا يرضيهم شيء سوى رؤية الأشلاء ودماء الأبرياء تنتشر في الشوارع، ومعيار النجاح الوحيد عندهم هو سقوط الدولة وانتشار الفوضى. وهذه الفئة لا تحط من شأن حركة 20 فبراير فقط، بل هي تكره كل حركة تدعو إلى الديمقراطية في إطار الدولة الوطنية، لأن الديمقراطية عند هؤلاء كفر والدولة الوطنية  تقف حجر عثرا أمام حلمهم بالخلافة على ملة “داعش” ومثيلاتها من التنظيمات الإرهابية.

أما الفئة الثالثة فتتمثل في الحالمين بالثورة، وهؤلاء يعتقدون برومانسية ساذجة أن إسقاط النظام هو معيار النجاح الوحيد، وما دون ذلك فهو فشل، بل إن الخيال المريض يصل بهؤلاء في كثير من الأحيان، إلى القول أن  حركة 20 فبراير ما هي إلا صنيعة النظام، وأن كل ما فعلته صب في مصلحته، وأنها لعبت دورا كبيرا في تحجيم غضب المواطنين وتوجيهه في اتجاه الإصلاح عوض توجيهه في اتجاه الثورة. وهذه الفئة حين تروج لمثل هذا الكلام، فهي تفعل ذلك اعتقادا منها أنها تستطيع التأسيس لحراك جديد، يستلهم من تجربة ميدان التحرير نموذجا بهدف وحيد لا مجال للمفاوضة عليه وهو إسقاط النظام.

لكن الحقيقة البعيدة عن كل حقد أعمى أو تطرف أسود أو حلم ساذج، هي أن حركة 20 فبراير لم تفشل. صحيح أنها لم تنجح في الوصول إلى الهدف الأسمى الذي سطرته لنفسها منذ خروجها للعلن، والمتمثل في إقامة نظام ديمقراطي في إطار ملكية برلمانية يكون فيها الملك حكما لا حاكما، لكنها نجحت في وضع المغرب على السكة الصحيحة من أجل تحقيق هذا الهدف، وذلك من خلال نزع القداسة عن شخص الملك والتي كان ينص عليها الدستور القديم، ونزع الكثير من اختصاصاته وإسنادها إلى رئيس الحكومة الذي صار يتمتع بمكانة معتبرة وبسلطات مهمة، وليس ذنب حركة 20 فبراير إن كان القدر قد ابتلى المغرب بعبد الإله بنكيران كرئيس للحكومة، ليتخلى عن كل اختصاصاته الدستورية لصالح الملك، فصنع طبقة سياسية لها من القدرة والجرأة ما يكفي لممارسة السلطة من منطلق ديمقراطي وبنفس شعبي، لا يحدث بين عشية وضحاها، ولا يمكن لأية حركة مهما بلغت قوتها ونجاعتها أن تجعل ذلك واقعا في رمشة عين، بل إن الأمر يتطلب عملا طويل المدى حتى يتم تغيير موازين القوى داخل المجتمع، لأن الديمقراطية ليست مجرد حبر على ورق الدستور، بل هي قيم يتشبع بها المجتمع وترجمة لرغبة كافة فئاته في العيش المشترك وفي التداول السلمي على السلطة.

وليس علينا أن ننسى أن حركة 20 فبراير نجحت في إدخال مفهوم ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى القاموس السياسي المغربي لأول مرة في تاريخه، وجعلته يطبق على أرض الواقع، حين تمت إقالة وزير الشباب والرياضة محمد أوزين بسبب مياه الأمطار التي أغرقت أرضية ملعب الرباط. وحتى لا نبخس هذا الحدث حقه ونراه بالنظرة الاعتبارية التي يستحق، فما علينا سوى مقارنته بما حدث في مصر مساء يوم الأحد 08 فبراير 2015، حيث مات 22 مشجعا زملكاويا من ألتراس وايت نايتس، على أبواب ملعب الدفاع الجوي بالقاهرة، ولم تتم بعدها محاسبة أي مسؤول عن تلك الكارثة، بل بقي كل الوزراء متحصنين في كراسيهم وكأن لا شيء حدث. وهذا أكبر دليل لمن يريد أن يرى بعين الحقيقة أن الثورة لا يمكن أبدا اختزالها في مجرد إسقاط النظام. فمياه المطر في ملعب للكرة بمغرب ما بعد 20 فبراير أسقطت وزيرا، ودماء البشر في ملعب للكرة في مصر ما بعد ثورة 25 يناير لم تسقط حتى باعوضة.

لكن النجاح الحقيقي لحركة 20 فبراير، أنها تخطت جمود وبيروقراطية التنظيم، وتحولت إلى دينامية تسري أفكارها ومبادؤها بين كل طبقات المجتمع، وصارت رمزا للمقهورين والمضطهدين يرفعون راياتها في كل مرة يخرجون فيها للاحتجاج ضد الفقر والتهميش والظلم… لذلك على هؤلاء الذين يصرون على تمريغ اسم الحركة في التراب من خلال تنظيم مظاهرات فلكلورية لا يحضرها حتى أولئك الذين يدعون لها، أن يعودوا إلى رشدهم وأن يتركوا لنا شيئا جميلا نفتخر به ونجعله نورا يقود مسيرتنا الطويلة على درب محاربة الفساد والاستبداد.

وكم أتمنى أن يأتي يوم يصير فيه تاريخ 20 فبراير موعدا دائما وقارا للاحتفال بشباب المغرب، بدل ربط عيد الشباب بتاريخ ميلاد الملك، فما قدمه الشباب الفبرايريون للبلد فاق كل توقع، لقد حموا المغرب من الانزلاق إلى دوامة العنف والصراع على السلطة التي غرقت في دمائه بلدان (الربيع العربي)، ووضعوه على سكة الإصلاح، وسوف يذكر لها المغاربة ذلك جيلا بعد جيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.