جورج أورويل، الملك محمد السادس والأمير المنبوذ : إحياء ثلاثية المشهد السياسي التاريخي

أول شيء يتبادر للذهن بعد قراءة عنوان الموضوع، هو أي علاقة بين جورج أورويل الروائي البريطاني (25 يونيو 1903م ـ 21 يناير 1950م) والملك محمد السادس ؟ بحكم أن الأمير المنبوذ له علاقة بالملك وبالمملكة المغربية باعتباره سليل العائلة الحاكمة بتاريخ الدولة، لكن لا علاقة تربطه بجورج أورويل كذلك ! . صدور مذكرات الأمير المنبوذ هي التي ستربط بين هذه الأقطاب، نظرا لأن الحدث (صدور المذكرات) استدعى مشهدا سياسيا تاريخيا : وهو سيناريو سياسي اعتمدته العديد من الأنظمة بتاريخ الحكم السياسي الإنساني، ترسم حبكته (السيناريو) ثلاث كيانات تلعب أدوارا بطولية خلال أحداثه.

جورج أورويل، من أشهر الروائيين الذين قبضوا على هذا المشهد (الثلاثي) عبر هيكلته في رواية سياسية لتقريب السيناريو من فهم القارئ، وهي رواية 1984. الأمير المنبوذ (هشام العلوي) كما لقّب نفسه في كتابه (مذكرات أمير باني : مهمش أو مستبعد) الذي أصدره كوثيقة تاريخية تصف حقبة زمنية سياسية بتاريخ المملكة، وتصف كذلك أجواء قطر مُغيّب ومحذور عن مسامع العامة (ما يدور بين صفوة الدولة داخل القصر الملكي)، إنما يقوم عبره بنقد نظام وإدارة الدولة (المخزن الذي يدرجه كمدمّر مباشر لعلاقة الأخوين : الأميران ابنا الملك محمد الخامس)؛ وفي نقد الدولة يأخد موقع المعارضة : بهذا يقترب المشهد من الاكتمال، وحتى نفهم ما سيأتي كمُكمّل للمشهد، لما لا نقدم وصفا سريعا لكيانات السيناريو الذي نتحدث عنه كنظام حكم سياسي ـ إن الكيانات الثلاثة التي نقصدها هي : الشمولية والمعارضة والمواطن الحائر أو المقموع في صور أخرى. وسنرى كيف استدعى هذا الحدث (صدور المذكرات) المشهد السياسي (الثلاثي الأقطاب).

إذا كنا نفهم أن الأمير يشكل هنا المعارضة، فبظهوره في قناة فرانس 24 للتحدث عن صدور كتابه بما في ذلك “نقد” سياسي لإدراة ونظام الدولة (خلال المقابلة)، فإنه استدعى مشهدا من رواية 1984، حيث يجد وينستون (أحد شخصيات القصة وهنا سنعتبره المواطن العادي) نفسه يعيش في نظام شمولي ـ ولفهم الشمولية بأبسط عملية سنُفسح المجال للناقد الفرنسي رولان بارت الذي كتب يقول : حيث “تَماثل” الظواهر البشرية يقيم، بشكل سريع “طبيعة ما” وبالتالي فهو يؤسس “شمولية”(1)، أي أن الشمولية هي جعل النظام للبشر (المنضوين تحت سلطته) يفكرون بنفس الطريقة ليتصرفوا بذلك بنفس الطريقة، وهي “الطريقة” التي تخدم وتفيد النظام ! . فالشمولية حسب بارت “تقتضي رفض الغيرية ونفي المختلف ونجاح المماثل”، فالكل يصبح متشابها ونُسَخاً محصية من طرف النظام، كلُّ مختلف يسهل تحديده واستهدافه. لذلك فوينستون (برواية 1984) يعيش بنظام كهذا، لكن المشهد كما ذكرنا يتطلب ثلاث كيانات، وإذا سبق وتحدد إثنين من الثلاثة هما الشمولية والمواطن (الحائر)، فإن الكيان الثالث وهو المعارضة، سيتمظهر في “دقيقتي الكراهية” عبر غولدنشتاين : المعارض الأشد للحزب الحاكم ولرئيس الحزب Big Brother الأخ الكبير.

