حراك جرادة وتاريخ الفحم الحجري بالمغرب

عندما نحاول كمغاربة معرفة علم التاريخ في منطقتنا نجد ذاكرتنا وعقولنا مشحونة بمعلومات خالية من علم تاريخ المعادن،وهو مادة حيوية وضرورية في منطقة تعتبر فيها المعادن أول ثروة قوية،وجاء الوقت لتأسيس هذا العلم ليصبح مادة شعبية،واجبة على كل فرد، نقرأها من الطفولة الى الموت،وأنا أتأسف على ضياع ثقافة هذا الجانب من عقول من يسمون عندنا مؤرخين ومثقفين وعلماء ،ونأخذ بالمناسبة كبداية حراك جرادة كنموذج للوعي التاريخي للشباب الذين استوحوا ذاكرة عمال الفحم الحجري من آبائهم وأمهاتهم الذين تقاعدوا أو ماتوا أومرضوا…..،ولهم الفضل في إحياء جزء من هذه المعرفة. التي كانت محتكرة في الخرائط العسكرية السرية لفرنسا والمسخرين والخادمين من المنطقة.
إذا تحدثنا عن جرادة فإن الموضوع الحقيقي هو الفحم الحجري بالمغرب،وبالتالي تطرح الأسئلة على السياسة المعدنية،ولماذا ترتبط الطاقة والمعاد ن بوزارة واحدة،يتولاها عزيز الرباح من التيار الديني في الحكومة منذ سنة 2011؟ولماذا حرصت الحكومة منذ سنة 2011 على تغيير قوانين المعادن بكيفية لم يسبق لها نظير؟وكأنهاتتوقع أكثر مما وقع،ونرى الحملة السياسية التي يقوم بها حزب تجمع الأحرار خالية في برامجها من ذكر المعادن ونفس الشئ في برامج الأحزاب والنقابات الأخرى، وهي كذلك مغيبة في طقوس زوار الزاويةً البودشيشية في مداغ،التي سكتت عن ذكر هذا الحراك الذي يجري بموقعها،ونتساءل أين هم صلحاء وصوفية بني يزناسن أمام مايجري في جرادة؟
وبالرجوع الى التاريخ المعدني للمغرب يظهر أن ثروة الفوسفات والفحم ظهرتا معا في مرحلة واحدة، ولأهداف اقتصادية ترتبط بالحماية الفرنسية ،ففي بداية الحماية الإسبانية بالمغرب لم يكن هناك اكتشاف للفوسفات والفحم في الريف الإسباني ، ولم يذكر الفوسفات مع اسبانيا سوى في منطقة الصحراء الجنوبية (بوكراع ) ابتداء من سنة 1975وذلك سيظهر بالملاحظة المجردة أن هناك فرق بين السياسة الإسبانية ،والفرنسية في هذا المجال،ولماذا شركة بلجيكيةهي التي اكتشفت الفحم الحجري وليس الفرنسية؟وهي أسئلة لايتسع المجال للجواب عنها،ولكنها مطروحة منهجيا.
يرجع تاريخ الفحم الحجري بالمغرب الحديث الى سنة1927حيث بدأت شركة بلجيكية البحث بالشمال الشرقي للمغرب وتسمى”D’ougree Marihaye” وهي شركة معدنية عالمية ،تأسست سنة1835ببلجيكا التي هاجر اليها كثير من عمال المغرب قصد العمل في مناجم الفحم،فاكتشفت حوض الفحم الموجود بمنطقة جرادة،وبعد إعلان الإكتشاف تكاثرت لدى سلطات الحماية الفرنسية طلبات رخص الإستغلال كما تكاثرت الآن، تتعلق بجنوب مدينة وجدة ،وانطلقت مع هذا الإكتشاف سياسة معدنية بالمغرب،تتعلق بهذه الثروة التي سلك فيها الفرنسيون سياسة فتح المجال للخواص ليقوموا باستغلال الفحم وتصنيعه وتجارته خلافا لما فعلته في الفوسفات ،حيت منحت الإمتياز المطلق والإحتكار للمخزن المغربي في ذلك الوقت،وتبعا لسياسة سيطرة الخواص على هذه الثروة اكتفت السلطات بإحداث مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنيةBRPM كمؤسسة ادارية وسياسية تشرف على تدبير الثروة المعدنية ، وبعده ظهرت شركة جديدة تسمى”الشركة الشريفة لمفاحم جرادةSociétè Chérifienne des Charbonnages de Jerada يملك مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية سدس أسهمها(6000.000فرنك) وصار هذا المكتب الذي يسيره الفرنسيون يشرف على تنسيق الخطط العسكرية،والخرائط المعدنية،وتعليم وتكوين الأطرطيلة مدة وجود هذا المكتب الذي اختفى فيمابعد ،واشتغلت هذه الشركة الى حدود نهاية الحرب العالمية الثانية لتحول جميع اسهمها الى شركة أخرى سنة1946تسمى “شركة مفاحم شمال افريقيا Société Charbonnage Nord-Africain مكونة بالخصوص من أهم الشركاء المتكونين من الدولة الفرنسية،والمخزن الشريف،والشركة الشريفة لمفاحم جرادة.
وبعد ظهور الشركات العالمية الموزعة للبترول واستخراجه، بدأت شركات استعمال الفحم تتجه نحو البترول،بسبب انخفاض أسعاره في السوق العالمية،وبدأت الشركات التي تستعمل الفحم في المغرب وهي خاصة المستغلة لإنتاج وتسويق الكهرباء،والمنتجة للإسمنت(Lafarge)واسمنت مكناس،ومكتب السكك الحديدية،وكوسيما لصنع السكرCosumaتستعمل البترول حتى قال بعض الباحثين بأن البترول هو عدو الفحم،واتجهت السياسة المعدنية في مجال الطاقة والمعادن نحو الإرتباط بمصادر البترول في الشرق الأوسط، واكتشف هذا المعدن في الجزائر وليبيا وتحولت أنظار فرنسا والدول الإستعمارية عن الفحم لترتكز على البترول،وجرت معها مستعمراتها
التحول في مجال الطاقة والمعادن كان يستوجب معالجته داخليا بالمنطقة المنتجة للفحم لتحتفظ بثروتها ضد هجوم البترول على السوق العالمية، والداخلية، ولكن بالعكس كانت السياسة الداخلية هي الإستسلام الإقتصادي لقوة البترول ،وقبول مشروع إغلاق مناجم الفحم،ويصعب جدا اختيار الحفاظ على هذه الثروة المنجمية في مرحلة تاريخية تكاد تتجاوز طاقة البترول الى الطاقات المتجددةÉnergie renouvelable التي ترتكز على استغلال أشعة الشمس التي تبعد مناهج تعليمنا عن تدريسها للأطفال وتستعمل كما لوكانت تعتمد بالنسبة للمعرفة العلمية بالمغرب على أساليب سنوات1927.
كانت هذه مقدمة لتحريك التاريخ المعدني،وهي لاتهمل حقوق جماعات السكان الأصليين لمنطقةجرادة وكيفية انتزاع أراضي الفحم منهم،وهو موضوع يمكن العودة اليه.

أحمد الدغرني



الرباط في26مارس2018

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.