حراك الريف و”صورة” الدولة

جمال المحدالي

من ضمن ما عرفته، على إثر عبوري، بالسجن المدني بتازة، أواخر ثمانينات القرن الماضي، هو أن السجين لا تُلتقط له صورة فوتوغرافية إلا بعد أن يفارق الحياة، ولذلك كان المعتقلون يتندرون على بعضعهم البعض حين يلم بأحدهم مرض ما بالقول: هل تريد أن تحظى بشرف تصويرك؟
فالمعتقل لا يصور إلا وهو ميت…
منذ ذلك الحين حدثت تحولات وتطورات..
سمعنا كلاما كثيرا عن الإنصاف والمصالحة، عن عدم تكرار ما جرى، عن المفهوم الجديد للسلطة وعن دولة الحق والقانون…
ومن جهتها، عرفت الصورة إنقلابا جذريا، حيث إكتسحتها موجات الثورة الرقمية فترقمنت، وتحولت آلة التصوير إلى تقنية مدمجة في الهواتف المحمولة والساعات والأقلام والأحذية والمتاجر والمنازل السيارات والإدارات لدرجة أصبح معها عصرنا عصر الصورة بإمتياز.
ومن جهته، تعامل الحراك الشعبي بالريف بشكل تلقائي وإبداعي فعّال مع الصورة والبث المباشر. ذلك لأن الحراك منذ إتطلاقته كان واضحا وصريحا من حيث الكشف عن وجوه نشطائه وجماهيره ومطالبه وخطابه، وهو ما جعل منطق إشتغاله يختلف عن منطق طابع السرية والخفاء الذي طبع الأجيال السابقة التي كانت مدفوعة للإشتغال في السرية، تلك السرية التي ظلت ملازمة لمن نشأ في ظلها حتى في سياق الإشتغال في إطار “الشرعية”، إلا أن السرية هذه المرة غدت عبارة عن كولسة وبيروقراطية وحجب الحقيفة عن الشعب لا عن النظام، ويمكن الذهاب أبعد من ذلك والقول أن بعض ذوات جيل السرية تحولت إلى ذوات سرية في أبسط شؤون الفعل والتفكير والحلم.
جيل الحراك خرج إليها مباشرة وبالمباشر، وكانت طبيعة ذلك الخروج إحدى عوامل قوته وامتداده وانتشاره.
وأمام ذلك الإمتداد واستعصائه على الإحتواء والإختراف، صرف المخزن جهده واجتهاده لا في اتجاه البحث عن كيفية التحاور مع قادة الحراك والإستجابة لمطالبهم وإنما في اتجاه التنكيل بهم.
وقد عاين سكان الريف والرأي العام في سياق الإنزال الأمني الرهيب على المنطقة وعسكرتها كيف تم استقدام جحافل من المخبرين المزودين بمختلف أنواع آلات التصوير، وكيف أن هؤلاء كانت مهمتهم هي تصيد نشطاء الحراك وعموم لمواطنين والمواطنات عبر التقاط صور مخدومة لهم لتكون دليل إعتقالهم ومحاكمتهم .
وقبل ذلك الإنزال عمدت المخابرات إلى النبش في أرشيف التغطيات الإعلامية المباشرة للمسيرات وفِي صفحات مواقع التواصل الإجتماعي بحثا عن صور ثابتة أومتحركة لنشطاء الحراك لتتخذ كمطية لإختطافهم وإدانتهم بأحكام قاسية، دون اتباع المساطر القانونية والإستعانة بخبراء أكفاء ونزهاء لتحليل تلك الصور وإثبات صحتها ومصداقية اتخاذها مبررا لاعتقال المواطنين ومحاكمتهم.
هكذا يتبدى تطور التوظيف المخزني للصورة: من توظيفها كدليل على مغادرة السجين للحياة إلى توظيفها كأداة للزج بالمواطنين في غياهب السجون وإصدار أحكام خيالية في حقهم كما حدث لجمال أولاد عبد النبي وغيره والبقية آتية بما هو أفضع إن تمادى المخزن في نهجه الإنتقامي والكيدي مع أحرار وحرائر الريف السلميين المسالمين.
وما يعزز صدقية هذا القول هو صمت المؤسسات الأمنية والقضائية وحتى باقي أجهزة الدولة عن كم هائل من الصور والفيديوهات التي كشفت كيف كانت “قوات الأمن” تداهم المنازل، تكسر الأبواب والممتلكات الخاصة والعامة، بالإضافة إلى تعنيف المواطنين والمواطنات وغير ذلك من الممارسات التي يعاقب عليه القانون. والأكثر من ذلك امتد ذلك الصمت المريب ليشمل تسريب فيديو أمغار ناصر الزفزافي من داخل مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء.
هكذا يتضح إلى أي مدى تكيل مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية وغيرهما بمكيالين.
والسؤال الصادم هو أية هبة تبقى للدولة حين تتعامل بهذا المنطق المتناقض مع مواطنيها: تحكم على مواطن في مقتبل العمر بعشرين سنة بسبب صورة وتتغاضى عن آخرين قاموا بإتلاف الممتلكات الخاصة والعامة، بل تتغاضى عن الكشف عن حقيقة مقتل الشهيدين عماد العتابي و عبد الحفيظ الحداد ومعاقبة الجناة، دون نسيان قضية الشهيد محسن فكري وما قبله؟
من يجرأ إذا على الثقة في مؤسسات دولة تتعامل بهذه الإزدواجبة؟
أما إن كانت الدولة من خلال هذا التربص بالمواطنين والمواطنات الذين ينزلون للشارع للإحتجاج سلميا من أجل مطالب عادلة أولها هو مطلب إطلاق سراح جميع معتقلي الحراك هو ترهيبهم ودفعهم للعزوف عن التظاهر، فإنها وبخلاف ما تعتقد، لا تعمل إلا على دفع الناس إلى مواصلة الإحتجاجات، خاصة وأنها بذلك تضع نفسها في مواجهة شباب لا يزيدهم ظلمها وقمعها لهم وإغلاقها لمنافذ الأمل في وجوههم إلا إصرارا على المطالبة بحقوقهم قدر إصرارهم على تحدي كل من يستهدف إرادتهم ورغبتهم في التغيير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.