“دقيقتي الكراهية” هو برنامج تلفزيوني، يتم اجبار جميع المنظوين للحزب (الموظفين بوزارة النظام) لمشاهدته، في قاعة خاصة حيث توجد شاشة يظهر فيها غولدنشتاين “ذلك الخائن المرتد الذي كان في وقت ما واحدا من رموز الحزب القيادية، وكانت مكانته تكاد تضاهي مكانة الأخ الكبير نفسه”(2)، وحتى أننا نجد في صفحات الكتاب (عن الأمير المنبوذ) ذِكر لممارسات وأنشطة تربوية تجمع بين الأمير مولاي هشام وابن عمه ولي العهد محمد السادس، على اعتبار أنه (الأمير) كانت مكانته تكاد تضاهي مكانة ولي العهد (باعتباره ابن عمه وأقرب أصدقاء طفولته). ومثلما أن الأخ الكبير تملأ صوره المؤسسات الحكومية وحتى على قطع النقود، فإن الملك كذلك لا يختلف عن هذا الوضع (وهو بروتوكول إداري وسياسي معروف). غير أنه إذا كان الأمير يأخد موقع غولدنشتاين الذي “يستنكر دكتاتورية الحزب.. كما كان يطالب بحرية التعبير وحرية الصحافة وحرية عقد الاجتماعات وحرية الفكر”(3) وإجمالا تحسين الأوضاع الحياتية (اجتماعيا، سياسيا واقتصاديا)، فإن الأمير لا يهاجم الملك باعتباره يأخد موقع الأخ الكبير، بل (كما صرح في المقابلة التلفزيونية) وهو يتطرق للنظام المخزني الذي يدير البلاد، متقمصا غولدنشتاين الذي تطرق ل”تشويه الصورة المشرفة للبلاد (النظام الإداري)، وكل الجرائم في حق الحزب وكل الخيانات والأعمال التخريبية والهرطقة والانحراف”(4)، الأمر الذي اختزله في عبارة “المخزن حيوان” (كتصريح على القناة). مع العلم بأن السيرة الذاتية تميل لوصف حقبة الملك الراحل الحسن الثاني، وتركز على الخلافات العائلية التي شبكت خيوطها تدخلات سياسية : كيَد مخزنية تحشر نفسها حتى بالأمور الشخصية لعائلة الصفوة، وهو ما أشار له الأمير في أكثر من مناسبة بصفحات الكتاب، إلى أن اللحظات الحميمية الخاصة بين الأسرة (أسرته)، كانت شبه مفتقدة، نتيجة التربص السياسي نظرا لحساسية موقع أفراد العائلة.

وحتى لا يتهمّنا البعض، بأن تأويل حدث الصدور، تم عبر أو بناءًً على مشهد واحد : وهو ظهور الأمير وتعليقه على الحدث بالقناة الفضائية. فإننا سنقوم برصد بعض المقاطع (من الكتاب) التي تستدعي في أكثر من مرة، رواية 1984 : التي أرّخت مشهدا سياسيا في تاريخ (أنواع) الحكم السياسي. دون أن نعني بهذا أن الوضع المغربي يطابق موضوع الرواية (كإدارة سياسية)، بل ما نعنيه هو أن صدور الكتاب هو الذي استدعى الموضوع (السياسي)، كوصف للوضع الراهن اعتمادا على إسقاط المشهد (نوع الإدراة المذكورة) بالواقع المغربي، دون ربما وعي أو قصد أو تعمّد الأمير : إنما “نشاطه” هذا خلق ممارسة ك”أداة” (النشاط/المقابلة/صدور الكتاب/التعليق) انفصلت عن موجدها لتُهيئ حقل ثقافي يستدعي مشاهد وصف : التي تستدعي بدورها النقد والتمحيص. فالكتاب ينفصل عن كاتبه ما إن ينهيه ـ ليتحول (الكاتب) بدوره لقارئ : يقع تحت سلطة الكتاب (كتابه)، وما يخلقه هذا الكتاب بدوره من جدل ونقاش ـ يخدم عملية الترويج ! .

في رواية 1984، كل حركة كانت مراقبة، فشاشات الرصد كانت موجودة بكل مكان تراقب، حتى بداخل المنازل، أي نشاط أو سلوك أو تصرف يظل تحت أعين السلطة، بغرض كشف أدنى حركة تدل على المعارضة. الأمير بدوره يصف معايشته لهذا الوضع بقوله : “أحد خدامنا، أحمد، الذي كان يعشق التنصت على الأبواب. كان يتجسس على والدي، سواء كان مجتمعا بصديق أو بمسؤول خارجي.. بأحد الأيام، فتح والدي الباب فجأة، فسقط أحمد بالجهة المقابلة للغرفة، كما يحدث في الأفلام الكوميدية.. كل واحد كان يريد أن يعرف ما الذي يحدث في الجانب الآخر من الموقع، لقد كانت لعبة منعكسة، من التجسس والتجسس المضاد والتضليل”(5).

