حراك الريف: سوء الفهم الكبير

 جمال الكتابي

في شهر يونيو الماضي كان لي حوارا مع صحفية، تعمل لدى إحدى الجرائد الهولندية، حول ما يقع بالريف. على ضوء متابعتها وما سمعته مني ومن غيري حول حراك الريف تساءلت الصحفية بكل استغراب: ألا تعتقد معي ان شباب الحراك قطعوا بنضالهم هذا في وقت وجيز مسافة سرعتها سرعة الضوء حتى يصرخوا عاليا ضد الاذان الصماء في الرباط، بل حتى يستدركوا ما طوته السنون العجاف والعذابات التي استمرت لمدة ستين سنة ضد أهل الريف… “.

قديما كانت السلطة في المغرب تعتقل وتحاكم المعارضين بتهم من بينها ارتباطاتهم وايمانهم بالأفكار ‘الهدامة’ الآتية من ‘الكوكب’ الأحمر: الاتحاد السوفياتي والصين وكوبا…، كما كانت تتهمهم ببناء القواعد الحمراء في السرية وإيمانهم بالعنف الثوري ودولة البروليتاريا وقلب النظام. السلطة كانت تتذرع بهذه التهم حتى تعزل المعارضين عن الشعب ‘المسلم’ وشرعنة الاحكام القاسية في حقهم بدعوى انهم خارجين عن الملة والقانون والدين..فعلى هذا الأساس تم اعتقال ومحاكمة الكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي والمهندس المغربي أبراهام السرفاتي ورفاقهم. لكن لماذا تم اعتقال وتعذيب شباب الحراك إذن، مع العلم أنهم كانوا يتناقشون في فضاءات عمومية مفتوحة للجميع من بينها فضاء ميرمار في الحسيمة، كما أن نقاشاتهم كان يتابعها الجميع عبر تقنية اللايف من بينهم المخبرين أنفسهم، فضلا عن أنهم شكلوا لجانا شفافة وعلنية على مستوى الريف كانت تؤطر الأشكال النضالية، رغم أن السلطة تحاول من خلال ملفات الفرقة الوطنية إيهامنا بأن المكالمات التيلفونية هي ‘الأهم’ وليس النقاشات العمومية.

شباب الحراك وبالأخص ناصر أوقف أكثر من مرة الشعارات والكلمات أثناء المسيارات والتظاهرات حتى يمر الآذان وذلك تقديرا واحتراما لعقيدة الكثير من المواطنين. ولم يسبق لأحد قبله ان تجرأ على توقيف الكلمات والشعارات اثناء التظاهرات والمسيرات احتراما للآذان.

ناصر الزفزافي كان غالبا ما يبدأ وينهي كلماته بالبسملة خلال التظاهرات او عبر اللايف وكان من بين مراجعه الفكرية هو كتاب الله القرآن وليس الكتب الحمراء. ناصر الزفزافي أكد منذ البداية أنه/أنهم يناضلون من أجل ملف مطلبي وحقوقي واضح وبدون أجندة سرية خارجية وكما لم يطمع في كرسي الحاكم…

ناصر الزفزافي قاد جل التظاهرات على أساس فلسفة جديدة ومن بين أهم عناصر هذه الفلسفة هي السلمية ثم السلمية وعدم المساس بالملك العام والخاص من بينها مؤسسات الدولة. هذا السلوك شكل استثناء نادرا في فلسفة الاحتجاجات التي قادتها الحركات الشبابية ضد العولمة (مثلا) إلى حدود الآن والتي غالبا ما تبتدأ وتنتهي بالصدام والمواجهة مع قوات الشرطة. رغم أن كل المؤشرات (الحقد، ‘ضعف’ التأطير…الانتقام ) ذهبت أنذاك الى تغليب فرضية إمكانية حضور الصدام في حراك الريف لكن تبين العكس تماما. هذا ما تعجب له البرلمان الهولندي والأوروبي والامم المتحدة.

