جنازة للا فاطمة أرملة الجينيرال اوفقير

يوم17دجنبر 2013شهدت قرية سيدي علال البحراوي (حوالي 30كلمترا شرق مدينة سلا)مراسيم دفن امرأة مغربية تنحدر من قبائل زمور)مواقع القبائل تقع مابين مدينتي سلا ومكناس)ومن الناحية المنهجية سنقتصر في هذا المقال على دورها كامرأة،كإنسانة،لنخرج منهجيا من الدعايات المغرضة،وتصفية الحسابات السياسية الضيقة، لم تكن تشغل وظيفة عسكرية ولا مدنية، ولم تكن تنتمي الى حزب سياسي ولا نقابة ولا منظمة سرية ولاعلنية، ولم تكن طفولتها ولا حياتها الشخصية ولا تعليمها في مقتبل العمر تسمح لها أن تحقق ما أنجزته خلال حياتها من المعجزات،وخاصة أن تستطيع تأليف كتاب باللغة الفرنسية du roi ,Oufkir, Hassan2,et moi Les jardinsويدل هذا على كونها كونت نفسها Autodidacteولكنها بنت ضابط عسكري لم يتهم هوأيضا في ملف أية محاولة انقلابية ولولا فاطمة لمات كسائر الجينيرالات والضباط الذين لايذكرون بخير ولابشر(الكولونيل الشنا)وزوجة ضابط عسكري تشير اليه الأصابع في كثير من الملفات(الجينيرال محمد اوفقير)، ومن روابطها العائلية مع الضابطين العسكريين (الأب والزوج)تعلمت أشياء هامة من التربية العسكرية ،ومن عشرتها لنساء ورجال القصر الملكي في فترة محمد الخامس ثم الحسن الثاني تعلمت السياسة المخزنية وخباياها ،وكان موكب جنازتها طويلا امتد من المسجد الصغير الذي يقع داخل هذه القرية الى المقبرة بمسافة تزيد طولا عن كلمتر واحد،وكانت جنازة صامتة وحزينة، كادت بعض العناصر أن تمنع تصويرها ، وتغطية أحداثها من طرف الصحافة، ربما لأسباب سياسية أودينية ،أو لكون كثرة النساء في الجنازة تفرض نوعا خاصا من التقاليد المحلية…اشترك فيها النساء والرجال والشباب،والمسنين والصحافة(عادة أهل زمور وقبائل أخرى من المغرب تسمح بمشاركة النساء والرجال في مراسيم الدفن داخل المقبرة والوقوف جنبا الى جنب حوالي القبر أثناء قراءة سورة” يس ” التي يودع بها المغاربة موتاهم،وبحضور نساء عاريات الرؤوس مع لابسات الدرة)كما اشترك فيها الذين أدوا صلاة الجنازة بالمسجد والذين لم يصلوا وانتظروا خروج الجنازة من المسجد ،وشاركوا في موكب الجنازة سويا، مما يجعل الجنازة نموذجا للتسامح وحرية الاعتقاد،والتعدد والمساواة بين الرجل والمرأة حتى في حضور مراسيم دفن الموتى،ويجعلها من صميم مواضيع حقوق المرأة والأسرة..

فاطمة امرأة عانت في مسار حياتها من جميع أنواع صعوبات حياة المرأة والطفلة المغربية (تعرضت لتجربة العيش كطفلة يتيمة الأم مع زوجة والدها،ثم زواج الصغيرات(16سنة)في عام1951قبل صدور مدونة الأحوال الشخصية وقانون الأسرة الحالي،ثم تجربة كيد نساء البلاط التي انجر ت ا ليها مع زوجها والغيرة بينهن ،ثم تجربة الطلاق، والرجوع بعد الطلاق الى بيت الزوجية، ثم تجربة تعدد الزوجات(زواج الجينيرال من للا فاطمة السوسية من تيمكليجت(Timglijt)،ثم تربية أطفال يتامى بعد وفاة والدهم، ثم السجن هي وأطفالها الستة،ثم الفرار من السجن مع الأولاد ،وأخيرا المنفى ، ثم العودة الى الحرية وبعض المال والشهرة العالمية،ثم المرض والموت بالسكتة القلبية ..) وقد خرجت منتصرة في كل هذه المحن الشديدة ،ولذلك استحقت أن يكتب عن تجربتها أكثر من مقال ،وأن تسجل في قائمة بطولات نساء المغرب،كما تستحق أن تقرأ النساء المقهورات والمحرومات من التمدرس سيرتها ،حضر لدى وداعها الى مثواها الأخير أفراد من عائلتها و جمهور من الناس المتطوعين العاديين ،ونخبة من الشخصيات القادمة من أمكنة بعيدة ،وتبدو على وجوه بعضهم مراسيم العناد والإصرار والتحدي للمخاطر..منهم من قدم من خارج المغرب ومن أماكن بعيدة أو قريبة داخله ،تميزت بغياب الحكومة والبرلمان والسلطات المخزنية،وكل الطقوس الرسمية،(رغم ماكتبته بعض وسائل الإعلام من كون القصر الملكي تحمل مصاريف الجنازة)وبدون تعبئة سياسية لوسائل الإعلام الرسمية وخاصة التلفزات والإذاعات،وغياب ممثلات الجمعيات النسائية المشهورات،وغياب الأحزاب والنقابات (هناك استثناءات قليلة)والجمعيات التي عادة ماتحضر جنائز الشخصيات التي تثير الاهتمام،ويحاولون تسييسها ،وغياب من يسمون مثقفين وكتاب وكبار الصحافيين ،رغم كون فاطمة مؤلفة كتب ،ومساهمة في لقاءات وبرامج صحفية هامة ،وضحية اعتقال واختطاف استمر تسعة عشر سنة..(بالمقارنة مثلا مع جنازة إدريس بنزكري بمقبرة أيت واحيAyt wahi بنفس منطقة قبائل زمور)حتى أصبح بعض الناس يشكون أن جهات ما أصدرت تعليمات لتهميش جنازة فاطمة ، وتذكر بعقد الصمت Le contrat du silenceالذي أبرمته فاطمة مع المخزن كشرط لإطلاق سراحها والسماح لها بمغادرة المغرب..،ولكنها فشلت في تطبيق التهميش،وسبق للكاتب Stephen Smith مؤلف كتاب Oufkir un destin marocainعن سيرة الجينيرال اوفقير أن ذكر بان فاطمة كانت تتمنى أن يدفن زوجها بالرباط ليكون قريبا منها (دفن اوفقير بأمر من الحسن الثاني في مقبرة قصر طاوس KSER TAOSبنواحي بودنيب التي تبعد عن مدينة الراشدية ب90كلمترايوم18غشت1972)

