جمهور كرة القدم وبعض من الثرثرة المفيدة

مهما كانت نتائج “لجنة التحقيق” بخصوص شوهة ملعب الرباط، هذه اللجن التي تخلق وفقط للاحتواء، إلا أن لعبة كرة القدم نجحت في زحزحة وزير من منصبه وخلقت الحدث السياسي.
تعليق منصب وزير الشباب وما أثاره من لبس دستوري في الاختصاصات بين الملك ورئيس الحكومة، هذا الأخير الذي قلل من شأن الأمر في البداية، ثم خضع بعدها لأوامر عليا صدرت على خلفية فضيحة تلاعب وفساد انكشف أمام جمهور كروي واسع خدش كبريائه، فتحولت شعارات المدرجات من التشجيع للتنديد والسخط على الوزير.
هل كان سيراجع السيميائي “أمبرتو إيكو” رأيه بخصوص جمهور كرة القدم، حيث اعتبر هذه اللعبة المستقطبة للملايين، وما يرافقها من ثرثرة وحديث يبدد طاقات كان يجدر صرفها في مناقشة مشاكل الحياة الاجتماعية والسياسية.
حدث “الموندياليتو” الأخير لكرة القدم، خلقت الحدث السياسي، وكان له وقع غير ما اعتقد صاحب رواية “وردة” على أن هذه اللعبة أصبحت مجرد ” طريقة ماكرة لإلهاء الناس”. حيث كانت السبب المباشر في دفع الجمهور الكروي للاهتمام بالشأن العام، لتصبح كل ثرثرة عن المقابلات ونجومها تنتهي للحديث عن مستور الفساد الذي ينخر كل مجالات شأننا العمومي، ومدى التلاعب بصفقات وأموال عمومية في مشاريع مغشوشة.
من قبل طالما طالبت حركات اجتماعية وسياسية برؤوس وزراء ومسؤولين، ثبت تورطهم في ملفات فساد وتلاعب بأموال الشعب، وظل المطلب مقتصرا على جمهور يبقى ضئيلا مقارنة بنظيره الكروي.
غير بعيد انهارت عمارات على رؤوس السكان بسبب الغش والتلاعب في البناء، وجرفت مياه أمطار الجنوب الأخيرة قناطر وطرق حديثة التشييد، ومعها ضحايا بشرية بالعشرات. تداولت المواقع الاجتماعية وغيرها من وسائل التواصل الحديثة مقاطع فيديو مؤلمة، وهي تجرف ضحايا عزل من فوق قناطر مغشوشة، ومازال الوزراء المسؤولين منعمين لا خوف على كراسيهم، وتناسى الرأي العام المأساة بسرعة من دون اي رد فعل يذكر. لكن صور البركات المائية بملعب الرباط، ومحاولة تجفيفه بطرق بدائية، كان لها الوقع الجلل على كرسي أوزين الوزاري.
مكر كرة القدم وتدحرجها ينقلب أحيانا على مهندسيها المستفيدين منها على غرار ما حصل في “الموندياليتو”الأخير. هذه اللعبة التي تجاوزت رقعة الملعب، وأصبحت تتلاعب بأحلام جماهيرها القومية والإقليمية، وغيرها من أوهام البطولات والأساطير الزائفة التي يتم تغذيتها والتحكم في توجيهها بشكل حرفي رفيع من طرف أصحاب المال والأعمال والسياسة ، وبخلفية تسويقية إشهارية تهدف لتنميط نزعة استهلاكية أحادية مجحفة في حق الجمهور العاشق والمجنون بهذه الرياضة.
تتسابق الدول لاحتضان تظاهرات دولية وقارية تصرف بشأنها الملايير لتلميع صورتها الخارجية، وأيضا لخلق توازنات اجتماعية داخلية تخدم مصالحها. غير أن أمطار الرباط جرت بغير ما كان يشتهى الوزير أوزين، بللت كرسيه الوزاري وكشفت صورة المغرب الحقيقية غير ما كان يراد تسويقه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.