ناصر الزفزافي أرسل رسالة صوتية الى اجتماع اللجان الاوروبية المجتمعة في مدريد في شهر ماي الماضي حتى يذكر المجتمعين بالملف الحقوقي للحراك وفقط. ناصر الزفزافي أدان النظام البعثي والجزائري والبوليزاريو على السواء. رغم الاختلاف الذي يمكن أن ينتج عن ذلك في وسط الحراك نفسه.

هذا كله لم يشفع الشباب حتى ينجو بجلودهم من الاعتقال والتعذيب الوحشي والمعاملة والأحكام القاسية. فالسبب الوحيد في هذا العنف الذي قوبل به الحراك كما يبدو هو قلبهم الطاولة على الجميع واستعمالهم لغة وخطابا لم يكن مألوفا من قبل: لقد سموا الامور بمسمياتها بدون لف ولا دوران تجاه الدولة والأحزاب و’ممثلي’ الشعب. الدولة لم تفكر في استجابة مطالب الشباب بل طالبت باسترجاع الشرف أولا.

خلاصة القول: لو أن الشباب ثبت عنهم الجنوح نحو العنف والمؤمرات والانتماء إلى تنظيمات عابرة للقارات كما تتهمهم بذلك السلطة لما تم ترشيح قائد الحراك ناصر الزفزافي لجائزة البرلمان الاوربي” سخاروف” (حرية الفكر وحقوق الإنسان) من طرف أعضاء وبرلمانيين منتمين للحزب العمل الهولندي.

لو كان حراك الريف كما تتهمه السلطة لما تم استقبال السي أحمد الزفزافي من طرف لجنة الخارجية بالبرلمان الهولندي للاستماع إلى شهادته بعد التصويت بالأغلبية من طرف نفس البرلمان على ملتمس ‘رقابة’ حقوق الإنسان بالمغرب.

لو كان الحراك كما تتهمه السلطة لما تم استقبال السي أحمد الزفزافي من طرف المفوضية السامية لحقوق الإنسان بجنيف. ولما تم اعتبار ناصر ورفاقه بمعتقلي الرأي من طرف منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس وتش.

في الأخير: الكل مطالب العمل من أجل تقديم الوضع وتحسين المرافعة على المنطقة المحاصرة والاطفال والشباب المعتقل وذلك حتى يتم تجاوز ثقافة اليتم وجلد الذات تحت تبرير المشكل عندهم اوماشي عندنا. فالشباب بشرهم وخيرهم عبروا بشجاعة عن واقعهم المزري (العطالة والحكرة) انطلاقا من إيمانهم وافكارهم. الريف كان دائما شأن السلطة وليس شأنا عاما (بشهادة الوزير الأول السابق بنكيران)، لذا فلم نتفاجئ ببعض الهزات الارتدادية في شخص التراشقات بين بعض الشباب في المهجر والداخل. فهذا شر لا بد منه (ياللاسف)حتى يتصالح الجميع مع تاريخه. أغلب هؤلاء النشطاء ابتدأوا اهتمامهم بالشأن العام والسياسة عموما مع بداية الحراك تقريبا، لذا فمن غير المعقول أن نبقى حبيسي هذه النظرة (المتشائمة) لنبرر العجز في إنتاج أبسط الخطوات. الفاعل الجاد يجب أن يبدأ من نفسه وتعداد أخطاءه قبل تعداد أخطاء غيره. فالمنتظم الدولي لا يهمه ما يعبر عنه هؤلاء النشطاء من افكار وتراشقات وراء الشاشات، المنتظم الدولي الإنساني والحقوقي يهمه إطلاق سراح الشباب المعتقل بالقدر أنهم معتقلي رأي. كما يهمه التوثيق والتقصي حول العنف الذي تمارسه السلطة تجاه الأطفال والنشطاء. أول شيئ تم مطالبتنا به من طرف مقرري المفوضية السامية لحقوق الانسان بجنيف هو التوثيق والتحقيق في ‘مزاعم’ العنف والتعذيب وليس الكلام العام.

  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.