حادثة حلم مُميتة

هل سمعتم يوما بأحلام تقتل صاحبها؟

إنها تلك التي تستولي على القلب و الذاكرة و العقل، و تجعلهم يتبارون في صنع مضامينها و أحداثها، فقلب الحالم يرسم الحلم الجميل على شكل محبة أبدية خالية من الشنآن و لا تعتريها أية لحظة من لحظات العبوس، و الذاكرة تصر على أن الأماكن التي ارتادها صاحبها منذ زمن بعيد هي منشأ الحلم المنشود، و الأشخاص الذين لم يعودوا بالقرب كما كانوا في الماضي هم الحاجة الملحة لكي يبلغ نفس الحلم ذِروة جماله، و هي أيضا – الذاكرة- تجعل من السفر عبر الزمن أمراً ممكنا، إذ أنها في بعض الأحيان تجبر المرء على استرجاع حدث معين وقع في الماضي و إعادة تشخيصه بصوت مرتفع حتى يكاد يظن لوهلة أن الأمر حدث بالفعل في الحاضر. أما العقل فهو الذي يثبت للحالم أن الأحلام التي يصنعها القلب و الذاكرة تبقى في مجملها مجرد خدع تفوق نتائجها المؤسفة اللذة التي قد تخلفها لِلَحظات عابرة. إن العقل هو الذي يؤمن بأن الحلم هو ذلك التصور الذي يجب على متصوِّره أن يسعى لتحقيقه بالعمل الواقعي و المنطقي.
إن الثلاثة لا يصنعون الأحلام إلا لغرض تبويب جدران اليأس كي يشرق منها الأمل و السعادة على نفس الإنسان.

هذا النوع من الأحلام – و يا للصدفة- هو نفسه الذي راود سليم حين كان يمشي الهوينا في الشارع، فجعله مجردا مما يحدث حوله، و غائبا عن الواقع بشكل كلي، حتى ارتطم بسيارة كانت في أوج سرعتها جعلته يستلقي بلا حراك مضجرا بدمائه السائلة من أنفه و فمه بغزارة.

* * * *

– الله أكبر.. يا لطيف.. يا لطيف
– استدعوا على الفور سيارة الإسعاف
– إنه يتنفس..
– ابتعدوا أرجوكم و وفروا له الهواء، هل تريدون خنق ما تبقى له من زفرات؟
– سيارة الإسعاف قادمة، لكنها تسأل عن مكان الحادث..
– قولوا لهم قرب محطة الوقود، فنحن هنا لا محطة لنا سواها..
– لقد أخبرتهم لكنهم يريدون التأكد من صحة الخبر..
– نعم.. نعم.. أنا أيضا أجبروني على القسم بالله و ملائكته.. يقولون أن الكثير من المواطنين يتصلون بهم في لج الليل، و يمدونهم بإفادات خاطئة تكلفهم عناء التنقل لأقاصي المنطقة..
– نحن الآن في عز النهار، و مقر الإسعاف لا يبعد عن هنا بكثير.. لو أتوا للتحقق منذ الاتصال الأول لكانوا قد وصلوا الآن..
– إنه ما زال يتنفس..
– ها هي ذي سيارة الشرطة.. أفسحوا لها الطريق رجاء..
نظر الجميع بشزر لوجه صاحب الطلب الأخير، ثم سكتوا بعد أن أرغمهم رجال الأمن على ذلك و أبعدوهم لمسافة طويلة عن موضع الحادث:
– انظروا إلى ابن الزانية إنه يلتقط صورا للمصاب كأنه ميت.. أنا متأكد أنه حي.. إنه يتنفس.. اللهم إن هذا منكر..
– ها هي (بولونسيا) أتت سنرى ماذا سيفعلون..
حين همّ المسعفون بنقل الجثة إلى داخل السيارة، تفاجؤوا بسعال صاحبها و بفتح عينيه، ثم تعالت أصوات المتفرجين من بعيد مطالبة بالتعجيل في نقله للإنعاش، و مهددة برفع الدعوى في وجههم بحجة التقصير في تأدية المهام.
مضت ست ساعات بعد نقل سليم إلى الإنعاش، و تأكد أقرباؤه القليلون بعدها بسلامته و تجاوزه لمرحلة الخطر.