هي مراسيم جنائزية لفاطمة تتميز بالمفاجأة حتى بالنسبة للذين حضروها كيف التقوا تلقائيا بقرية مهمشة لايتجاوز عدد سكانها 9000نسمة ،وفي وسط حي شعبي ليصلوا الى كل هذا العدد الضخم، وكثرة السيارات الفاخرة والعادية التي عززت الموكب؟ حتى قال احد الحاضرين”آه ، الجينيرال اوفقير مخيف حيا وميتا” بعد أن رأى الصحافيين والصحافيات يسألون الحاضرين من العائلة والشخصيات الحاضرة هذا السؤال : هل يمكنك أن تتكلم مع الصحافة ؟واعتذر الكثيرون عن الكلام،مما طرح أثناء الجنازة مشكلة حرية التعبير

ونذكر أن قرية” سيدي علال” الملقب ب “البحرواي” نسبة الى البحر، ولا يعرف أحد أي بحر نسب اليه،ولكن تذكر بعض المصادر أنه قدم من خارج المنطقة،وهو منشئ زاوية صوفية في مواقع مدينة قديمة شرق مدينة سلا وقع هدمها ،اشتهرت في عصر حكم البورغوطيين لمنطقة تامسنا باسم مدينة ادندونADENDUN(كلمة تعني الطبلTAMBOUR بالأمازيغية)وهي مدينة زارها الكاتب لسان الدين ابن الخطيب ووصفها في احدى رحلاته المشهورة،ويسميها البعض”الكاموني” وهو تحريف بالدارجة للفرنسية التي تعنيCamp Moinierنسبة الى معسكر الجينيرال الفرنسيCHARLES EMILE MOINIERأحد قادة حروب فرنسا بالمغرب(توفي سنة1919)

قد تصبح هذه المدينة التي دفنت بها فاطمة مستقبلا مشهورة باسم امرأة مغربية الى جانب رجلين :علال البحراوي،وشارل موانيي، حيث دفنت بها بجنب قبور عائلتها المتميزة، وهي محاطة بسياج من الأسلاك تدل على الخوف من العبث بالقبور، كما وقع العبث بحرية فاطمة وأبنائها أيام الاعتقال السري…ونشير هنا أيضا الى كون عشرات الضباط والعسكريين الذين اتهموا بالمشاركة في المحاولات الانقلابية التي عرفها المغرب،والذين اعدموا لم تبادر زوجاتهم ولا ابناؤهم وبناتهم الى تأليف كتب ولاسير ذاتية عنهم(استثناءات قليلة) مثل مافعلت عائلة اوفقير،بل لاتعرف حتى أسماء ولامصير الكثير منهن،كما أن الاعتقال السري لم يشمل زوجاتهم وأبناءهم من طرف المخزن الذي صب كل الغضب والانتقام على هذه العائلة وحدها لأسباب لاتزال طي الغموض والكتمان،وقد يفهم خوف الذين بقوا في الحكم بعد اوفقير من خطورة أبنائه وبناته عليهم ،بعد أن انخرطوا في حملة عالمية من تأليف الكتب ،والتواصل مع وسائل الإعلام ،حتى حققوا حرياتهم ، وضمنوا الحفاظ على ذكرى والدهم ،ولكن فاطمة كانت امرأة سموحة مع الحسن الثاني في كتابها “حدائق الملك..”وشهدت بأنها لم تنس كونها شاركته في أجمل بعض لحظات عمرها..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.