ومثلما اندهش وينستون (في الرواية) الذي كان يعرف مسبقا بوجود طبقة العامة، بحجم البؤس الذي يعيشونه عندما نزل بأحد الأيام للتجوال في أحيائها (المحذورة من قبل الحزب)، فإن الأمير لم يخفي اندهاشه وهو يقول : “وفي هذا السياق، اكتشفت الفقر. لحد الآن نهاية سنوات 1970، لم يسبق لي ملاحظته. حولي، نقول : هناك فقراء، وهناك ملك وكل هذا أمر طبيعي، لأنه يندرج ضمن لوحة (سياسية) تابثة. بالحاضر، البؤس طفى باليوم الكبير، لم يعد من الممكن إنكار ذلك. زيادة على أننا يجب أن نفهم بأننا لم نخضبعد تجربة. لقد تطلبت سنينا لفهم أن الغالبية العظمى من مواطني بلدي يعيشون في حالة من الخصاص”(6). وهذا ما يفسر تصريحه “كنا علويين في بلاد العجائب” ليعود كتوضيح “لم نكن أكثر من علويين في بلاد الويل” (لفظ merguez يشير لقطع الصوصيص باللغة الفرنسية، غير أنه وحسب اللهجة المحلية “الخاصة بالطابوهات” l’Argot يشار به للقضيب الذكري كذلك).

بالختام، وحتى نضع النقاط على الحروف، النظام الشمولي هو نوع من القمع، تحاول المعارضة (المستبعدة) أن تسقطه بشتى الوسائل حتى يتسنى للمواطنين الذين يكرهون النظام (كإحساس كامن ومخفي خوفا من العقاب)التنفس، وهذا ما يتضافر كعامل مع عوامل التآمر والمعارضة والفضح ـ لتتم عملية هدمه والإنفلات من قبضته. لكن بالنظر للواقع المغربي (وحتى نكون واقعيين) : تجد المشهد معاكسا فالشعب بغالبيته العظمى وبمختلف أطيافه يحبون الملك (وحتى الأمير أثنى في كتابه على أن المشهد السياسي تغير نسبيا بتربع ولي العهد على عرش المملكة : وما رافق ذلك من اصلاح سياسي/اجتماعي/اقتصادي) ـ وحتى بالنسبة للدفع بالمواطن للتعبير عن رأيه بكل أريحية وحرية دون تهديد أو تخويف أو تجنيد : فإنه يستغل أي فرصة لشكر الملك والتعبير عن حبه له (بغض النظر عن مطاردي “الكريمات” الذين يفسدون المشاهد بتمثيليات تقديسية مسيئة أكثر مما هي معبّرة)، ما يشهد عن انفتاح سياسي مغربي، دون التقليل من أهمية النقد للإدراة السياسية والحكومة ـ كمتطلب أساسي لأي نظام ديموقراطي. وكما قلنا فإن الكتاب يدخل ضمن خانة المعارضة : وبما أن خاصية كل نظام ديموقراطي ترك مساحة للمعارضة باعتبارها واجب وطني (للمساهمة في تحسين الوضع السياسي والسهر على عدم انزلاقه في انتهاكات للديموقراطية) ـ فالكتاب أخد مساحته كذلك (فلم يطله المنع)، بذلك فإن استدعاءه لثلاثية المشهد السياسي (كنوع حكم)، إنما تمت على حساب مرحلة متجاوزة بتاريخ المغرب (هذا لو أخدناها بعين الاعتبار) ـ رغم ذلك فهذا لايقلل من قيمته (الكتاب)الأدبية.

هوامش :

1 : رولان بارت – بعض كلمات بوجاد، أسطوريات ترجمة قاسم مقداد، نينوى.

2 : جورج أورويل – 1984، ترجمة أنور الشامي، المركز الثقافي العربي ـ ص18.

3 : المصدر السابق ـ ص19.

4 : الصدر السابق ـ ص18.

5 : Journal d’un prince banni – Moulay Hicham El Alaoui _ p25

6 : ibid _ p87,88

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.