* * * *

استعاد سليم وعيه التام في مساء اليوم الرابع، و وجد رجله اليمنى مضمدة و رأسه كذلك بالإضافة إلى ضمادات أخرى مليئة بالدواء الأحمر تشغل حيزا هاما من جسده. لقد كان في غرفة أبيه و أمه الشاسعة و الباردة في مثل هذه الأوقات الصيفية الحارة، و هو على الأرجح يحبها و يعشق ميْضأتها كثيرا، و يخلو إليها –متى غاب والداه- ليستلقي على ظهره و يتأمل السقف بأعمدته المرصوصة بعناية. إنه اليوم مستلق بنفس الطريقة، لكنه لا يجد كُنها لتأمله، أو إنه لا يتأمل أصلا، بل ينظر فقط.. ينظر بعيننين محمومتين و يحاول التحرك بجسد ساخن و منهك العضلات. يتوق للنهوض إلى الميضأة كي يسكب فوق رأسه مياه البئر الباردة، لكنه لا يستطيع. إن كل ما يستطيع فعله هو تذكر ما كان يحلم به قبل أن تدهسه السيارة، و يعيد شريط الأحداث ليتحسر على بعضها و يحمد الله على البعض الآخر.
كانت الغرفة مغلقة الباب، و ضوء خافت ينفلت إليها من خصاص الباب، و أصوات من أتى لعيادته تتداعى إلى مسامعه بوضوح:
– دْونّي إسيكتّب آبّي ذاعْكاز آخْليجة نّغ.. لْمكاتيبة نسيذي آبّي (هو ذاك الذي كتبه الله زوجا لها يا أختي خديجة)
– إيوا الحمد لله آوتشما نَـشْنين قا ذ ْرْعبذ واها (الحمد لله يا أختي فنحن عباد فقط)
أصوات أخرى:
– و الله إرَا ساذحيغاسْ غي وامْكان، إرَا خساغ أسينيغ واشك أوتسذحيذ ذانيذ مانينّي خ خارَك؟ (أقسم أني استحييت بسبب ما قاله، و كنت أود أن أقول له: ألا تستحيي من أن تقول كلاما مماثلا عن خالك؟)
– واغَاسْ ذينشي أ مينة نّغ قاع ذاوا إنس باذران (لا أخلاق لأبناء أختنا مينة)
قال سليم لنفسه:
– هل جاؤوا فعلا لعيادتي؟ لماذا إذن لا يتحدثون عني؟ عن حالتي؟ أليس ما تعرضت له كافيا لإبداء بعض مشاعر المواساة؟ إنهم منشغلون بالحديث عن أمور لا تمت صلة بهدف الزيارة، و يصرون على إشعاري بالوحدة.. كم كانت أحلامي تؤنسني.. آه لو…
لم يتمم جملته، ليس لأنه لا يستطيع الترجي، بل لأن الأماني في تلك اللحظة اختلطت عليه: هل سيتمنى لو كان الزوار في نفس حالته ليذوقوا مما ذاقه و يذوقه؟ أم يتمنى لو أنه معهم الآن معافى و سليم البدن؟ لكن الأمنية الثانية بعيدة المنال إذ أنه لولا حادثة السير لما اجتمع هؤلاء في هذا المكان بالضبط.. إذن ما كان بين يديه خيار سوى أن يتمنى وقوع نفس الحادث لهم حتى يعرفوا مدى الغيظ الذي سيشعرون به حين تصل مسامعهم أصوات الزائرين المختلطة بالقهقهات و الطرائف..

* * * *

الوحدة هي أن تكون حزينا و تشعر بأن كل من حولك يبدو سعيداً.
إن سليم شخص حزين، فمنذ نيله لشهادة الباكلوريا و هو تعيس الحظ. لقد فشل في مواصلة الدراسة لأنه كان يحب فتاة ريفية تقطن في فرنسا كانت قد وعدته بالزواج، لكنها انفصلت عنه. و لم يستطع تسديد متطلبات الجامعات التي كان ينوي ارتيادها، إضافة إلى أنه كان وحيدا بلا أصدقاء نظرا لتخليه عنهم بعد أن تملكت الفتاة المهاجرة كافة جوانب حياته في السابق. كل هذا أدى به إلى إدمان الحلم كآخر خيط أمل يتمسك به، فشرع في الخروج كل يوم ليتمشى و يطلق العنان لمخيلته و لكافة جوانحه من أجل نسج الأحلام الجميلة.
و هو الآن، فوق نفس السرير و تحت السقف الذي ألهمه أول مرة لممارسة الحلم، يستطيع أن يتحرك بمهل، و لا يعتمد على أحد لقضاء حاجته الطبيعية. إن الحمام بالنسبة له هو فضاء ينعش دواخله ليرى أحلامه أقرب بكثير إلى الحقيقة، و حين يكون بداخله تأتيه أفكار يراها جميلة و صالحة لتحويلها إلى نص نثري:

” أنا أحبكِ لأني لا أريد أن أكرهك،
لقد راودتني هذه الفكرة حين كنت أمام عمود إضاءة بلا مصباح، و لما تجاوزته نسيتها، لكن راودتني مجددا عندما عدت مارّا أمام نفس العمود..
لو أحببتك لأنك تلبسين حُللاً جميلة، لكانت دُمى محلات الملابس سبّاقة للظفر بحبي. لقد أحببتك أول الأمر و لم أعرف السبب، و الآن أحبك لأني لا أريد العكس.. مهلا مهلا، أليس هذا الوطن غريبا؟ أمن العادي أن تكون دُمى المحلات في أبهى منظر و يكون الإنسان عاريا من الملابس؟
أنا لا أعرف الجواب، أنا أعرف فقط أني أستطيع أن أحلم..
أحلم بأن لا تتحقق أحلامي جميعا، لأني أحب الأحلام التي تنسيني فيك ”
ما زال سليم يحلم و ما زال يتجرد من الواقع رغم أنه كاد يموت لنفس السبب، فيا لعناد أحلامه التي تبقيه قرب الموت، وتمنحه الحياة لتتجمع فيه كأنها لم تجد لها مأوى سواه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.