حراك الريف يعري دستور التخاريف…

أحمد بنموسى

كمحارب مات جميع رفاقه في الوحدة التي كان يقاتل ضمنها، يحارب وحيدا بصمت صاخب وعزيمة قل نظيرها، لا يبالي بما سيحدث فلا شيء يخسره، هكذا أصبح حراك الريف الذي تلا واقعة طحن الشهيد محسن فكري، فقد خفت الاحتجاجات بفعل تدخل القوات العمومية يوم قامت بقمع المتظاهرين في ساحة الشهداء بعد احتجاجهم على تطويق الساحة بالموانع الحديدية بهدف تنظيم معرض لم يكن مدرجا حسب مصادر مسؤولة ضمن التظاهرات الثقافية التي تعنى بالصناعة التقليدية، فالهدف الحقيقي كان وضع حد لاستغلال الحراك لهذه الساحة في الاحتجاجات بحكم رمزيتها وموقعها الاستراتيجي في وسط المدينة.

حادثة القمع تلك أسفرت عن جرحى في صفوف المتظاهرين السلميين، والشيء الذي يجعلنا نفتخر بهذا الحراك هو أنه رغم القمع ورغم استعمال الإكراه البدني إلا أن القوات العمومية لم تتعرض لأي خسائر أو إصابات سواء على المستوى البشري أو المادي، والرسالة هنا واضحة، الاحتجاجات سلمية وراقية وحضارية إلى أبعد الحدود. فبعد القمع وتناسل الأخبار عن وجود مذكرات بحث في حق قياديين ضمن اللجنة المسيرة للحراك لجأ المحتجون إلى خطوة ذكية وهي الانسحاب المؤقت من الميدان حتى لا يفسحوا المجال أمام صدام غير متكافئ وغير محمود مع القوات العمومية رغم أن هذه الأخيرة كانت على ما يبدوا تريد ذلك، الشيء الذي يتبين بشكل جلي في طريقة تدخلها في حق المتظاهرين الذين كانوا يهمون بالخروج من الساحة حينها في شكل مسيرة حتى لا يقع ما وقع، ففي ذلك الحين ربما كانت قوات القمع تشعر بضياع فرصة الضرب والتنكيل بالمتظاهرين، فقامت بالاسراع في تنفيذ تدخلها العنيف وتنفيذ مجموعة من الاعتقالات أنكرت حدوثها المصالح الامنية بالمدينة في بلاغ صادر عنها رغم وجود شهادات حية من مواطنين تعرضوا للإعتقال وتم إطلاق سراحهم صباح اليوم التالي، نفس البلاغ الذي خرجت به المصالح الامنية كذب وقوع استعمال العنف أثناء التدخل وعدم القيام بالاجراءات القانونية الواجبة قبله، الشيء الذي تكذبه مجموعة من الشهادات وكذا الصور ومقاطع “الفيديو” على مواقع التواصل الإجتماعي التي تستمر في أداء دورها المحوري في الاحتجاجات..

تدخل مبالغ فيه في حق تجمع سلمي يطالب بمجموعة من الحقوق الأساسية المتعارف عليها دوليا والتي اعترف بها الدستور صراحة، وحتى أن الوثيقة الدستورية تكفل حق الإحتجاج والتظاهر السلمي (الفصل29)، وتحرم أي شكل من أشكال الإكراه البدني واستعمال العنف دون مبرر معقول، وينص على أن الدولة تسهر على سلامة المواطنين الجسدية وأمنهم (الفصول 21-22-23) حتى أنه أفرد لها بابا خاصا بها سمي بباب الحريات والحقوق الأساسية..

إن ربط مقتضيات الدستور المغربي بالواقع يضعنا أمام تناقض صارخ بين المدون والمعمول به، فالمغرب أبدع دستورا مليئا بالثغرات والكلام الفضفاض حتى أصبح “غربالا” تستطيع تأويله كما تشاء وبطرق وأساليب عدة، بل وحتى الواضح منه لا يطبق بتاتا ولا علاقة له بالواقع، وكأنه دستور وضع للقراءة فقط ويندرج ضمن كتب الخيال العلمي ربما، والواقع العملي يحكمه دستور عرفي، يؤمن بلغة القمع وتكميم الافواه، كتب وغزل بالحديد والنار.. لكن ما يجب التأكيد عليه في الأخير بعد الإشادة بالخطوات الذكية التي يسير عليها الحراك وابتداع أساليب جديدة في الاحتجاج على غرار إغلاق المحلات التجارية، وايمانه الراسخ بمبدأ السلمية في الاحتجاج، هو أن الظالم لا يحتاج لسبب كي يظلم فليست مفاجأة أن يستعمل سلاح القمع وليس غريبا أن يضرب الوثيقة الدستورية الممنوحة عرض الحائط، وليس بجديد أن تزحف اذياله على كل الأصوات الحرة التي تطالب بالعيش الكريم والعدالة الإجتماعية ونصيب يسير من ثروات هذا البلد، وليس شيئا خارقا للعادة أن تتجاهل الدولة معاناة الريف مع مرض السرطان اللعين واقتصار مبادراتها على “الكورنيشات” وتلميع الصورة في تطبيق لسياسة الواجهة التي تترجم على أرض الواقع المثل المغربي القائل “مزوق من برا واش خبارك من الداخل” !!

تعليق 1
  1. محمد ناجي يقول

    قال الأستاذ الكاتب : « إن ربط مقتضيات الدستور المغربي بالواقع يضعنا أمام تناقض صارخ بين المدون والمعمول به، فالمغرب أبدع دستورا مليئا بالثغرات والكلام الفضفاض حتى أصبح “غربالا” تستطيع تأويله كما تشاء وبطرق وأساليب عدة، بل وحتى الواضح منه لا يطبق بتاتا ولا علاقة له بالواقع، وكأنه دستور وضع للقراءة فقط ويندرج ضمن كتب الخيال العلمي ربما »،
    وهذا أصدق وصف وأوفاه لهذا الدستور المعمول للقراءة ، لا للتطبيق.
    أي أنه ريد به أن يكون دستورا وظيفيا ، لتمرير مرحلة ارتجاجية قوية وتجاوز مخاطرها،، ولم يكن يراد به جعله دستورا تشريعيا لتحقيق العدالة الاجتماعية وترسيخ دولة الحق والقانون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.