حراك جرادة بأفق حراك الريف

جمال المحدالي
إن الحراك الشعبي بالريف، من حيث هو طريقة سلمية في مواجهة الفساد والتهميش والتجهيل والظلم والحگرة، وأسلوب في الإحتجاج منبثق من وجدان الناس ويسير بإرادتهم وتغذيه التناقضات الصادمة التي تمور بها أوضاع البلاد، فقد حرّك هوامش المغرب، دون أن يعني هذا أن مراكزه هي في مأمن من أي حراك، فلو نظرنا إلى المغرب مجهريا لبدا لنا على أنه كله هوامش، فحيث تتمركز المصالح والمشاريع والثروات هناك بالتحديد يتمركز الإقصاء والفقر والحرمان.
إن حراك الريف قد فجر أشكالا نضالية لا يمكن التصرف معها بنفس المنطق الذي كان يتم به التصرف مع الإحتجاجات المؤطرة نقابيا أو حزبيا. فهو بذلك يؤسس لثقافة الإحتجاج المؤطر جماهيريا بالفعل والتي لن تتوقف إلا بتحقيق ما خرجت الجماهير تنادي به، وتلك الإحتجاجات غير قابلة للإحتواء ولا بمكن التحكم فيها.
إن المؤشر الأقوى على فشل تحييد حراك الريف وعزله عن محيطه الوطني يتجسد في حراك جرادة، وإستمراره ينسف أسطورة المخزن التي حاول من خلالها تشويه حراك الريف وإحتواء حراك جرادة. والأيام أثبت أن حراك جرادة هو إمتداد لحراك الريف من حيث طبيعة المطالب والشعارات والأشكال الإحتجاجية السلمية والإبداعية. لذلك تجد الدولة نفسها في ورطة بخصوص كيفية تعاملها معه. فقد كانت تراهن على احتوائه من خلال الإشادة به بسبب رفعه للأعلام الوطنية، ليس حبا في الراية الوطنية ولا في حراك جرادة ومطالبه وإنما رغبة في ترسيخ الإتهام الواهي لحراك الريف بالإنفصال بمبرر رفعه لعلم الجمهورية الريفية والراية الأمازيغية وبالتآمر والتمويل الأجنبيين فقط لأن حراك الريف حرك ضمائر الريفيين والريفيات عبر العالم وخاصة بأوروبا، فهبوا لدعم ونصرة أهلهم بالداخل، وهم الذين منذ أن وطأت أقدامهم ديار الغربة وهم يدعمون وبسخاء أهلهم ووطنهم، وبسبب ذلك تعتبر تحويلاتهم المالية أهم مورد للعملة الصعبة بالنسبة لخزينة الدولة، وقد تصاعد ذلك الدعم المتعدد الأوجه والمنقطع النظير ما أن بدأ المخزن في شن حرگته القمعية الإنتقامية على الريف.
وعوض أن تنجح الدولة في سعيها لشيطنة حراك الزيف وعزله ثم إحتواء حراك جرادة، نجد أَن الحراكات الشعبية تزداد تماهيا مع حراك الريف بإيقاعات مختلفة، وهذا ما نلمسه أساسا في حراك جرادة، وبذلك يزداد استعصاؤه عن اللجم والإخماد.
فكل الوعود التي أغرت بها الدوائر الرسمية المحتجين وكل الخرجات الإعلامية للوزراء وغيرهم من المسؤولين في محاولة لكسب ودهم بهدف إسكاتهم، لم تحقق إلا نتيجة عكسية تتمثل في دفعهم إلى الإستماتة في مواصلة إحتجاجاتهم السلمية وبوتيرة تصاعدية إلى غاية تحقيق مطالبهم.
وتلك المطالب العادلة والمشروعة التي يرفعها المحتجون بجرادة وفي كل مواقع الحراكات الإحتجاجية بالمغرب هي بالضبط ما لا تقوى الحكومة على تحقيقها، مادام أن خياراتها الإقتصادية والإجتماعية والسياسية لا تسمح بذلك، بحكم أنها خيرات الليبرالية المتوحشة المغلفة بلبوسات إيديولوجية دينية موغلة في الإنتقائية والإنتهازية، وتخضع لتوجيهات المؤسسات المالية الدولية المتحكمة في ثروات الشعوب ومصائرها.
إن حكومة تقوم سياستها على: الإجهاز على القدرات الشرائية للمواطنين وضرب مكاسب الشغيلة والخدمات العمومية، العصف بالوظيفة العمومية وتجميد الأجور وخفضها بطرق ملتوية، إطلاق العنان للّوبيات الإحتكارية قصد التحكم والمضاربة بأسعار المحروقات والمواد الإستهلاكية الأساسية، نهب وتهريب ثروات الشعب، إغداق الأجور الخيالية والإمتيازات السخية وفيوض الريع على الموظفين الكبار والبرلمانيين، عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة.. هي بالتأكيد حكومة عاجزة عن مواجهة مشاكل الشعب وعن الإستجابة لتطلعاته. بل إن سياستها تلك هي التي تولد الإحتجاجات وتذكيها.
ولتبرير عجزها هذا، لجأت الدولة إلى شيطنة حراك الريف من خلال تصريح قادة أحزاب الأغلبية الحكومية السيء الذكر الذي مهد للحملة القمعية الشرسة على الريف، تم خلالها إعتقال المئات ولا زالت الإعتقالات مستمرة، شملت الأطفال والنساء والشباب والشيوخ، كما شملت العاطل والعامل والتاجر والطالب والأستاذ والطبيب والمحامي…. وعلى أساس ذلك التصريح المشؤوم طبخت الضابطة القضائية ملفات المعتقلين ولفقت لهم تهما خطيرة واهية لا يصدقها أحد، والسؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف ستتصرف الدولة ومن خلالها الحكومة مع تنامي حراك جرادة وعدم قابليته للإحتواء؟ وإذاما قررت التعاطي معه بنفس منطق تعاطيها مع حراك الريف،، فبأي تهم ملفقة ستتم شيطنته؟ هل سيتهم مثلا بأنه يسعى لتأسيس كمونة شيوعية على غرار كمونات باريز، وهنا نستحضر بعض التصريحات التي تتهم اليسار الجذري بسعيه لتوجيه حراك جرادة؟ أم أنه سيتهم بأنه يسعى إلى إقامة إمارة عدل إحسانية، ونستحضر هنا، أيضا، تصريحات أخرى تتهم جماعة العدل والإحسان بمحاولة الركوب على حراك جرادة؟ أم أنه سيتهم بالتآمر الخارجي، وفي هذه الحالة سيتم الإكتفاء، مثلا، باستغلال نعمة/لعنة الجغرافيا بشكل بليد للكيد بالحراك؟ لكن ما كل مرة يسلم الكيد، خاصة وأن الدولة مازالت غارقة في تداعيات كيدها المشيطن لحراك الريف.
وفِي الأفق حراكات لا يليق معها إلا وقفة جادة حاسمة من خلالها تعيد الدولة النظر جذريا في خياراتها وتوجهاتها وممارساتها ومؤسساتها، وما دون ذلك فهو لعب بالنار. وأعبث لعب بالنار هو هذا القمع المسعور الذي تم ويتم التعامل به مع حراك الريف ومعتقليه السياسيين. فهل الدولة مستعدة لدفع فاتورة تماديها في اللعب بالنار؟


تعليق 1
  1. محمد الناصر النفزاوي يقول

    ” هل الدولة مستعدة لدفع فاتورة تماديها في اللعب بالنار ؟ “

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.